رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاتصال... بناء مهارة الكلام المصفى

انصب الاهتمام فى مقال سابق على دور التعليم فى بناء المعارف وأسس المواطنة، وفى مقال آخر على دور الفن والثقافة فى بناء الذوق الجمالى العام، ويأتى هذا المقال ليكمل هذه الثلاثية لمصادر تكوين ملكات البشر ومهاراتهم وقدراتهم على أن يؤسسوا حياة حديثة منجزة ومحفزة. يطرح هذا المقال سؤال الاتصال: ما هو الدور المنوط بأدوات الاتصال فى المجتمع الحديث؟ ويفرض علينا السؤال بداءة أن نعرف ماذا نقصد بأدوات الاتصال؟ ويلاحظ القارئ الكريم أننى لم استخدم كلمة الإعلام. فهى بالنسبة لى كلمة غريبة لا أجد لها أصلاً فى التراث العلمي، فضلاً عن أنها لا تستغرق كل ما يقصد بأدوات الاتصال. إن أدوات الاتصال تتعلق بكل الأفعال التواصلية التى تربط على ما ذهب هبرماس بحق بين تدفق عوالم الحياة اليومية وبين النظم العامة فى المجتمع.

أو قل بشكل أبسط إنها تتعلق بالأفعال التى يرتبط بها الفرد بمجتمعه وبقضاياه الكبرى. ولا تقتصر هذه الأفعال على ما يبث عبر وسائل الاتصال الجماهيرى كالصحافة والإذاعة والتليفزيون، بل تتعلق أيضاً بما يدور من تفاعلات داخل الثقافات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. فكل هذه المكونات تشكل مجالاً عاماً للحوار والنقاش، الذى يعمل فى النهاية على بلورة أفكار تصب فى المصلحة العامة.

ورغم أن هذا هو الهدف النهائى لكل منظومة المجال العام، وما يقوم به من مهام تواصلية؛ فإنه يحقق أهدافًا أخرى نبيلة فى عملية بناء المواطن الحر القادر على أن يسهم بفاعلية فى مساندة مجتمعه والارتقاء به إلى آفاق رحبة من التطور والازدهار. وفى مقدمة هذه الأهداف تكوين القدرات الكلامية، والقدرة على الإنصات والاستماع، ومن ثم القدرة على الحوار الحر البناء؛ بحيث ينتج المجال العام (بأفعاله التواصلية) أفكاراً طازجة مصفاة، لا زيع فيها ولا نفاق، ولا هوى فيها ولا مصلحة إلا المصلحة الكبرى العامة.

يعمل المجال العام على فتح مجالات عمومية للنقاش، ويشكل ساحة للحوار والتفاعل الخطابى وهنا تنتج الأقوال أو الخطابات المختلفة. ومادامت هذه الخطابات هى خطابات عمومية تتشكل فى فضاء عمومي، فإنها يجب أن تلتزم رغم اختلافها وتنافسها على المصلحة العامة بأن يكون قولها قولاً سديداً رشيداً لا لغو فيه ولا همز ولا لمز، ولا استثناء ولا استبعاد أو تهميش. إن عقلانية الحديث ورشده فى الموقف العام ينبع من أن الحديث يجب أن يكون حديثاً له هدف واضح، وأن يدرك صاحبه أن الحديث ليس حديثه وحده، وإنما هو شراكة مع آخرين فى الموقف، ولا يجوز له بأى حال من الأحوال أن يحتكر هذا الموقف لحسابه الخاص، أو أن ينكر على الآخرين دورهم فى الحديث، مع إسداء كل الاحترام والتبجيل للآخرين المشاركين فى موقف الحديث أو المستمعين له بشكل مباشر أو عن بُعد. لا مكان هنا لاعتبارات الطبقة أو المكانة أو الهيبة أو النفوذ، الاعتبار الأول لحق الفرد فى الحديث باعتباره فرداً حراً له كرامة واعتبار.

يتحول القول هنا إلى قول ماهر قاصد يحمل درجة عالية من الوعى الخطابي. وتكتمل مهارة القول بمهارة أخرى ربما تكون أكثر أهمية هى مهارة الاستماع أو الإنصات، بمعنى القدرة على استقبال الرسالة وفهمها فى ضوء محتواها، فى إطار استجابات إيجابية تمكن المتحدث الذى يرسل رسالته من أن يواصل حديثه. فالأصل فى التواصل هو الشراكة كما ذكرنا من قبل، ومن ثم فإنه يؤسس على مبدأ تبادلى بين القول والإنصات إلى القول. فالفرد يتعلم من الاستماع أكثر مما يتعلم من كثرة الحديث، كما أن الفرد لا يمكن أن يسمع له كلام إلا إذا استمع إلى الآخرين بقدر كبير من الاحترام. ولذلك فإننا نستطيع أن نقول بثقة إنه لا سبيل إلى قول رشيد عقلاني، ولا سبيل إلى مجال حر للنقاش والحوار إلا بالقدرة الفائقة على الإنصات والاستماع. وتلك مهارة لا نكتسبها من الأسرة أو من المؤسسات التربوية فحسب، بل نكتسبها فى الأساس من التدريب عليها داخل المجال العام، ومن مشاهدة النماذج المثالية للحوارات الدائرة فيه.

وبعد .. فماذا لو أجاد الفرد مهارة الكلام، ثم مهارة الإنصات؟ يكون الكلام إذن كلاماً صافياً رائقاً لا تكتنفه شوائب التعالى أو الشعور بالسيادة والتفوق أو السعى نحو التهميش والمجافاة، كما يكون ظرف الكلام مفعماً بالقدرة على الإنصات والفهم، لا بل القدرة على التفهم. فى هذا الظرف ينشأ ما يطلق عليه هبرماس المحاجة العقلانية Rational argument، والتى اعتبرها الركن الأساسى فى بناء الديمقراطية. فتلك الأخيرة لها بناء عميق، لا يرى فى صناديق الانتخاب أو تفويض السلطة، لكنه يكمن فى الخصائص النفسية والثقافية لبناة الفعل الديمقراطي، أولئك البشر القادرين على إنتاج الخطاب الهادف إلى بناء المصلحة العليا للوطن، والقادرين أيضاً على تبادل الآراء فى ضوء فهم عميق لأهمية الاختلاف، ومهارة كبيرة فى الإنصات إلى الآخرين وفهم مراميهم وتوجهاتهم.

وإذا كان للتعليم وظائفه فى بناء القدرات المعرفية والمهارية والتشاركية، وإذا كان للثقافة وظائفها فى بناء الذائقة الجمالية وما يرتبط بها من مشاعر أخلاقية، فإن عالم الاتصال المجال العام بكل مكوناته هو المسئول الأول عن بناء القدرة على الكلام المصفى (أو المجادلة العقلانية الرشيدة) بمعنى القدرة على الحوار المحترم الذى لا يتخفى وراء البحث عن الحقائق لكى يجنى ثماراً اقتصادية، أو لكى يسيطر على عقول البشر بأفكار تبعدهم عن النظر فى المصلحة العامة. وإذا ما مال عالم الاتصال هذا الميل، وتشيع للمصلحة الخاصة، فإن خطابه لن يتمتع بالصفاء والحصافة التى سعينا إلى تأكيدها فى هذا المقال، ولن ينتج إلا خطاباً مشوهاً ناقصاً ان يسهم إلا فى بناء خطابات مشوهة تسعى إلى الفرقة والانقسام أكثر من سعيها إلى بناء المصلحة العامة. لذلك فإننا يجب أن نعى الدرس بأن السعى إلى العرض القريب يبعد الشُّقة، فيجعل المطالب صعبة المنال.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: