رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الثروة العقارية

لست خبيرا فى العقارات، كما أننى لست خبيرا فى ضرائبها وقواعدها الدستورية، وتدخلى فى الموضوع هو بحث فى أصول المسألة من زاوية المصالح العليا للبلاد. وخلال الفترة الأخيرة دخلت «العقارات» فى نوعين من النقاش: الأول له علاقة بالضريبة العقارية، ومدى لزوميتها، فضلا عن دستوريتها وملاءمتها للقوانين المرعية؛ والثانية لها علاقة بالاقتصاد حيث كانت الرؤية أن فى البلاد «فقاعة» عقارية كبيرة على وشك الانفجار؛ والمشابهة التاريخية فيها الكثير من الأزمة المالية والاقتصادية الآسيوية عام 1997، والأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية العالمية فى عام 2008. فى الحالتين كان للعقارات دور كبير عند قاعدة الهرم الاقتصادي، حيث زاد البيع للعقارات بتسهيلات كبيرة عن القدرة على السداد لدى المشترين، وعندما توقف العائد إلى المؤسسات البنكية وما تبعها من مؤسسات تأمينية تؤمن على أموال البنوك بدأ الانهيار من قمة الهرم حتى وصل إلى السفح، فأفلست شركات تأمين وأعقبتها بنوك وصودرت عقارات أفلس ملاكها فكان الانكماش الكبير أو الكساد للاقتصاد. كانت هذه هى الصورة السوداوية للعقارات فى مصر، وربما كان السواد سببه المشابهات التاريخية غير الدقيقة، ففى مصر فإن التمويل العقارى من البنوك محدود، كما أن تداخل التأمين العقارى فى العملية كلها نادر، وببساطة فإن الهرم العقارى فى مصر غير موجود أصلا، ومن ثم فإن الحديث عن فرقعة «الفقاعة»، أو انهيار الهرم غير وارد ربما لأن الفقاعة غير موجودة أو أن الهرم لم يقم. ولكن المؤكد أن هناك خللا ما فى السوق يجعل السكن والتأجير والبيع والشراء للعقارات غير فعال.

الحقيقة الثابتة الوحيدة التى نعرفها هى أن هناك أكثر من عشرة ملايين عقار أو منشأة للسكن مغلقة ولا يغشاها أحد، وهى موزعة بطول البلاد وعرضها ولكن وضوحها جار فى القاهرة، وعلى طول السواحل الشمالية، والبحر الأحمر وبحيراته وخلجانه. عقارات كالقصور، وأخرى عشوائيات، كلها تخلق حالة يعرفها الاقتصادون بأنها «رأسمال ميت»، هو ثروة ولكن أصحابها لا يتداولونها، ولا يسكنونها، ولا يؤجرونها، هى ببساطة خارج العملية الاقتصادية اليومية للعرض والطلب. هى من الكثرة التى يفترض منها زيادة العرض على الطلب ومن ثم تنخفض الأسعار، ولكن ذلك لا يحدث، وتستمر أسعار العقارات فى الارتفاع، ومعها يستمر البناء الجديد فى مدن جديدة. هناك حلقة مفقودة إذن بين رأسمال قائم وميت، وسوق يرتفع من داخلها الطلب بسبب الزيادة السكانية وبسبب رغبة العاملين المصريين فى خارج مصر فى استثمار أموالهم عقاريا حتى يعودوا من الخارج فى يوم ما.

هنا فإن الضريبة العقارية تأتى لكى تكون واحدة من أدوات كسر هذه الحلقة المفقودة، أو اللغز المعقود بين العرض والطلب العقاري. صحيح أن هذه الضريبة مهمة لسد العجز فى الموازنة العامة أو تقليله، مثلها فى ذلك مثل الضرائب الأخري، فهى وسيلة من وسائل زيادة الموارد العامة للدولة. وبالمناسبة فإن الضريبة العقارية ليست اختراعا مصريا ولكنها تكاد تكون موجودة فى معظم دول العالم التى تكتمل فيها مقومات الدولة؛ ولم أسافر إلى بلد فى الدنيا كلها خارج العالم العربى إلا وكانت فيه ضرائب عقارية. ولكن دور هذه الضرائب لا يتعلق بموارد الدولة فقط ولكن وظيفته الأساسية هى تحريك السوق، وإحياء رأس المال الميت لأن اكتناز العقارات ـ كما هو الحال فى اكتناز المال أو المجوهرات ـ هو نوع من قتل الثروة التى من المفترض ألا تغنى صاحبها فقط وإنما عند تداولها تغنى المجتمع أيضا. الضريبة سوف تجعل الفائدة على العقار سلبية، وفى غيابها فإنه لا يوجد دافع لدى صاحب العقار سوى انتظار الزيادة فى الأسعار، أما فى حضورها فإنه سوف يكون مجبرا هنا على تعويض الضريبة إما بالبيع أو بالتأجير والاستخدام بصورة أو بأخرى بما يثرى السوق الاقتصادية. لا حظ هنا، وهذه ملاحظة فرعية، أن لدينا رأس مال ميتا فى العقارات يعد بالملايين، ومصانع ومنشآت عامة وخاصة ميتة هى الأخرى وتعد بالآلاف، ولدينا اقتصاد غير رسمى لا حساب له أو عنه يقدر فى أسوأ الأحوال بنحو 35% من الاقتصاد الوطني؛ وهكذا وفى أحسن الأحوال فإن ما هو حى فى اقتصادنا لا يزيد على النصف وهذه وحدها خطيئة كبري.

نعود إلى الضرائب العقارية وقد شهدت مولدها فى لجنة سياسات الحزب الوطنى الديمقراطى عام 2008، وكان هناك كما هى العادة معارضة مطلقة فى البداية، ثم معارضة نسبية لمراعاة حال الفقراء وأصحاب المساكن الفقيرة، ثم كانت هناك معارضة التعطيل والتى تقوم على مجموعة من الأمثلة الاستثنائية مثل السيدة التى ورثت قصرا عن أسرتها ولكنها الآن كبيرة السن ولا تملك شيئا تدفعه فهل يجوز فرض الضريبة عليها؟ ولا أذكر من ساعتها كان رده هو لماذا لا تقوم هذه السيدة الكريمة ببيع قصرها بالملايين فتصير أولا غنية، وثانيا تستطيع دفع الضريبة العقارية عن منزل كريم تعيش فيه فتفيد وتستفيد؟! جرى القول والرد حتى تم الاستقرار على الملامح العامة للضريبة، وكان موقفى وقتها مأخوذا من التجربة العالمية فى هذا الشأن وهو أن الضريبة العقارية هى للتنمية المحلية بمعنى الإنفاق على المدارس والمستشفيات والبنية الأساسية. ومرة أخرى جرى الأخذ والرد حتى جرى الاقتراح بقسمة الضريبة 50% للدولة، والنصف الآخر للمحليات، ولكن ما حدث فعلا عندما وصلت الضريبة إلى مجلس الشورى كان ما خص المحليات 25% فقط. وهكذا، وطالما أن موضوع الضريبة العقارية جرى فتحه مرة أخرى فإن الواجب توجيهها بأكملها إلى المحليات، فتكون هكذا ضريبة عادلة، حيث تعود ضريبة كل منطقة إلى أهلها فى صورة خدمات واستثمارات، وتدعم الحالة اللامركزية للدولة فلا محافظات ولا محليات دون موارد حقيقية لا تنتظر عطف الدولة وإحساناتها، وفى النهاية فإنها تضمن توزيع الثروة على المناطق المختلفة فى الدولة، وأخيرا فإن إنعاش الاقتصاد المحلى فيه من السرعة ما يجعل التنمية والنماء تغطى جميع مناطق الوطن. هل يمكن للدولة ومجلس النواب مراجعة التجربة العالمية فى هذا الشأن؟


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: