رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الثقافة.. بناء الرؤية الجمالية للعالم

طرحنا فى المقال السابق أفكارًا حول دور التعليم فى بناء الإنسان، بوصفه إنسانا مواطنا ومشاركا فى حياة المجتمع. ولقد طرح هذا المقال فى ذهنى سؤالا مهما: ما الذى يتركه التعليم للثقافة فى هذا المجال؟ وكانت الإجابة سريعة، وهى أنه لا سبيل إلى انفصال الأدوات الثقافية عن الأدوات التعليمية فى بناء العقل البشرى والنفس الإنسانية.

ولكن هذه الإجابة السريعة ليست كافية؛ ففى الوقت الذى تشترك فيه الأدوات التعليمية والتربوية مع الأدوات الثقافية فى بناء العقل والذات، فإن هذا لا ينفى أن لكل حقل من هذه الحقول استقلاله النسبي، أى أن لكل حقل عالمه الخاص الذى يتفرد به، حتى وإن شاركه الحقل الثانى جانبا من اهتماماته. وهنا يظهر السؤال التالي: ما الذى يتفرد به الحقل الثقافى فى عملية بناء الإنسان؟

دعونا نتعرف أولا على ماهية الحقل الثقافي. إن الثقافة تنصرف فى معناها المجرد العام إلى التجريدات العقلية، التى تمنح البشر مخططات عقلية لتسيير الحياة والعيش المشترك، فهذه المخططات العقلية والتى يتعلمها البشر من خلال وجودهم فى الأسرة وبين رفاقهم وزملاء دراستهم هى التى تمنح الفرد البشرى القدرة على التعامل مع البيئة المحيطة، وتسخيرها لسبل العيش، والاختلاط والتعاون مع الآخرين، وبناء نظم لضبط الحياة ومراقبة أمورها وانحرافاتها. ورغم وجود عناصر تشابه عامة بين كل الثقافات، إلا أن لكل ثقافة خصوصيتها وهويتها الذاتية التى يمكن أن تتقاطع مع هويات إقليمية تشاركها التاريخ واللغة والدين.

ورغم وجود مبدأ عام فى الدراسات الثقافية بعدم اصدار أحكام على أى ثقافة، والتأكيد على ضرورة فهم كل ثقافة فى إطار ظروفها وسياقها. نقول: رغم ذلك، إلا أن ثمة مبدأ آخر مفاده أن الثقافات تختلف فى قوة دفعها، وفى قدرتها على التكيف والاستجابة. ويرتبط هذا المبدأ بالمعنى العميق لكلمة ثقافة، وهى كلمة مشتقة من الفعل ثقف بمعنى شذَّب وهذَّبَ. فالثقافة هى التى تهذب السلوك البشري، وتشذبه، وتجعله يسعى دائما إلى الرقى والكمال. وفى ضوء هذا المعنى يمكن القول إن الثقافة تصبح قوة دفع وحركة، وتكتسب قدرة على التكيف والاستجابة، كلما اقتربت من هذا المعني، وهى تذهب مذاهب شتى فى الكبح، والعنف، والتوقف، والمحاصرة كلما ابتعدت عن هذا المعني. ونكون هنا قد وصلنا إلى بَيْت القصيد من سرد هذا الحديث حول الثقافة. فالسؤال الإشكالى الكبير فى تطوير الإنسان، وبناء خلقه، وروحه، وعقله ينصرف بالأساس إلى الثقافة؛ فلا سبيل إلى بناء كل هذه المكونات إلا فى إطار ثقافة مرنة، لها قدرة عالية على التحدى والاستجابة، ولها قدرة عالية أيضا على نبذ العنف والكبح والتوقف والمحاصرة والتهميش والوصاية. إن الذات البشرية القادرة على الفعل والإضافة والاختلاف، أى ببساطة الذات البشرية القادرة على بناء الحضارة، تتكون عبر ثقافة حديثة مصقولة، تقدس العمل والانجاز، وتحترم الوقت، وتؤمن بالتعددية والاختلاف، وتحترم الآخرين فى كل أحوالهم، ولها القدرة على الانطلاق والتجدد الدائم.

وتتكون هذه الثقافة عبر عملية معقدة تلعب فيها الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية دورا كبيرا. ولكن الحقل الثقافى تكون له مسئوليته المستقلة عن جوانب من الارتقاء بالإنسان، لتصبح هذه الثقافة المصقولة أكثر انتشارا. وهو يحقق ذلك (أى الحقل الثقافي) بما يقدم من فنون كالمسرح والموسيقى وفنون التشكيل، ومن دعم لفنون الأدب من الشعر والرواية، ومن ارتقاء بنقل الثقافة عبر الترجمة، ومن الارتقاء بالصناعات الثقافية التراثية وغير التراثية. تعمل كل هذه العناصر على جانب من النفس البشرية لا يحققه غيرها، وأقصد بذلك هذا الجانب المتعلق بالمشاعر والأحاسيس والوجدان. إن الارتقاء بالفنون ونشرها على نطاق واسع من شأنه أن يرتقى بذائقة الجمال، التى تعمل بدورها على تحويل المشاعر المتصلة بالغريزة، والتى تجذر الغلظة والعنف فى بناء الثقافة، إلى مشاعر مصقولة راقية. إنها تعمل على تحويل الطاقة الغريزية المدمرة وغير المنضبطة إلى طاقة سامية، ترتقى بالذات إلى آفاق رحبة من القدرة على الفهم والاستيعاب، ومن ثم القدرة على الانطلاق وعدم التوقف، والقدرة على نبذ الأفكار الجامدة والصيغ الفكرية المغلقة، والاتجاه نحو الأفكار المرنة والصيغ الفكرية المفتوحة.

وقد نتمكن عند هذا الحد من الوصول إلى استنتاج، يمكن أن يستنبط من الحديث السابق، مفاده أن التربية الأخلاقية هى فى جوهرها تربية جمالية. صحيح أن التربية الأخلاقية هى تربية دينية، ومعرفية، واجتماعية، ولكن كل ذلك لا يستقيم إلا بارتقاء ملكة الحكم على ما يذهب فيلسوف العقل عمانويل كانط (1724- 1804). فهذه الملكة لا ترتقى إلا بذوق جمالى رفيع، يمكن الذات البشرية من أن تبنى رؤيتها للعالم بناء من خلال وعى جمالى بهذا العالم، وكلما تبلور هذا الوعى الجمالى بالعالم، تطورت الأخلاق وانفتحت على آفاق متجددة من الحياة، تاركة خلفها ضيق الأفق، وانسداد مفارق الخروج والاختلاف. ويشكل الفن مكونًا أصيلا فى هذه العملية. فالفن بعامة ـ وربما الشعر بخاصة ـ يؤدى إلى بناء مخيال طليق، وتكسبه هذه الطلاقة سمتًا أخلاقيًا نبيلاً ونزيهًا. ومن هنا يفهم الخيط الرفيع الذى يربط بين ارتقاء الذائقة الجمالية وبين ارتقاء البناء الأخلاقي. ومن ثم فإن تربية الذائقة الجمالية، وتأسس الوعى الجمالى بالعالم، هما الركن الركين فى بناء الأخلاق. وإذا كانت الأسرة والمدرسة والجامعة لها مسئوليات كبرى فى بناء هذا الوعى الجمالي، فإن الحقل الثقافي، بما يحمله من قدرة خاصة على إنتاج صنوف الفن المختلفة، هو الأصل والمبتدأ فى تكوين هذا الوعى الجمالى (الأخلاقي).

وإذا كنت قد أشرت فى سياق هذا الحديث إلى مبدأ التحدى والاستجابة كمبدأ مهم فى بناء الحضارة واستمرارها، فقد يكون ملائمًا أن أنهى هذا المقال بتأكيد مبدأ آخر، ربما يكون أكثر أهمية، وهو أن الحضارة تبنى على ارتقاء الثقافة، وتفوقها على الغريزة، وأن الثقافة إذا ما عجزت عن أن تولد آليات ثقافية لضبط الغريزة وتوجيهها، فإن آليات الغريزة تدمر كل شيء. إن الثقافة هى التى تصنع شفرة ضبط الغريزة، وإن الأساس فى تكوين هذه الشفرة هو بناء رؤية جمالية-أخلاقية للعالم.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: