رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ظلمونى الناس

يا حبيبى كل شىء بقضاء.. لا.. لا يا حبيبى أنا لن أعود إليك. حاسيبك للزمن. تشكى مش ح أسأل عليك. والندم بعدى ح يفضل جوّه قلبك. للزمن دايمًا حالات ياما بيغير حاجات. ده أنا لو نسيت. ده اللى صدق فى الحب قليل. صعبان علىّ أقول لك كان. يالذكراك التى عاشت بها روحى على الوهم سنينا. لسه فاكر قلبى يديلك أمان. أنت الذى بدأ الملالة والصدود وخان حبى. إنت فين والحُب فين؟!. كنت لى أيام كان الحب لي. كان صرحًا من خيال فهوى. أكتر من مرة عاتبتك. لا عتاب ولا شجن. عمرى ما قلت إزاى وليه حبيتك. الحب هو الود والحنيّة. الحب. عمره ما كان غيرة وظنون وأسية. صنت كرامتى من قبل حبى. ياللى مارحمتش عنيّة لما كان قلبى فى إيديك. مين اللى قال عزك يذل خضوعى؟ كيف ذاك الحب أمسى خبرًا؟!. وإذا ما التأم جرح جدّ بالتذكار جرح. مش ح حاسيبك مش ح أعاتبك. لا. كفاية إنى سبتك للزمن.. سلمت إليك أمرى يا ربى. إن الحظ شاء. وكنت إذا سألت القلب يومًا تولى الدمع عن قلبى الجوابا. ويسهرالمصباح والأقداح والذكرى معى. أتصور حالى أيام وليالى مرت على بالى. على عينى بكت عينى. على روحى بكت روحى. فإذا دعوت اليوم قلبى للتصافى لا لن يُلبى. صعبان علىّ اللى قاسيته. ظلمونى الناس ظلمونى. وإنت مش حتلاقى أبدًا زى حُبى.. وأروح لمين وأقول يا مين ينصفنى منك. وأبات أصالح فى روحى. ولحد إمتى ح تبقى إنت والشمتانين؟!.. دارت الأيام عليك. كان مُنايا يدوم هنايا.. بعت قلبى ليه؟!.. طوف فى جنة ربنا واتفرج وشوف وماتصبرنيش ما خلاص أنا فاض بى ومليت. ولسه بتصدق حسود وعزول!.. وآه من قيدك أدمى معصمى. إنت لو حبيت يومين كان هواك خلاّك ملاك.. الناس قاسيين على المساكين ويقولوا ده الحق علىّ. يارب. هل يرضيك هذا الظمأ؟!.. أولى بهذا القلب أن يخفق وفى ضرام الحب أن يحرق. فاكر لما كنت جنبى؟!. هجرتك يمكن!.. لكن أعمل إيه؟!.. مجروح وضامم جناحه على الجراح اللى فيه. يارب..اطفئ لظى القلب بشهد الرضاب. صعبان علىّ جفاك. عودت عينى على رؤياك. أقول لك إيه عن الشوق يا حبيبى. حتى الجفا محروم منه. لقيت روحى فى عز جفاك بافكر فيك. طول ما أنت غايب ماليش حبايب. أين منى مجلس أنت به. ولمّا أشوفك يروح منى الكـلام وأنساه. ولما بُعدك عنى طال حنيت لأيام الهجران. وما أنا بالمصدق فيك قولا ولكنى شقيت بحسن ظنى. وكم طافت على ظلال شك. أكاد أشك فيك وأنت منى. يا طول عذابى واشتياقى. ساعة رضاك. من بُعدك وشوقى إليك دليلى احتار. حيرت

قلبى معاك. لكن أعمل إيه وأنا قلبى لسه صعبان عليه. كان منايا يدوم هنايا مادامشى ليه؟!.. لست أنساك. ياللى كان يشجيك أنينى. أغريتنى بفم عذب المناداة رقيق. يقول الناس إنك خُنت عهدي. خنت؟!.. ألم تخنى؟!.. إنت عارف قبله معنى الحب إيه؟!.. عمره ما كان غيرة وظنون وأسية. يُكذّب فيك كل الناس قلبى.. ولى بين الضلوع دم ولحم. آه من قيدك أدمى معصمى. دليلى احتار. ياترى يا واحشنى بتفكر فى مين؟!.. طول ما أنت غايب ماليش حبايب. فاكر لما كنت جنبى. ذكريات عبرت أفق خيالى. ليلى ونهارى فِكرى بيك مشغول. وما ينبيك عن خلق الليالى.. الحب كده!!.. ياريتها دامت أيامه. أفضل أعد الليالى. وبُعد الحبيب ولو إنه يطول وإنت يا قلبى كلك أمانى. تعالى جدد صفاك. إنما الأيام مثل السحاب. طالت الأيام تعالى لى قوام أنا عندى كـلام بدى أقوله لك. الحب كده!!.. وصال ودلال. وإنت مش حتلاقى أبدًا زىّ حبى. من أجل عينيك عشقت الهوى. وكل نار تصبح رماد مهما تقيد إلا نار الشوق فى يوم عن يوم تزيد. بالحب وحده وهو وحده شوية. لا يا حبيبى.. أقول أقابلك فين؟.. أبدأ كـلامى منين؟!.. إفرح يا قلبى لك نصيب. ح أقابله بكرة وبعد بعده وأقول له بكرة. ولما أشوفه يروح منى الكـلام وأنساه. يا فرحة القلب الحزين لو صادف الخِل الأمين.. على بلد المحبوب ودينى زاد وّجدى والبُعد كاوينى.. ولما قرب ميعاد حبيبى ورحت أقابله. شفت حبيبى وفرحت معاه. يحلى ما بيننا السمر ويطول حديث الهوى. من أجل عينيك عشقت الهوى. غنى له ألحان الغرام. تعالى نحيى السهر. والقمر من فرحنا ح ينوَّر أكتر. هل رأى الحُب سكارى مثلنا. ولمست النجوم بإديه. والموجة تجرى ورا الموجة. يا نيل. أنا واللى أحبه نشبهك فى صفاك. وضحكنا ضِحك طفلين معًا وعدونا فسبقنا ظلنا. ومشينا فى طريق مُقمِرٍ تثب الفرحة فيه قبلنا. وأبلغ مناك وياالحبيب يا قلبى. والقلب يعشق كل جميل. ظالم الحُسن. واثق الخطوة يمشى مَلكًا. أقطف معاه زهر الحياة مادام هواك وافق هواى. إنت النعيم والهنا. صبحت أحب الحب. أضحك مع الفرحان وأبكى مع الباكيين. الغصن مال ع الغصن عانق حبيبه. حبيبه مركبه تجرى. قولوا له يا جميل بدرى. عُد بظهر الغيب واليوم لى. وإنما الأيام مثل السحاب. ولا أنت دارى بالسهرانين. ياترى يا واحشنى بتفكر فى مين؟!.. وإن فات على حُبنا سنة وراها سنة حُبك شباب علطول.. يا هُدى الحيران أين أنت الآن.. بل أين أنا!!


السنبطة.. كل شىء راقص البهجة فى ألحان العبقرى

أزيح الستار عن محمد رياض محمد السنباطى «رياض السنباطى» عازف العود الشاب الموهوب مُمسكًا بريشته ليرتجل تقاسيمه بفيضها السريع المتدفق حينًا.. الهادئ حينًا كأنه الهمس الرقيق الرفيق إذا ما أراد له أن يتسلل عبر براعته فى الترويق، متنقلا بخبرة الدارس مع الخيال الخصب والإلهام المسترسل وفهم المقامات، من مقام الرست ليعرُج على مقام البياتى والصبا والعجم. تقاسيم كأنها السِحر خِلقة ربنا يُطَعِمها صاحبنا بالزخارف أينما يحلو له لتتمايل الرءوس.. اللـه.. الحفل كان بمناسبة تغيير اسم نادى الموسيقى إلى «معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية» ويحضره صاحب الجلالة الملك فؤاد وحاشيته وكبار القوم.. وما أن بدأت ريشة اليد اليُمنى تقرع الأوتار مرات لتعفق اليسرى بالعود من رقبته لتُضيف زخارف تُزيد العزف إبداعًا ورونقًا.. ما أن بدأ روقان العازف ينجلى ويتجلى فى حضور الملك حتى انبثقت ضجة الجرسونات والملاعق والشوك والسكاكين فوق موائد المدعوين ليهرب وحى الموسيقى مما أعاق سرد الأنغام المُلهمة لساعتها وأهان الفنان فى أوج عطائه، فلزم الصمت المفاجئ ووضع الريشة جانبًا.. وفوجئ به الحضور يحمل عوده ويقوم مغادرًا، فى حضرة الملك، ليس إلى البهو الخارجى فقط، وإنما إلى بيته رأسًا ليُقدم استقالته من المعهد الملكى مع الصباح التالى.. أبرز وأبرع عازف عود ظهر على مدى التاريخ والذى كان عندما يجلس إلى عُوده يُشعرك كأنه فرقة موسيقية متكاملة، إذا ما كان قد غادر قاعة يترأسها الملك فؤاد الأب فقد قام بالعزف بعدها للابن الملك فاروق لتُغنى على ألحانه الآنسة أم كلثوم فى ليلة عيد الفطر مساء الأحد 17 سبتمبر 1936 فى حديقة النادى الأهلى بالجزيرة طقطوقة «يا ليلة العيد أنستينا» من ألحان السُنباطى لتحوّل تشكيل كلمة الكوبليه الأول عند دخول الملك القاعة من «هلالك هل لعنينا» إلى «هلالك هل بعنينا» ليتحوَّلَ المعنى بحرف الباء احتفاءً بالمليك الذى هلّ قادمًا على الحفل، ومن هُنا أنعم الفاروق على أم كلثوم بوشاح الكمال لتغدو بموجبه «صاحبة العِصمة» كإحدى أميرات البيت الملكى.. وليلتها نودى على الصحفى «مصطفى أمين» وطُلب منه الصعود إلى المنصة معلنًا نبأ حصول أم كلثوم على منحة «نيشان الكمال» من الملك المفدى، وكانت أم كلثوم قد غنت فى 1932 فى «معهد فؤاد للموسيقى العربية» أمام الملك فؤاد الذى صفقَ لها كثيرًا خاصة حين غنت له من ألحان السنباطى «أفديه إن حفظ الهوى وملك الفؤاد»، وقامت بترديد ملك الفؤاد بتوزيعات حنجرتها الذهبية مرات ومرات وسط التهليل والتصفيق.. وتواكب ألحان السنباطى على حنجرة أم كلثوم تاريخ مصر منذ عام 1936 فيقدمان من كلمات شوقى بمناسبة تولى فاروق سلطته الدستورية قصيدة مطلعها:

الملك بين يديك فى إقباله عوذت ملكك بالنبى وآله

وفى ميلاد الملك عام 1937 يقدمان من أشعار أحمد رامى الأغنية المسجلة بمطلعها «إجمعى يا مصر أزهار الأمانى» وبمناسبة زفافه إلى فريدة تترنم أم كلثوم بلحن السنباطى «أشرقت شمس التهانى تملأ الدنيا بهاء وضياء».

ومن كلمات بديع خيرى تلتقى ثلاثية النغم فى أغنية «الزفّة» ليلة فرح الإمبراطورة فوزية إلى إمبراطور إيران الشاهنشاه محمد شهبور، حيث طلبت الملكة نازلى من أم كلثوم أن تزف العروسين بدلا من فرقة بديعة مصابنى وثريا سالم، ووقعت أم كلثوم فى حرج شديد فهى ليست من مطربات الزفة والدفوف والسير الهوينى خلف العروسين، ونزولا على الأوامر الملكية قبلت كأول وآخر مرة، وأعدت للمناسبة الإمبراطورية فستان سواريه من الدانتيل الأسود، ولمّا بلغ نازلى الخبر من الخياطة «ريتا» سارعت تطلب تغيير اللون الأسود فى الفرح عامة إلى اللون البمبى، فقامت أم كلثوم بوضع بطانة من اللون البمبى للموديل لتغدو بعدها موضة سيدات الطبقة الراقية، واحتفاءً بضيف البلاد الملك عبدالعزيز آل سعود يُلحن السنباطى لكوكب الشرق من قصيدة شوقى:

وما للمسلمين سواك حصن

إذا ما الضرّ مسهمو ونابا

لتضاف الأبيات:

وكـيف ينالهم عنت وفيهم رضا

مـلكـين بـل روضـين طـــابا

إذا الفاروق باسم اللــه نــادى

رأى عبدالعزيز قد استجابا

فَصُنْ يا ربنا الملكين واحفــظ

بلادهما وجنبها الصعـــابا

هُمــا فجــر العــروبة أنجــبته

فقـالت يومى المرجــو آبــا

إذا اتحدت أُسود الشرق عزت

عروبتهم وصار الشرق غابا

 

وكان التاريخ السياسى والوطنى بارزًا فى عطاء السنباطى وثومة، وتعد «طوف وشوف» الأغنية الوحيدة التى حضرها السنباطى بنفسه ليقود الفرقة الموسيقية أمام جمال عبدالناصر فى احتفالات 1963 عندما أبدى ناصر لأم كلثوم رغبته فى ملاقاته، وقد غنت أم كلثوم أيضًا لناصر من ألحان السنباطى وأشعار صالح جودت بعد الهزيمة:

أنت الناصر والمنصور ابق فأنت حبيب الشعب

قم للشعب وبدد يأسه واذكر غده واطرح أمسه

وهى الأغنية التى تناشده فيها البقاء فى الحكم ولم تذع سوى يومين فقط، وعند وفاة عبدالناصر غنت للسنباطى قصيدة لنزار قبانى «رسالة إلى عبدالناصر» ومن بعدها لم تغن أبدًا فى هذا المجال، هذا رغم أن الثورة عندما قامت ألغت جميع الألقاب بما فيها لقبها الملكى «صاحبة العِصمة» فخلع عليها الجمهور لقب «كوكب الشرق»، وبلغ الغضب بأم كلثوم منتهاه عندما منعت الرقابة إذاعة جميع أغانيها باعتبارها من مخلفات العهد الملكى، لكن عبالناصر عندما بلغه الأمر من مصطفى أمين سارع يُعيد الكروان إلى سماواته قائلا: «إذا كانت أم كلثوم من رموز العهد الماضى فلماذا لا نردم النيل ونهدم الأهرامات».... ولعل ما قام به رياض السنباطى موسيقارنا الشامخ من التصرف يعكس مدى عزّة النفس البالغة الحساسية التى قادت خطاه فى مسيرة حياته عندما أراد السادات تكريمه بمنحه جائزة الدولة التقديرية عام 1980، فحدث أن انتظره السنباطى على مدى ساعتين غادر بعدها قائلا: «ابقوا ابعتولى لـمّا يحضر»، وطلب منه السادات الغناء والعزف أمامه فى إحدى الحفلات لكنه رفض المثول على تلك الرغبة الرئاسية مما أثار استياء السادات منه حتى وفاته، ورغم ذلك منحه التقديرية ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولي، وفى عام 1977 أعطاه الدكتوراه الفخرية.. وأبدًا لم يحضر السنباطى حفلة واحدة لأم كلثوم كمستمع فى الصف الأول مثل الشاعر أحمد رامى ليرقب ميلاد فنه على حنجرتها، ولا مثل محمد عبدالوهاب الذى كان يرقب الصالة من خلف الستار عندما تشدو ثومة بألحانه.. كان السُنباطى يُفضل الانفراد بصوتها فى حجرته الخاصة، حيث لا يقطع خلوته ومتعته أحد.. بلبل المنصورة القادم من فارسكور بمحافظة الدقهلية رائد النهضة الكلثومية حارس الموسيقى العربية الملتزم الصارم الذى ألغى تسجيلا مع إحدى الفِرق لضبطه عازفًا يُدخن. الذى قال نزار قبانى إن أم كلثوم أمامه كانت تنادى السنباطى بلقب الأستاذ.. اللائذ بالصمت لأنه يمتلك بصيرة الأعماق.. فن إنصات القلب للكلمات.. فن تواصل الذهن بأجنة الخلق.. فن التلقى. فن التوحد والاستغراق الذى يسمع فيه صدى الكلمة وصوت اللحن ونبض الآلات. وحسبوه فى صمته متكبرًا وفات عليهم ذلك الخيط الدقيق بين التكبر والكبرياء. بين التعالى والشموخ وبين التباهى وعِزّة النفس التى لا تتهافت على الظهور، ولا تشترى رياء الثناء وزيف النفوذ وسطوة المال.. كان عزيزًا معتزًا.. كان السنباطى صاحب العطاء الموسيقى الخالد، والخالدون كما قال شوقى أربعة: شاعر سار بيته، ورسام ضحك زيته، ونحات نطق حجره، وموسيقى بكى وتره»، ولقد بكى وضحك وعشق ورق وهجر وذاب وأذاب وسهر وأطال السهر وتر رياض السنباطى الذى يقول عنه صاحبه: «تأثرت بالملحنين القدامى.. بأداء عبده الحامولى ومحمد عثمان وعبدالحى حلمى، وبموسيقى سيد درويش، كما كانت هناك مؤثرات للشيخ محمد رفعت والشيخ على محمود والشيخ محمد صبح، وكان لهؤلاء جميعًا أثرهم فى تكوينى الفنى».. وما بين «بلد المحبوب» و«الثلاثية المقدسة» استطاع مع حنجرة أم كلثوم التخلص سريعًا من جاذبية السلف لينطلق فى التلحين بسرعة الصاروخ فى الفضاء الفسيح لهذا الفن العظيم، فن تلحين القصائد الذى فتح له الصوت الذهبى أبوابًا سحرية لم تكن تخطر له على بال، فتعاظمت موهبته ليظل حريصًا على تلبية متطلبات هذا الصوت المعجزة، ويرتفع إلى مستوى الإمكانات العبقرية له والتى كانت صاحبته بدورها لا تُناديه باسمه وإنما بلقب الأستاذ العبقرى.

وربما الغالبية لا تعرف من السنباطى إلا كلثومياته، مع أن من يغفل ألحانه غيرها يكون قد ظَلَمَ أكثر من نصف ميراثه الموسيقى الضخم فى الموسيقى العربية المعاصرة، فهناك 97 أغنية لم تشدو بها كوكب الشرق، و12 أغنية غناها بنفسه، إلى جانب 36 معزوفة كانت الإذاعة المصرية فى بداياتها تبثها لمدة ساعتين مرتين فى الأسبوع أشهرها معزوفة «رقصة شنغهاى» و«عرائس البحر» و«إليها» و«رحيل الفُلك» و«لونجا السنباطى» التى يستطيع أى مشترك فى «النت» الوصول السهل إليها لتتسلل كأجنحة الفراشات تسمو بوجدانه ليضعها فى مقام أى مقطوعة لموزارت وفاجنر وبيتهوفن وباخ، وسيفاجأ على الفيديو المصاحب بأكثر من فرقة موسيقية عالمية تعزفها بأكثر من توزيع، وكيف لا ورياض السنباطى من حصل على جائزة اليونسكو العالمية عام 1977 باعتباره مبدعًا وخلاقًا والأكثر تأثيرًا بموسيقاه فى شعوب المنطقة، وهو الوحيد فى الوطن العربى الذى نالَ تلك الجائزة، كما كان واحدًا من خمسة فقط فى العالم الذين حصلوا عليها، وكان الأربعة الآخرون من قمم الموسيقيين العالميين فأولهم «ليتاروا أزفيدا» البرازيلى، و«جرينكونوف» الروسى، و«إدوارد» الغانى، و«جودمان» عازف الكـلارنيت الأمريكى وكان خامسهم السُنباطى الأحق بالجائزة.. وبعدها جاءت «الأطلال» لتُختار من بين أفضل مائة عمل فنى على مستوى العالم فى القرن العشرين. ولقد لحن السُنباطى لأسمهان فى فيلم «غرام وانتقام» عام 1944 نشيد «الأسرة العلوية» وقصيدة «أيها النائم على ليلى سلاما» وكان رأيه فى أسمهان أنها المطربة الوحيدة التى تستطيع منافسة أم كلثوم بروعة صوتها وجماله، وقدم لنور الهدى فى فيلم «جوهرة» أغنياتها «ياريت كل الناس فرحانة» وطقطوقة «يا أوتوموبيل يا جميل محلاك من وراء صاحبك أنا راكباك.. طير.. طير» وفى عام 1945 قَدَم لليلى مراد فى فيلم «ليلى بنت الفقراء» أغانيها «ليلة جميلة يا محلاها» و«مين يشترى الورد منى» و«احنا الاتنين» و«اللى فى قلبه حاجة يسألنى» واكتسحت أغنية «يا حبيب الروح» فى الفيلم الذى يحمل اسمها الأسواق عام 1953، ولسُعاد محمد أغانيها الشهيرة مثل «يا مجاهد فى سبيل اللـه» و«فتح الهواء الشباك»، ولصباح كافة أغانيها فى أفلامها الثلاثة الأولى ومنها «يمينك لف شمالك لف لغاية حبيب القلب وقف»، ولنجاة قدم السنباطى سباعية أشهرها «حاقولك حاجة»، «يا حبيبى لا تقل لى ضاع حبى»، «يا سلام عليك»، ولنازك «ليته يعرف الملل» لعبداللـه الفيصل، ولفايزة أحمد التى قال عنها إن صوتها عجيب ونادر ومعبّر وقدم لها أربع أغان منها «لا ياروح قلبى أنا»، ولعبدالحليم حافظ أوبريت «لحن الوفاء» مع شادية عام 1954، وأغنية «فاتونى ألتقى وعدى» فى فيلم «ليالى الحب» 1956، ولميادة الحناوى بعد وفاة أم كلثوم «ساعة زمن» ولمحمد عبدالمطلب «شفت حبيبي»، ولوردة «حاقولك حاجة» ــ وكان ذلك فى فترة أعوام الخِصام الثلاثة بينه وبين أم كلثوم بعدما طلب رفع أجره من 750 جنيها إلى ألف عن اللحن فرفضت كوكب الشرق ــ وقيل إن السنباطى شَعَرَ بالغيّرة من تعاملها مع عبدالوهاب وبليغ حمدى والموجى والطويل، وقيل إنه اعترض على تسمية لقائها بعبدالوهاب بـ«لقاء السحاب»، وقيل أيضًا إنه لم يستثغ كلمات أغنية «إنت عمرى» والتى تقول: «خدنى لحنانك خدنى» وكلمات «سيرة الحب»: اسقينى واملا واسقينى تانى.. وقال لأم كلثوم ساخرًا: هو ده حب ولا سطل عرقسوس؟! وغضبت أم كلثوم من تعليقه غضبًا شديدًا.. ولم تكن تلك غضبتها الأولى من السنباطى فقبلها بسنوات طويلة أسمعها أغنية «على بلد المحبوب ودينى» فلم تعجبها فقام بإعطاء اللحن للمطرب إبراهيم حمودة الذى غناها فى أحد الأفلام وحققت نجاحًا ساحقًا، وعندما سمعتها أم كلثوم استشاطت غضبًا وصممت على غنائها، ونفس القصة تكررت مع أغنية «يا ناسينى وأنا عمرى ما أنسى حُبك» التى أعطاها رياض للمطربة شهرزاد بعدما رفضتها أم كلثوم فلاقت نجاحًا كبيرًا، وعندما سمعتها ثومة لم تتمالك نفسها من الغيّرة وقامت بضرب رياض السنباطى بالعود ليترتب على تلك الضربة جرح غائر ظل فى جبهته حتى رحيله.. وقد ظهر رياض السُنباطى فى ثلاثة أفلام أولها «الوردة البيضاء» بطولة محمد عبدالوهاب وسميرة خلوصى، حيث لم يتعد ظهوره نصف دقيقة كعازف للعود فى التخت المصاحب لمحمد أفندى، حيث يُبدى فى المشهد اعتراضه من تأخر الأفندى على التخت، والفيلم الثانى «حلم الشباب»، والثالث قام فيه بدور البطولة أمام هدى سلطان التى تغنى فيه من ألحانه «قتلونى يابوى»، وقد غنت له أم كلثوم «على بلد المحبوب ودينى زاد وجدى والبُعد كاوينى» على اسطوانة وكان قد وضعها لها فى الأصل لفيلم «وداد» فلم تعجبها ليُغنيها عبده السروجى، وندمت بعدها لعدم ظهورها فى الفيلم، ليرى السنباطى أنها كانت من أندر هفوات أم كلثوم فى تقديرها للألحان..

ورغم ندرة أحاديثه يقول السنباطى عن بداياته مختصرًا: «ولدت فى الثلاثين من مارس 1911 ببلدة فارسكور، وفى الثامنة رحلت مع والدى إلى المنصورة، وحدث لىّ ما حدث لكل هاوً للفن. كنت أهرب من المدرسة إلى دُكان نجار من هواة العزف، ولكن معلمى الحقيقى كان والدى».. ويلتقى السُنباطى وهو فى الثالثة عشرة بسيد درويش الذى يُعجب به فيصحبه إلى حلوانى المنصورة الشهير «راندو بولو» ليعزمه على الجاتوه، ويزداد قناعة به عندما يُغنى أمامه أغانيه الشهيرة «أنا هويت وانتهيت» و«ضيعت مستقبل حياتى» ويُدرك سيد درويش بحاسته الموسيقية أنه أمام موهبة نادرة فأراد أن يصحب رياض معه، لكن الوالد محمد السنباطى لم يكن فى استطاعته الابتعاد عن الابن الذى أصبح بلبل الفرقة العائلية، ولا يسافران معًا إلى القاهرة إلا فى عام 1930.

ويروى السنباطى: «قُبِلْتُ فى معهد الموسيقى العربية كأستاذ عود وليس كتلميذ، وفرحت لأن ذلك سيغطى نفقات دراستى، بل سيكون لى راتب شهرى، وقد رشحنى مدحت عاصم للتعاون مع شركات اسطوانات أوديون لتلحين عدد من الأغنيات لعدة مطربين ـ اضطر فى بعض الظروف أن يُلحن كـلامًا تافهًا ساذجًا يُثير السخرية مثل الطقطوقة التى لحنها للمطربة «نجاة على» وسجلت على أسطوانة ويقول مطلعها «يا بختها يا بختها ضرتها طقت منها» حيث كانت شركة أوديون تكلفه بأغان تفرض عليه تلحينها فلم يكن له حرية اختيار النصوص ــ وكان أول لحن لى مع أم كلثوم (النوم يداعب عيون حبيبى) وكان أصعب ألحانى (الأطلال).. كنت متخوفًا من الأداء.. لم أكن واثقًا للمرة الأولى فى حياتى من أداء أم كلثوم، ولما أخبرتها بالتليفون بمخاوفى قبل الحفل قالت لى: متخفش يا جدع، وحتشوف حاعمل إيه فى العمق اللى إنت عاوزه وخايف عليه».. وطغت الأطلال ولم يعد هناك على الحجر غيرها لتتضاءل أمامها كل الألحان التى أتت بعدها بما فيها ألحان السنباطى نفسه.

وتلتقى الشُهرة مع الحب مع مالكة القلب والدار.. الزوجة.. «كوكب عبدالبر المنوفى» ـ التى رحلت فى 3 يوليو 1994 فى الذكرى الـ13 من رحيل السنباطى ــ من التقى بها فى «قعدة» بمنزل الوجيه حافظ بهجت من عشاق الطرب الأصيل، ويتبدى الإعجاب الفورى ليسألها صاحبه: «تحبى تسمعى إيه؟».. فترد باستحياء وبساطة «أحب أسمع الجندول».. ويأتى رد السنباطى الدبلوماسى برقة بالغة: «واللـه الجندول بالذات مش بتاعتى، وأنا مش حافظها وممكن أسمعك حاجة تانية».. ويتم عقد القران الذى تغنى فيه أم كلثوم وصلتين منها «ياطول عذابى واشتياقى».. وفى إنصاتى العميق لـ«راوية» رياض السنباطى الابنة الكبرى للموسيقار التى ولدت ـ كما يحسب والدها السنين ـ فى موسم «سلو كئوس الطلا» وهناك شقيقتها «رفيعة» التى وُلدت مع قصيدة «كيف مرت على هواك القلوب»، و«ميرفت» التى جاءت فى عام «جددت حبك ليه» و«محمد» ـ كابتن طيار ـ الذى وُلد فى موسم «سهران لوحدى» ــ و«أحمد» من وُلد مع قصيدة «ولدى الهدى» ــ رحل أحمد السنباطى فى فبراير 2012 بعدما ترك بصمة رائعة فى عالم الغناء والتلحين مع بداية السبعينيات حيث وصفه عبدالحليم حافظ بأنه أفضل الأصوات التى ظهرت على الساحة الغنائية لكنه غاب طويلا عن مسرح الغناء لاصطحابه ابنه فى رحلة علاج قاسية لسنوات ما بين أمريكا وانجلترا وألمانيا، وكان والده قد لحَّنَ له أكثرمن 25 لحنًا وعزف معه فى الفيلم الاستعراضى «البنات لازم تتجوز» وسأظل أحتفظ فى موقع الحميمية بكتابه الذى أهداه لى عن قصة حياة والده ومسيرته بالاشتراك مع الكاتب عبدالقادر صبرى ــ و«ناهد» صغرى كريماته من جاءت مع أغنية «يا ظالمنى».. مع راوية البِكرية ألمس حرص والدها على الحس الشعبى فى موسيقاه وكأنها من تلحين جموع الشعب، وكأن البلاد كلها تغنى اللحن بصوت واحد متعدد الطبقات مثل أغنية «وحوى يا وحوى» و«على بلد المحبوب» التى تمثل الحنين الجارف للمصرى المغترب عن الديار.. والدها الذى يعود إليه الفضل فى تعويد اللسان العامى فى الشارع المصرى على نطق المفردات الفصيحة فى سلاسة ومرونة لو ظللنا دهرًا ندرسها فى مراحل التعليم لما استطعنا حمل اللسان على نطقها بهذه السلامة والفخامة ومثال «ريم على القاع بين البان والعلم» أو «سلو كئوس الطلا».. الأب ذو المواعيد المقدسة حتى يُقال عنه «مواعيد سنباطى»، وقد أتى أحد الصحفيين إليه بعد موعده بثلاث دقائق فخرج إليه يقول: أنا مش موجود.. وكان إذا لم يجلس إلى عوده يعزف على جميع الآلات الموسيقية فى غرف البيت: الماندولين والبيانو والناى.. وكانت متعته فى المصيف الجلوس لساعات متأملا الماء والرمال.. وكان فى جلساته الخاصة يغنى أحيانًا ألحانه لأم كلثوم، ورغم روعة صوت أم كلثوم كان غناؤه لألحانه لها شيئًا مختلفًا طبعًا، لا اختلافا فى اللحن ولكن الاختلاف فى المذاق.. ولولا محنة الربو التى تركت آثارها على حنجرته لترك لنا إرثًا نادرًا من جواهر الغناء وكان قد سجلَ بصوته «الأطلال» و«عودت عينى» و«رباعيات الخيام».. وأليس هو رياض السنباطى الذى تسمع له وتحلق:

كل شىء راقص البهجة حولى هاهنا

أيها الساقى بما شئت اسقنا ثم اسقنا

واملأ الدنيا بهاء وغناء وسنا

نسيتنا كيف لا ننسى أغاريد المُنى

ومن العلامات التى يُهتدى بها من يطلب سماع سيمفونية الألم والبهجة معًا ما شدا به موسيقار المشاعر:

رد كأسى عن فمى يا أيها الساقى ودعنى

وأفق من نشوة الراح ومن حلم النفس

كل ما مرَ بنا وهم خيال وتمنى

صاحب الصوت الذى يقول لك أنا أغنى لك وحدك:

آه من قلبى وما يعتاده من ذكرياتى

أبدًا يشقى بماضٍ من رؤى العمر وآت

يا نديمى لاحت الشمس فقم وامض بنا

و..سمع هس.. السنباطى يغنى.. صوت العاطفة.. صوت الضمير.. صوت الوشائج والصلات والصلاة والمناجاة لخالق الملكوت.. صوت الخشوع والترجى. سيمفونية دعاء.. صوت الحميمية والإنسانية الزاخرة العامرة بالحب والأمل والنور.. صوت البلابل وحفيف الشجر وهمس النسيم وخرير الجداول وحى على الصلاة فى المآذن البعيدة.. صوت يعلو الشاهقات والذرى والقمم.. صوت يأخذك بعيدًا عن الصخب على أجنحة السلام لأرض السلام.. صوت الشجى والشجن والتقوى ودعاء الكروان.. صوت يهز القلب هزًا يعتريك من خلاله خشية الضلال، ورهبة المحلق فى دعائه لخالقه «إله الكون سامحنى أنا حيران» أجمل وأبدع وأعمق ماكتبه الشاعر الراحل حسين السيد لينصهر فى بوتقة السنباطى نموذجًآ مثاليًا للأغنية الدينية.. الابتهال الخالص الصادق بلا ذيول ولا زعانف ولا إذلال ومسكنة.. تجديد الخطاب الدينى.. السمو والارتفاع بالكرامة الإنسانية باعتبارها قبس الضوء الإلهى فى الإنسان على أرض الخالق والخليقة.. وعلى تجلياته أدعو: يا عالم الأسرار علم اليقين.. يا كاشف الضرّ عن البائسين.. يا قابل الأعذار عدنا إلى ظلك فاقبل توبة التائبين.. أنا ملك إيديك وتكالى عليك انصفنى على اللى ظلمونى!

 


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: