رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لعـبة السـت

«من بعيد يا حبيبى أسلم.. و.من بعيد من غير ما أتكلم.. و.علمونى أصبر وأدارى لوعتى وأدينى باتعلم.. و.أشتكى وإنت بعيد عنى وانكرك وإنت قريب مني.. و.يسألوا أقول مش هو.. و.حكايتى كانت ويّاك حكاية.. و.القلب ولاّ العين مين السبب فى الحب؟!.. وبعت لك جوابين وليه ماجاش الرد؟.. و.يا عطارين دلونى الصبر فين أراضيه ده لو طلبتم عيونى خدوها بس ألاقيه.. و.اطلب عنيه قلبى وعنيه فداك غاليين علىّ وأغلى منهم رضاك.. و.الدنيا أرزاق قسمها الخلاّق ومسيرها لفراق.. و.حلو وكداب ليه صدقتك الحق علىّ اللى طاوعتك.. و.عطشان يا اسمرانى محبة.. و.هاتو الورق والقلم ياللى وحشتونى.. واوصفوا لى الحب بيعمل إيه فى القلب.. و.يا ضاربين الودع هو الودع قال إيه؟.. و.واسأل علىّ وارحم عنيه من دمعة رايحة ودمعة جاية و..كل العيون حواليك.. و..قول يا عزول مهما تقول.. و.حبيبى اِنت الوحيد ومهما تقسى حبى يزيد.. و.دى سكتى ودى سكتك.. و..فتح الهوى الشباك والنوم طار منى.. و.عينى بترف يا حبة عينى ياللى سرقت النوم من عينى.. و..لا لىّ غيرك ولا لىّ حد ولا أفتكر لك غير كل ود.. و.يا بايعنى وأنا شارى.. و.أدارى واِنت مش دارى.. و.قل لى يا قلبى قوام وحياتك حبيت قول أيوه يا لأ.. و.سنتين وأنا أحايل فيك.. وأبيّن زين وأخط بالودع.. و.البيض

الأمارة والسُمر العذارى.. و.ابعت لى مرة ولو سلام يمكن يصبر يمكن أنام.. و..يا سيدى أمرك أمرك يا سيدى ماأقدرش أخالفك لأنى عارفك تقدر تحط الحديد فى إيدى.. و.وله يا وله ارحمنى يا وله.. و.إزى الصحة إزى الحال؟!.. و.ودّع هواك وانساه وانسانى عُمر اللى فات ماحيرجع تانى.. و.أستنى منك جواب يجينى يقول فاكرنى ومش ناسينى وأقول حبيبى سأل علىّ إسأل علىّ.. و.بياع الهوى راح فين؟!.. و.يا أهل المحبة ادونى حبّة.. و.وأنا مالى يا بوى وأنا مالى.. و.بتسألينى بحبك ليه سؤال غريب ماجاوبشى عليه.. و.تلات سلامات يا واحشنى تلات ايام بإيدى سلام وعينى سلام وقلبى سلام.. و.السبت فات والحد فات وبعد بكره يوم التلات ميعاد حبيبي.. و.يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة طِلعت حافية وخدت زكام ورابطة راسك من الدوخة. و.بطلوا ده واسمعوا ده ياما لسه نشوف وياما، الغراب يا وقعة سودة جوزوه أحلى يمامة، اللمامة الندامة الصدامة، انت عجبك فيه جنانه ولاّ تعويجة سنانه دول لو حطوا فى ودانه جوز أرانب لم يبانوا بطلوا ده واسمعوا ده.. و. إيه فكّر الحلو بىّ.. و.ياللا تعالى قوام ياللا. و.عينى بترف يا حبة عينى.. و.أحب اسمك وأحب رسمك.. و.مهما جرى لى فى حبك أحب نارك وأحبك»..

 

كلمات مغزولة على نول العشق والولع والهيام.. لا تنام.. تطوف بالزوايا وانعكاسات المرايا وثنايا الأركان ومواطئ اللقيا زمان.. تُسائل الرمل وتخاطب الجدران وتوشوش الودع وتفتح المغاليق وتسافر مع اللقطات والكلمات، ومنديل كان ذكرى فى يد، وحلوى اقتطعت فى فم، وزهرة ذبلت على خد، وتذكرة جمعتهما فى مقعد.. وتصاحب النجم الأوحد، وتعتلى ظهر الأفق والشفق والغسق، وتسافر مهيضة الجناح مع الضوء الغابر الغاطس فى المدى، وترصد منازل القمر فى محاقه وهلاله واكتمال بدره، وليل بحلكة سائدة، وشجرة تتخاذل أوراقها وتجف سيقانها وتقف وحيدة فى مهب الريح.. كلمات تلاحق قفزات عقارب الساعة.. تطوى أوراق أجندة الأيام القاحلة والسنين العجاف ويُتم الليالى الغابرات، وتلوم العزول وعين الحسود والنفس الأمارة بالسوء، وموجة تنتحر بملء إرادتها فى أغوار موجة أخرى.. كلمات تنوء بحمل جبال الصبر فتجهر من بعد تصدع شروخ الانتظار بلواعج القلب المهيض فى بيان عاطفى شريد، وتكشف قسوة الألم عن مكنون الصدر العليل، وتزيح الستار من بعد طول انتظار عن خفايا صندوق الكتمان تنشرها ملء الأسماع والأبصار حتى ولو فى أغنية تعزفها أنات أوتار عود أو شهقات قوس كمان.

كلمات صاحبتها ألحان الموسيقار العبقرى محمود الشريف ليتغنى بها غالبية مطربى ومطربات عصره، وكان قد وضع غالبيتها من بعد قصة ارتباطه بأم كلثوم التى انفصم عراها وهُدم صرحها وانفض سامرها وهى لم تزل فى مهدها ما أن رأت عيونها النور.. فما أن خطا الحبيبان عتبة التبات والنبات حتى كان العزول بمنجله ثالثهما يقطع رأس الحب ويساوى بالمشاعر الأرض ليذهب كل فى طريق.. غنى له الجميع إلا هى.. حبيبة القلب. ساكنة الفؤاد.. الزوجة مع إيقاف التنفيذ التى كتب داخل خاتم زواجها منه عبارة «لا إله إلا اللـه» ولخاتمه «محمد رسول اللـه».. أم كلثوم التى كانت قد أعطته بخط يدها كلمات الشاعر أحمد رامى «شمس الأصيل» التى تضم أبياتًا تقول: «يطلع علينا القمر ويغيب كأنه ما كان وأنا وحبيبى يا نيل غايبين عن الوجدان» ليقوم بتلحينها لها فابتدأ ولم يكمل، وكان على موعد معها فى أغنية «حلم» لكن بعد تطور الأمور فى غير صالح الحب تصورت أم كلثوم أنه سيعطيها من باب الثأر لجراح قلبه لأى صوت آخر فسارعت بإسنادها إلى زكريا أحمد ليُلحنها فى ليلة، وتحفظها فى ليلة، وتغنيها فى الليلة الثالثة!


العبقرى الذى قام بتلحين 800 أغنية تمثل الحرية فى الأسلوب والخلاص نهائيًا من مشكلة الطابع، وفى أغنياته مثل: يا أبوالعيون السود.. وله يا وله.. تلات سلامات.. يا عطارين دلونى.. اللـه أكبر.. يا واد يا سمارة.. اسأل عليّه.. من بعيد يا حبيبى أسلم.. تحس أن الملحن ليس عبدًا لطابع مشترك وأسلوب واحد.. ولكنه يترك التعبير حرًا ويترك كل أغنية تخترع طابعها وفى ذلك غاية النضج فى فهم وظيفته كفنان رائد.

الشريف الذى قال عنه كمال الطويل: إنه المجدد الأعظم في تاريخ الموسيقي العربية، كان بمثابة السهل الممتنع، وإن مجد الإذاعة فى مجال الغناء والبرامج الغنائية قد بناه محمود الشريف فى برامجه الخالدة مثل: «قِسَم» و«عذراء الربيع» و«الراعى الأسمر» و«بالوما» و«روميو وجوليتت» و«ريا وسكينة» و«مصرع كيلوباترا» و«غار حراء» وعشرات من البرامج الغنائية التى لم تقدم الإذاعة على مثلها حتى لحظتنا هذه، وفى ساعة صفا مع الموسيقار الكبير سيد مكاوى عاشق ألحان الشريف المعترِف به امتدادًا حقيقيًا لمدرسة سيد درويش قام بتقسيم أعمال محمود الشريف المتميزة للغاية إلى ثلاثة أقسام: الأول صوره الغنائىة المتعددة التى لا يناطحه فيها أحد مثل «آزار عذراء الربيع»، والثانى ألحانه الشهيرة لكبار المطربين والمطربات مثل شادية ونجاة وفايزة أحمد وعبدالحليم وصباح.. وكانت أغنياته بمثابة ماركة مسجلة تضمن النجاح، وقد ساهم بنصيب كبير فى مجال المونولوج الفكاهى والانتقادى فقام بتلحين معظم مونولوجات صديقه محمود شكوكو الذى بدأ بالتعاون معه بمونولوج «حمودة فايت يا بنت الجيران»، والثالث ألحانه على الشاشة الفضية التى كانت وراء نجاح العشرات من الأفلام السينمائية على عكس المعتاد، حيث كانت السينما وراء شهرة كثير من الألحان، ولعل أبرز ألحانه كانت فى رواية «لعبة الست» التى غنى فيها عزيز عثمان: بطلوا ده واسمعوا ده وغيرها، ويذكر أن الشريف وضع لحنًا غنته صباح وهو «فى عينه حيرة» تأثر به الموسيقار عبدالوهاب فلحن على غراره أغنية «حبيبى لعبته الهجر والجفا»، وعندما مرّ عبدالوهاب يومًا على الغرفة التى يقوم فيها الشريف مع الفرقة الموسيقية بالبروفات النهائية للحنه الأول لرفيق عمره محمد عبدالمطلب وهو لحن «بتسألينى بحبك ليه» وقف عبدالوهاب مبهورًا لا يعرف كيف استطاع من أبدع هذه الأغنية أن يستخدم «المارش العسكرى» داخل أغنية عاطفية، ودخل عبدالوهاب وتعرف إلى الشريف، بل أخذ منه العود وشارك بدلا منه مع الفرقة الموسيقية، لأن الشريف كان يعانى من العرق الغزير الذى يبلل يديه كلما اندمج فى العزف، وظل هذا العيب مرتبطًا إلى نهاية حياته.

وتعد قصة حب محمود الشريف وأم كلثوم بمثابة دراما حقيقية لو قدمت للسينما لنافست فيلم «تايتانيك» حيث اللقاء بين التعقل والاندفاع، بين موازنة الأمور والإعصار الهادر ممثلا فى محمود الشريف ابن الاسكندرية فى 20 ابريل 1912 والأخ الأصغر لثلاثة أخوة محمد وإسماعيل وحسن، حيث لم يكمل محمود دراسته لانشغاله بالرياضة خاصة المصارعة الحرة، وكان يُشرف على تدريبه فى نادى الرمل الرياضى البطل العالمى «إبراهيم مصطفى» ولم يدر بخلد محمود الشريف إطلاقًا أن يعمل بالموسيقى مع أن شقيقه الأكبر كان عازفًا فى فرقة الأمير عمر طوسون الموسيقية ليصبح بعدها رئيسًا لها بعد المايسترو الإيطالى، وبدأت حكايته مع الموسيقى عندما أحب بنت الجيران التى تتلقى دروسًا فى العزف على البيانو فلم يجد طريقًا إلى قلبها إلا عبر الموسيقى وسماع الأسطوانات، فأصبح مشواره اليومى إلى محل عم فرح تاجر الأسطوانات لسماع كنوزه، وخرجت المصارعة من حيز اهتماماته، ورغم زواج حبيبة القلب استمر شغفه الجديد بالموسيقى ليلتحق بالعمل فى فرقة أحمد المسيرى، وعندما أعلن معهد الموسيقى عن حاجته إلى أصوات جديدة سافر فورًا للقاهرة وتقدم لامتحان القبول لكن لجنة التحكيم رفضته لأن تكوين جسمه كبطل مصارعة لا ينبئ إطلاقًا عن مستقبل مطرب، لكن إصراره ألحقه بفرقة بديعة مصابنى ليُلحن لها أحد الاستعراضات فى السر، وما أن نجح الاستعراض ليستمر عرضه ثلاثة أسابيع متواصلة حتى تم الكشف عن حقيقة الملحن الذى رفعت بديعة مرتبه من 12 إلى 20 جنيهًا فى الشهر، ومن هنا بدأت رحلته مع التلحين.. وعندما انفصلت «ببا» عن فرقة بديعة وكونت فرقة خاصة التحق بالعمل معها فى ملهى «مونت كارلو» بالاسكندرية ليقدم تابلوه غنائى باسم «بالوما» شارك بالغناء فيه محمد فوزى فى بداية مشواره الفنى، وتصادف أن شاهد العرض الإذاعى الكبير محمد فتحى فأعجب به ليبدأ معه مشواره الطويل الإبداعى التاريخى على مدى 40 عامًا يأتى فيها رمضان كل عام لنغنى من ألحانه «رمضان جانا أهلا رمضان».

وليس كمثل مصطفى أمين من يكتب عن الخبر القنبلة ــ زواج ثومة بالشريف ــ الذى طغى على أنباء المعاهدة فى 7 ديسمبر 1946 وتلقاه الناس بدهشة بالغة ليقول بعضهم: «محمود الشريف كسب البريمو»، ويُعلق محمد عبدالوهاب بحرصه التقليدى «لا أستطيع إبداء الرأى حتى لا يؤول الناس كـلامى تأويلا لا أحبه»، وقالت نور الهدى: «رغم زواج أم كلثوم فمازلت أعتقد أنها راهبة فى محراب الفن»، وقالت ليلى مراد: «لقد فرحت بزواج أم كلثوم من فنان لأنها أيدت نظريتى فى ضرورة زواج الفنان»، وقالت نجاة على: «إنها مسائل شخصية ليس لأحد فيها رأى فيها مادام صاحب الأمر مستريحًا إلى تصرفاته»، وجاء تعليق رجاء عبده: «تمتاز أم كلثوم بعقل راجح زانها وفضّلها على غيرها طوال حياتها، فإذا كانت قد قررت اليوم أن تتزوج فلا شك فى أن هذا عمل لا غبار عليه»، وقالت الملكة نازلي: «إنه انتصار للحب حتى ولو كانت صاحبته تحمل لقب صاحبة العصمة»، ولقد ظن الكثيرون أن الخبر مجرد إعلان لفيلم أم كلثوم «فاطمة» على الطريقة الأمريكية التى يجيدها أصحاب أخبار اليوم الأخوان مصطفى وعلى أمين.

كتب مصطفى أمين عن الزواج القنبلة: «كنت فى الحقيقة أعرف خبر زواج أم كلثوم بالأستاذ محمود قبل أن يُذاع ولكنى آثرت كتمان الخبر نزولا على إرادة الزوجين الكريمين. واليوم وقد أُذيع الخبر وأصبح حقيقة واقعة وإن كان الكثيرون مازالوا ينكرون صحته فإننا فى حِل من أن نذكر بعض ما نعرف عن هذا الزواج الفنى الكبير.. كيف تعارفا؟.

لم يكن أحدهما يعرف الآخر مطلقًا أو رآه رغم أنهما يعملان فى مهنة واحدة، وكانت من أعز أمانى الشريف التى يرددها لأخصائه أن تغنى له أم كلثوم أغنية يلحنها، وكان أول لقاء لهما فى منزل الأستاذ محمد عبدالوهاب حيث دعا بعض أصدقائه ومن بينهم أم كلثوم ومحمود الشريف، وفى هذه الحفلة الخاصة انطلق الشريف يغنى ألحانه الشعبية واشتركت أم كلثوم مع عبدالوهاب فى ترديد الكورس، وكان اللقاء الثانى حينما انتُخب الشريف وكيلا لنقابة الموسيقيين التى ترأسها أم كلثوم، وفى إحدى الجلسات اقترحت الرئيسة اقتراحًا عارضها فيه الشريف، وكان عنيفًا فى معارضته مما لم تألفه أم كلثوم التى ألفت الطاعة دائمًا، ومن هنا بدأ الشريف يأخذ حيزًا من تفكير أم كلثوم، وأخذ هذا الحيز يكبر شيئًا فشيئًا فى جلسات النقابة وما بعدها، فقد كان محمود يختلى فى النقابة مع نفسه ليلا ويأخذ عوده ليدندن أغانيه فتسرى إلى سمع أم كلثوم التى تأتى لتشاركه لحظات الشدو والشجن، وتمتد بهما السهرة فى كثير من الأحيان إلى طلعة الفجر..

وفى ليلة ما بدار النقابة جلس الاثنان يشاركهما (ثالث)، وأخذت أم كلثوم تغنى لحنًا جديدًا للشريف عنوانه «حسن يا حسن» واندمجت فى الغناء حتى بكت، وبدأ الشريف يواسيها ويصور لها حياتها بلا قلب يحنو عليها ويرعاها، فأخذت أم كلثوم تفكر فى ماضيها وحاضرها وفى مستقبلها.. لقد أحست يومًا بالموت يقترب منها فما أفادتها الألوف من الأموال التى جمعتها، وما رأت تلك الوجوه التى تتسابق إلى رؤيتها على منصة الغناء تلتف حولها فى سرير المرض، وهذه الأكف التى تلتهب من التصفيق أين هى لتمتد إليها تعاونها على النهوض لشرب الدواء؟ إنها فى حاجة لمن يحميها ويواسيها، فمن هو؟ استعرضت كل من تودد إليها، وكل من طلبها، فإذا هم بين باشا سِنه يزيد على الخمسين، أو شاب دون العشرين، أو ثريا يحسب أنه يستطيع شراءها بالمال وهى منه فى وفرة طائلة.. مرت بخاطرها كل هذه الذكريات فسألت ثالث الجالسين معهما وكانت له فتاة يحبها هو الآخر.. سألته عن نهاية الحب بين اثنين فأجابها فورًا (الزواج) فقالت له ولماذا لا تصارحها برغبتك تلك، فأجابها لأنى أخشى الرفض، فقالت أو ليس الرفض يضع حدًا لهواجسك، ومن يدريك لعلها لا ترفض، فأجابها بأنه خير له أن يعيش بالأمل من أن يقتله بيده.. ولقد كان الشريف يسمع هذا الحوار وهو ساكت فسألته صاحبتنا لماذا تسكت ولا تُبدى رأيك فأجابها: «عنده حق فيه حاجات الواحد ما يقدرشى يقولها».. سألت: زى إيه؟!.. أجابها «مثلا لو قلت لك دلوقت أنا أتمنى أتجوزك».. . ولم تدعه أم كلثوم يتم كـلامه إذ قاطعته قائلة: «وأنا كمان».. وهنا ساد الصمت الرهيب على الجلسة والتقت نظراتهما برهة وجيزة عبرت عما يكنه أحدهما للآخر، ثم مدَّ الشريف يده لها قائلا: «الفاتحة»، وقرأ الثلاثة فاتحة الكتاب.. وفى اليوم التالى صحب الشريف خطيبته أم كلثوم إلى الصاغة حيث اشتريا الدّبل وقد كُتب على دبلة الشريف «لا إله إلا اللـه» وعلى دبلة أم كلثوم «محمد رسول اللـه» ولم يكتب عليها الأسماء أو الحروف الأولى كالعادة وإنما كتب التاريخ الهجرى غرة محرم 1360، وبعد عشرة أيام بالتمام من الخطوبة تم عقد القران، وأثناء كتابته سأل المأذون: «هل العِصمة ستكون فى يد صاحبة العِصمة؟» فسكتت أم كلثوم ليرد الشريف: «بل فى يدى أنا يا أستاذ فالرجال قوامون على النساء» وسأل المأذون عن المهر، فقالت أم كلثوم: «خمسة وعشرون قرشًا صاغًا»، وقال الشريف: «بل اكتب أقصى ما تسمح به الشريعة من مهر، إن أم كلثوم تساوى ثقلها ذهبًا، ولو كان لى مال قارون لوضعته تحت قدميها، ولكن أم كلثوم أصرت على ألا يزيد المهر على خمسة وعشرين قرشًا دفعها الشريف فورًا.. قطعتان من ذات العشرة قروش فضة وخمسة قروش ورق.. وكانت أم كلثوم أثناء كتابة العقد غاية فى المرح والسرور حتى لقد بدت وكأنها فى نصف عمرها، وكانت توزّع نكاتها يمينًا وشمالا.

ويكتب مصطفى أمين فى نهاية مقاله ــ الذى قام بنشره الكاتب الصحفى طارق الشناوى خير مرجع الآن لتاريخ الفن والطرب على أرض مصر فيكفيه زادًا فنيًا أن والده الشاعر مأمون الشناوى وعمه الذى نحسده على قربه منه العملاق كامل الشناوى ــ إن السؤال الذى يتردد الآن على ألسنة الناس.. هل يقوم الشريف بمنع أم كلثوم من الغناء فى الحفلات العامة؟! لقد أعطته هذا الحق وهو لم يبت بعد فى الأمر، وإن كان بعض خلصائه قد سمعوه فى ليلة حفلتها الأخيرة يقول لهم: «هذه آخر حفلة تغنيها أم كلثوم» ولما كان خبر الزواج لم يُذع بعد فقد مرت هذه العبارة دون أن يعلق عليها أحد منهم.. هذا ما نستطيع نشره الآن ونحن نتقدم إلى الزوجين الكبيرين بخالص التهنئة راجين لهما سعادة موفورة وحظًا كبيرًا».. وتعلق مجلة «دنيا الفن» من بعد نشر الخبر بأن الأستاذ محمود الشريف قد قال لمندوبها إنه يعتبر نفسه أسعد إنسان بزواجه من صاحبة العصمة، وقد علمنا أن العروسين سيقضيان شهر العسل فى أحد فنادق مدينة الأقصر، وتواصل سطور النميمة الصحفية: كانت أول مرة قابل فيها الأستاذ محمود الآنسة أم كلثوم منذ ثلاثة أعوام وكان قد قدم لها لحنًا لم يعجبها، فذهب إليها ليعاتبها، وتطور بينهما الجدل يومها حتى اتهمها بأنها لا تفهم فى الموسيقى شيئًا.. ثم رضيت عنه أم كلثوم منذ عام واحد فقط بعدما شفع له الرسام «رخا» لديها، وظلت العلاقة بينها وبينه فاترة، ومع أنها كانت تراه دائمًا فى نقابة الموسيقيين إلا أن الحديث لم يكن يعدو المسائل الخاصة بالنقابة، وعندما مرضت أم كلثوم مرضها الأخير لم يكن محمود يغادر بيتها لحظة من الليل أو النهار، وأحست أم كلثوم بإخلاصه بعد شفائها من مرضها، وأحست أيضًا بعاطفة الحب التى دفعتها لاختياره زوجًا، هذا ولم يحضر حفل الارتباط سوى عشرة من الموسيقيين بما فيهم العريس، وظل الخبر مطويًا فى صدور كل من حضر.

ولم تمض أيام إلا ويكتب مصطفى أمين مقالا آخر بعنوان «جنازة حب» يبدأ مقدمته بسطور يقول فيها: «تبدأ القصة من نهايتها.. فى مساء الثلاثاء الماضى خلع كل من محمود الشريف وأم كلثوم الدّبلة الذهبية التى كانت تربطهما أمام اللـه والناس وعاد محمود إلى بيته والناس فى انتظاره يحيونه: مبروك.. مبروك.. ولم يكن أحد يعرف.. أصدقاؤه يطلبون الشربات والحلوى وجيرانه يطلقون الزغاريد، والأيدى كلها تمتد لتشد مهنئة على يده.. مبروك.. آه لو يعلمون أن اليد التى يصافحونها الآن قد خلت من أجمل شىء فيها. من دبلة الزواج.. لم ينتبه أحد لذلك فقد أغلق محمود الشريف عليه باب غرفته وراح يُلحن أغنية مطلعها «مكتوب لى إيه فى هواه إيه قسمتى ويّاه» كان عليه فى تلك الليلة أن يلحن هذه الأغنية لإحدى شركات السينما وكانت فى جيبه منذ عشرة أيام ولكنه لم يستطع أن يلحنها أو يقرؤها فقد كان يظن أنه قد عرف ما قُسِم له وما كُتِب، وهو أن يتزوج من المرأة التى أحبها أكثر مما أحب أى إنسان فى العالم.. كان كل شيء نائمًا فى بيته إلا هو.. كان فى الجنة فخرج منها.. كان أسعد رجل فأصبح أشقى رجل.. و..فى لحظة واحدة استيقظ من ذلك الحلم الجميل الذى لم يدم سوى بضعة أيام على يقظة مروعة، وراح يبكى ويغنى.. واستيقظت أمه مستشعرة صدمته فقد كانت هذه أول مرة يدخل فيها بيته لا يقبل يدها.. لقد نسى الشىء الذى لم ينسه منذ عرف كيف يمسك يد أمه صغيرًا».. ويمضى مصطفى أمين فى سطور الميلودراما الصارخة الدامعة ليكشف الستار عن السبب وراء جنازة الحب ألا وهو اكتشاف أم كلثوم أن هناك زوجة أخرى لمحمود الشريف وأنه والد لطفلة صغيرة اسمها إكرام، ففضلت التضحية بسعادة قلبها فى سبيل ألا تبنى سعادتها على تعاسة فاطمة الزوجة المريضة التى لا حول لها ولا قوة.

والمذهل أن مصطفي أمين كما ذكرت المؤرخة الموسيقية رتيبة الحفنى فى عام 2005 قد تزوج سرًا لمدة 11 عاما كاملا من أم كلثوم، وذكرت بعض المصادر أن عقد زواجهما قد تم اكتشافه في خزينة الصحفى الكبير بأخبار اليوم بعد اعتقاله في قضية سياسية ملفقة، وقد أيدت ذلك الكاتبة الكبيرة نِعم الباز فى عام 2009 وكانت قد قامت بمهمة مديرة مكتب مصطفى أمين لفترة طويلة بقولها: «شاهدت رسائل منها إلي مصطفي أمين بدايتها إلي زوجى العزيز والإمضاء المخلصة أم كلثوم.. فاطمة».. مرجحة أن الزواج قد تم أثناء قيام أم كلثوم ببطولة فيلم (فاطمة) الذى كتب قصته مصطفى أمين.

ونذهب لصاحب الشأن الذى يروى لنا كيف التقى بمحبوبة القلب مع إنشاء أول نقابة للموسيقيين وكان الشريف أحد المناضلين لإنشائها، وعندما تحقق الأمل تم انتخاب أم كلثوم لمنصب النقيب والشريف وكيلا ليقول فى مذكراته: «شهد أول اجتماع مناقشات صاخبة، وفى النهاية جلست إلى كنبة بالقرب من النافذة فاقتربت أم كلثوم لتطل منها، ثم عادت وألقت بحقيبتها إلى جوارى، وجلست إلى جانبى ومدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت علبة سجائر وقدمت لى واحدة وأشعلت لها الأخرى، ودار الحديث حول مصيف رأس البر الذى عادت منه منذ أيام، واقترح عازف الكمان أحمد الحفناوى الجالس معنا أن يعزمنا الليلة على الحاتى، بشرط أن يقدم لنا محمد القصبجى بعضًا من تقاسيم عوده، وفوجئ القصبجى بالاقتراح وخيَّم عليه صمت كئيب بعد موافقة أم كلثوم التى غيّرت الاقتراح قليلا بقولها: «أنا عندى فكرة أحسن.. (إيه رأيكم بدل سهرتنا فى النقابة أعزمكم ونقضى السهرة عندى فى البيت)».. وحمل القصبجى عوده على مضض، ولكنه فوجئ بأم كلثوم تضحك مُداعبة وهى تقول: سلامتك يا قصب.. طب خليك إنت مدام تعبان، ولكنه انتزع نفسه من فوق مقعده قائلا: «أمرى للـه».. ويستطرد الشريف فى روايته: «لقد كان للقصبجى مع أم كلثوم قصة حب من طرف واحد، وفى القاعة الكبرى امتدت السهرة حتى مطلع الفجر وعزف القصبجى وغنت أم كلثوم.. ومع الفجر قمت أتنسم بعض الهواء البارد، وشعرت بيدها تمسح على كتفي.. تلفت إليها.. إلى الرمز الخالد.. إلى ثومة.. وأحسست بأنها مسحت عنى الأحزان.. اقتربت وهمست ببضع كلمات: انت تتغدى معايا بكرة هنا فى البيت»!.. وكانت تلك بداية لقصة الحب العاصف التى اهتزت لها جميع دوائر العارفين حتى وصلت إلى القصر الملكى، ولم تكن مجرد نزوة طارئة كما حاول البعض تصويرها.. ويقول الشريف فى مذكراته: «ولدت مرتين.. يوم ولدتنى أمى ويوم أحببتها ولم أقل لأحد إنى أحبها.. ليس عندى شىء أقوله سوى أن يتركنى الناس وشأنى حتى أتفرغ للعناية والسهر على هذا القلب الكبير.. إننى أرجو من الدنيا أن تبتهل إلى العلى القدير أن يبارك هذا الحب والارتباط ويرعاه ويحفظه من شياطين الإنس»... ولكن شياطين الإنس والجن قد لعبت دورها فقد تحالف الجميع ضد هذا الزواج.. فالذين يعشقونها من جانب واحد لم يتصوروا أن يخطف قلبها هذا الشاب المحب للحياة بجنون، وكان البعض يرى فى القصة منظورًا آخر، فقد جاء الشريف بعد قصة حب كان البعض يتصور أن تنتهى بالزواج بين أم كلثوم وشريف صبرى خال الملك فاروق، الذى تراجع تحت ضغط الأسرة وأحست أم كلثوم بجرح غائر وربما تكون قد ردت اللطمة بالزواج من الشريف، لكنها أحبته بصدق وعرف هو كيف يحتويها، ولأنها تحمل نيشان الكمال ولقب صاحبة العصمة كان لابد من موافقة الملك على الزواج والملك لا يوافق.. لقد صدر فرمان ملكى ليُنهى حدوتة العشق وإن كانت هناك اعتراضات أخرى جاءت على ألسنة المحيطين بكوكب الشرق فعندما دخل زكريا أحمد إلى الفيللا لإجراء بروفة على أغنية جديدة يُعدها لها قال بصوت عال «إيه اللى عجبك فى الواد الحلنجى ده» وكان الشريف فى الدور الثانى يسمعه، أما محمد القصبجى فقد دخل شاهرًا مسدسه فنهرته أم كلثوم فسقط من يده وأغمى عليه، أما أحمد رامى فما أن سمع بالخبر الحزين حتى نزل إلى الشارع بالبيجامة وركب الترام ذاهلا وهو يبحث عن أخبار اليوم.. ويؤكد محمود الشريف أن أم كلثوم كانت تعلم بخبر زواجه (بل كانت تأتى لزيارتنا فى منزلى بحى السيدة زينب، وإذا ما قيل إنها رفضت الزواج بى لأنى رجل متزوج فقد تزوجت الدكتور حسن الحفناوى أستاذ الأمراض الجلدية الشهير وهو متزوج وأنا الذى قدمته لها».. صاحبة العصمة التي امتثلت أيام الملكية لفرمان فاروق بضرورة الانفصال، كان لنفوذها الطاغى بعد الثورة ما حظر نشر خبر زواجها بالدكتور الحفناوى لمدة عامين، وعندما قام حسن إمام عمر رئيس تحرير الكواكب بالنشر تحت أسماء مستعارة، تم نسف أعداد المجلة، وأغلقت المطبعة، ومُنع من الكتابة لمدة عامين، ليبقي تحت حراسة حربية مشددة أمام باب شقته.

وإنى لأعجب من تقييم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد لحكاية حب أم كلثوم ومحمود الشريف وهى المعجبة الأكثر كلثومية على بر مصر، فقد أعادت سبب الارتباط إلى مرض الغدة الدرقية الذى هدد عينى أم كلثوم، ولم يجد الأطباء بدًا من المصارحة، فأنذروها أن الخطر فى طريقه إلى عقلها وسريعًا إن لم تتزوج وترضى بشريتها.. وتقول الدكتورة نعمات في كتابها (أم كلثوم.. عصر الفن ص270): «وطاردتها الأوهام ثم ألحت عليها وضيقت عليها الخناق فكانت لا تطيق أن تجلس مع مخلوق أكثر من دقيقتين تصرخ بعدها فى وجهه فيغادرها حزينًا عليها.. ونشطت صديقاتها المقربات، يكاشفن بالسر الخطير أصدقاءها المقربين عسى أن يقعن على (الرجل) وأدركت أم كلثوم أن ما تراه عينها من الوله والهيام والهتاف المجنون كـلام ليل ولوازم غناء، وعصرها الألم، وطنَّ فى أذنها أكثر فأكثر إنذار الأطباء.. وذهبت يومًا من أيام هذه المحنة إلى نقابة الموسيقيين فوجدت هناك (محمود الشريف).. مالك؟.. وانفجرت أم كلثوم كأنها تنتظر هذه الكلمة من إنسان.. أى إنسان.. وأتى ردها: «ناس مافيهاش خير.. كل واحد لا يتردد فى الأخذ ولكنه عند العطاء يتلون ويروغ.. وعاد يسألها: مالك؟! وهدأت أم كلثوم بحكم الخجل وخفت من صوتها قائلة: «تصور أن الأطباء قرروا أن أتزوج لا محالة»، وأتت إجابته: «كل إنسان يتمناك ويتشرف بك وبزواجك»، فسألته: «يعنى انت مثلا؟!» فأجاب: «قوليها قولى نعم».. فقالت: «نعم».. قالتها بعدما ظلت راهبة عمرًا فى محراب الفن تغنى:

صبحت أعيش بقلوب الناس

وكــل عــاشق قـــلبى معـــاه

شربوا الهوى وفاتولى الكاس

مــن غــير نـديم أشـرب ويـاه


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: