رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عروس النيل

يوم له العجب العجاب.. يوم لم تطلع له شمس يقول فيه إبراهيم الغندور وزير الخارجية السودانى بأن مصر مدينة مائياً للسودان، حيث كانت طوال الفترة الماضية تحصل على جزء من حصة السودان من مياه النيل، وأن سد النهضة يحفظ للسودان مياهها التى كانت تمضى لمصر فى وقت الفيضان، وأن موقف القاهرة من سد النهضة يتعارض مع المصالح السودانية، ويمضى الغندور فى مسلسل تجاوزاته زاعمًا ــ بضغوط قطرية ــ بأن حلايب وشلاتين سودانية متهكمًا بقوله: «نحن والمصريون حبايب إلى أن نصل إلى حلايب».. وفى أيامنا هذه المترعة، بالتآمر لابد من الأخذ بنصيحة المثل «فتش عن قطر» التى تقف وراء كل مكيدة تُدبر لمصر، فهى التى عرضت مؤخرا تحويل ميناء بورسودان ليكون منطقة لوجستية تقدم الخدمات للمستثمرين والملاحة البحرية فى محاولة لضرب وتعطيل وتهميش الخدمات اللوجستية والمناطق الحرة بمنطقة قناة السويس وشرق التفريعة.. إذن فهو التنسيق الآن بين كل من أثيوبيا والسودان وقطر فى محاولة لحصار مصر مائياً واقتصادياً... ولنا اللـه.. وكان اللـه معنا بالأمس عندما دحرنا المخطط الأردوغانى باكتشاف مخابراتنا اليقظة لشبكة التجسس التركية على محادثاتنا الهاتفية لتشل أصابع أردوغان المتهاوى التى كان يرفعها بعلامة الشيطان.

واليوم وللمرة الأولى أحسب أن عاشقة النيل الدكتورة نعمات أحمد فؤاد (1926 ــ 2016) قد ارتاحت برحيلها عن دنيانا قبل أن تعيش وتشوف أيام النيل السوداء وما يجرى لمياهه العذبة التى حذرت من شربها مطربة درجة سابعة، والتى قال عنها جمال حمدان ــ صاحب شخصية مصر ــ «مياه مصر ليست مِنحة أو مِنّة من أحد» وقالت معه صاحبة الدكتوراه عن «النيل فى الأدب العربي»: «إن مياه مصر حقوق مكتسبة لا مغتصبة، وأن الدفاع عن النيل من صميم الدين، وأن الدين ليس الطقوس التى تؤديها على أهميتها، وإنما من الدين حماية الوطن العام أى الأمة العربية، والوطن الخاص مصر من أعداء الوطن والدين، ولقد حمت مصر المسيحية فى موقعة الشهداء، وحمت الإسلام فى مواقعه الحاسمة: الصوارى وحطين وعين جالوت، وفعلت من أجلهما فى السلم والحرب ما لم يفعله بلد من البلاد أو شعب من الشعوب، فمصر هذه حمايتها دين بما حمت الأديان وأعطت الإنسان والحضارات.. إذا لا يمكن لأحد أن يمس قطرة من ماء النيل ومن حاول هذا أوقف فى ساعته، لأن هذا النهر يمر بعشر دول ــ تنزانيا، وكينيا، والكونغو، ورواندا، وبوروندى، وأوغندا، وأثيوبيا، واريتريا والسودان شمالا وجنوباً ومصر ــ التى تشكل حوض نهر النيل ولا يجوز لأى دولة أن تتصرف فى ماء النهر وحدها بعيدًا عن الدول التسع الأخرى وإلا ترتب على ذلك اعتداء من وجهة النظر القانونية، أما وجهة النظر المصرية فهى لا يجوز لأحد أن يقول لى إننى سآخذ جارحة من جوارحك، أو طفلا من أبنائك فهذا الموضوع غير قابل للنقاش»..

.. ولقد قالها الرئيس السيسى من بعد توقف مباحثات سد النهضة الأخيرة.. انتهينا.. أى أنه.. وأنه.. وأنه.. قد وضعت النقاط على الحروف..

وأعجب لغندور السودان وعنترية تصريحاته الصادمة إذا لم يكن قد نما لعلمه يومًا بأن مصر والسودان جسد واحد يمدهما شريان واحد بالحياة هو نهر النيل، وأنهما نصفان أبديان مرتبطان ببعضهما منذ بدء الخليقة، فنيلنا واحد، وديننا واحد وأزهرنا واحد، وفيضاننا واحد، وجدبنا واحد، وجارنا الطيب صالح، وشاعرنا الفيتورى، ورئيس لنا كان محمد نجيب، وبيننا يعيش من أشقاء السودان 6 ملايين من القاهرة للخرطوم ذهابا وإيابا.. وألم يبلغ الغندور كيف سرى حب النيل فى وجدان شعراء النيل لتغدو أشعارهم فيه تراثًا خالدًا خلود النيل وعذوبته فيناجيه أحمد شوقى متغنيًا بعطائه الجزيل وفيضه الزاخر منذ الأزل:

من أى عهد فى القرى تتدفق وبأى كف فى المدائن تغدق

تسقى وتطعم لا إناؤك ضائق بالواردين، ولاخوانك ينفق

ويطلب على الجارم من النيل مواصلة مسيرته فى دِعة فهو كتاب الدهر الخالد الذى شاهدت ضفتاه حضارات وفنونا وملوكا وفراعين:

سر أيها النيل فى أمن وفى دِعة

وزادك اللـه إعــزازًا وتمكينا

أنت الكتاب كتاب الدهر أسطره

وعت حوادث هذا الكـون تدوينا

فكم من ملوك على الشطين قد نزلوا

كانوا فراعين أو كانوا سلاطينا

فنونهم كن للأيام معجزة

وحكمهم كان للدنيا قوانينا

ويخاطب شاعر الأطلال إبراهيم ناجى شباب النيل فيضع على عاتقه نهضة مصر وحريتها وحمايتها:

سلاما شباب النيل فى كل موقف

على الدهر يجنى المجد أو يجلب الفخر

وفى الغربة تسأل إحدى التونسيات شاعر النيل والنخيل صالح جودت عن النيل فيجيبها شعرًا:

من أين أنتَ: فقلتُ من مصر

قالت: وكيف النيل؟ قلت لها رغم الحوادث لم يزل يجرى

متحملا لجراح عزته.. متذرعًا بالحلم والصبر

مترصدًا للمحدقين به.. متحفزًا للأخذ بالثأر

مازالت الأهرام شامخة.. والسد مختالا على النهر

سأعود من بلد الحبيب إلى بلدى لأشهد ساعة الصفر

وفى قصيدة «النهر الخالد» يتغنى عبدالوهاب بكلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل:

يا واهب الخلد للزمان يا ساقى الحب والأغانى

هات اسقنى ودعنى أهيم كالطير فى الجنان

ياليتنى موجة فأحكى إلى لياليك ما شجانى

ويستعيد عباس محمود العقاد ذكريات الأسلاف والعصور التى مرت على ضفتى النيل:

إنى سعدت بقدر ما استرجعت لى

يا نيل مـن حقــب، ومـن أســـلاف

وبدت لنا صـور العصــور كــأنها

رسم على صفحـات مــائك طــاف

وربما كانت هناك مكيدة بين مصر والسودان للتفريق بينهما كما يحدث الآن وتزكيها عنترية غندور فيُرسل على محمود طه برسالة من ابن الشمال إلى ابن الجنوب يقول فيها:

أخى إن وردت النيل قبل وردى

فحيى زمامى عنده وعهودى

وقبّل ثرى فيه امتزجنا أبوة

ونسـلمـه لابن لنـا وحفـيد

أخى إن شربت الماء صفوًا فقد زكت

خمائل جـناتى وطـاب حصـيدى

أخى إن جفاك النهر أو جف نبعه

مشى الموت فى زهرى وقُصف عودى

فكـيف تلاحـينى وألحـاك؟ إننى

شـهيدك فى هذا وأنت شهـيدى

حـياتك فى الـوادى حـياتى، فـإن

وجـودك فى هـدى الحـياة وجـودى




عروس النيل وصاحبة الدكتواه عن نهر النيل فى الأدب المصرى.. الدكتورة نعمات أحمد فؤاد سيدة التاريخ والجغرافيا حافظة القرآن بقراءاته فى طفولتها بمدينة مغاغة بمحافظة المنيا إلى ضاحية حلوان فى القاهرة للالتحاق بمدرستها الداخلية للبنات لتتخرج فى كلية آداب جامعة القاهرة وماجستير فى أدب المازنى والدكتوراه فى عام 1959، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ورئيس الجمعية العلمية للمحافظة على التراث والآثار الإسلامية وأستاذ الدراسات العليا لفلسفة الحضارات فى العديد من الجامعات، وصاحبة مكتبة تضم نحو 30 ألف كتاب إلى جانب مؤلفاتها التى تبلغ ثلاثين كتابا أشهرها «آفاق إسلامية» و«القاهرة فى حياتى» و«النيل فى التراث الشعبي» و«صناعة الجهل» و«الجمال والحرية الشخصية فى أدب العقاد» و«شعراء الرومانسية ناجى وأبوالقاسم الشابى والأخطل الصغير» و«أحمد رامى» و«المازنى» وكتابها عن «أم كلثوم» الذى قالت فيه إنها وحدها من جعلت الدين موضوعًا من موضوعات الفن عندما غنت «نهج البردة» و«سلوا قلبي» و«عرفات» و«الثلاثية المقدسة» ومزجت الدنيا والدين فى شفافية وتصوف عندما غنت «رباعيات الخيام» وبموهبة الصوت وقدرة الأداء وفن الإلقاء وطاقة الاستمرار وبالدين والأدب الرفيع بهذا كله مجتمعاً ومتفرقاً يضع تاريخ الفن العربى أم كلثوم فى مكان يعز فيه ومعه النظير.. الدكتورة نعمات أحمد فؤاد أذكرها تحاضرها على مسرح الجامعة سيدة مصرية لا تسرق أنظارنا وأسماعنا فى البداية لكنها ما أن تقول وتصف وتصوّر وتقارن وتبحر فى عباب التاريخ، وتجول فى أوصال الشخصيات وتصحبنا فى أسفار الأوائل وترحال الملاحم والأساطير وعلوم الدين والدنيا، حتى يشمخ عودها ويستطيل بناؤها لتغدو أمامنا مسلة وصرحًا وجامعة للمعارف والثقافات والعلوم والفنون تسقيها لنا عسلا مصفى فننهل من نبع الأستذة ما لا أذن سمعت من قبل.. عروس النيل التى اقترن اسمها بقضايا أثارت خلالها العديد من المعارك دفاعًا عن مصر وحضارتها وشعبها، حاربت الفساد الذى أراد يومًا بيع هضبة الأهرام لمستثمر كندى لبناء منتجع سكنى بها وكان من ضمن المشروع عمل بحيرة مساحتها 12 فداناً بينما الهرم عاش على الجفاف ولذلك بنى فوق مستوى النيل حتى لا ينال منه الماء والبخر ولو تم المشروع فإنه فى خلال عشر سنوات سيفتته البخر، وتصدت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد للجهل الذى لم يمانع فى أن تكون مصر مدفنًا للنفايات النووية وكانت مصر بالفعل قد وقعت بالأحرف الأولى بروتوكول اتفاقية فى عام 1978 تقضى باستقبال أول شحنة نفايات ذرية قادمة من النمسا لدفنها فى صحراء مصر الشرقية، ولما كتبت عن مضار المشروع مُنعت مقالاتها من النشر، فقامت مع الدكتور حامد ربيع بتأليف كتاب بعنوان «مصر تدخل عصر النفايات»، ووصل أمر حملتها إلى الرأى العام العالمى وبالتالى إلى النمسا لتفاجأ بزيارة سفير النمسا فى القاهرة فى منزلها مقدمًا اعتذار بلاده، ومؤكدا عدم المضى فى المشروع من قبل حكومته.. وفى عام 85 ترسل الدكتورة نعمات برقية مفتوحة لرئيس الجمهورية تهيب به أن يوقف شركة المقاولون عن عملية توسيع مقام الحسين غير الضرورية لأنها لتبرير عملية مقايسة بمبلغ يقرب من مليونى جنيه، وتصرخ فى رسالتها بأن الأثر يعالج بالترميم لا بالهدم والبناء من جديد كالكبارى، وتتساءل عما تحدثه التوسعة التى تجور على المكان الأثرى إذ ما كانت لن تتسع سوى لخمسين أو لسبعين من الزوار فقط وسيظل العدد فى ازدياد حتى ولو بلغ التوسع خمسمائة متر لا خمسين فقط، وكانت قد كتبت مقالا بعنوان «ارفعوا أيديكم عن مقام الإمام الحسين» فى جريدة الشعب فاتصل بها المهندس عثمان أحمد عثمان رئيس شركة المقاولون العرب ووعدها بزيارة منزلية لتوضيح موقفه لكنه لم يف بوعده، وكان أن هُشِّم الإزار الذهبى للقبة بآياته القرآنية و٧٥٪ من الجدار الجنوبى الغربى للضريح، و٢٥٪ من جدار الضريح الشمالى الشرقى وكـلاهما من الآثار التى لن تعوَّض، وتنهى الدكتورة برقيتها المفتوحة بأن رجال شركة التوسيع إذا ما كانوا قد بيتوا أمرًا بأن يطرقوا الأبواب الخلفية أو الوزارية متخطين اللجنة الدائمة للآثار فإن اللجنة بالإجماع ستعلن على رءوس الأشهاد ما دار ويدور معززًا باستقالتها.

فى منتصف الخمسينيات كان الزواج من رفيق رحلتها الأستاذ محمد طاهر صاحب دار النشر الذى اختاره نجيب محفوظ ليكون ناشرًا لجميع مؤلفاته وكان الزوج المتفهم لموهبة الزوجة حتى أنه منعها من القيام بمهام الزوجة العادية بمفهوم أن هناك ملايين النساء يستطعن القيام بتلك الأمور، ولكن كم واحدة منهن تمتلك موهبة زوجته الكاتبة التى شبهها الأديب أحمد حسن الزيات بـ«مى زيادة»، وأنجبت الزيجة الموفقة ابنتين الكبرى «حنان» التى أهدتها الأم كتابها «إلى ابنتى» الذى حاز على جائزة أفضل كتاب عام 1962 عن قضية الأمومة من منظمة اليونسكو، والابنة الثانية «فينان» وولدها الوحيد «أحمد فؤاد» الذى حمل اسم والدها، وكانت زميلتها فى الدراسة الثانوية المذيعة آمال فهمى «كانت خفيفة الظل، حلوة الصوت، وكثيرًا ما كانت تطلب منى أن أكتب لها موضوع التعبير فأوافق بشرط أن تغنى لى إحدى روائع أم كلثوم».. وإذا ما كانت أم كلثوم على الدوام تغنى فى خلفية عروس النيل فقد كان تزعجها الدراما التليفزيونية التى سرقت وقت الأسر المصرية لتمضى متسائلة «أما فى البيت من كتاب أو جريدة؟!»..

وعلى مدى العمر المديد كانت لعروس النيل كلمات ليست كالكلمات فظاهرها دردشات، وباطنها ثقافة وعلم وتاريخ ومنها:

«يجب أن تكف المرأة عن طلب المساواة، فهو اعتراف بـ(الدونية) ولكن تحقيق الذات وحجم الإنجاز هو الذى يرفع صاحبه ويكسِب الاحترام... يجب أن تكف المرأة عن تفضيل الولد على أخته البنت، وعن حصر لعب البنت بـ(العروسة) والدعاء لها بالعَدَل، فالزواج مطلب، إلى جانب حاجات الروح ومتطلبات العقل... أهدت مصر إلى الفن الإسلامى القبة التى غيّرت من معالم الفن الإسلامى وبلغت بها الذروة فى عهد المماليك حين أهدت مصر قلاوون قبته ومحرابه... شكلت مصر التماثيل من الأحجار الصلدة كالديورنت والجرانيت والكوارتزيت والشست، فجاء فنها فى النحت آية تبهر الناظرين حتى ليقول النحات العالمى هنرى مور: (أُعطى عمرى كله لمن يعطينى دفء النبض فى النحت المصرى القديم)... وما كاد ابن خلدون يدخل القاهرة حتى هتف وقد وقع فى بحر من الحماسة يقول: (رأيت حضارة الدنيا وبستان العالم وإيوان الإسلام وكرسى الملك حيث تلوحُ القصور وتزدهر المدارس وتضىء البدور والكواكب من العلماء)... اتقوا اللـه فى مصر، لا يكربها أحد بالتقنين والتنظير، إنها أمضى ذكاء وأكثر حِكمة مما تظنون، إنها تعرف ماذا تقول ومتى تقول، وحين تمسك عن الكـلام فإنها فى صمتها أروع، ولا يغرّن أحدًا ضحكها حين تختزن صبرها فقد اعتادت أن تضحك من جلاّديها وتضحك عليهم، وفى الحالين يقطر ضحكها مرارة وسخرية معاً، ولكنها لم تيأس لأنها مؤمنة عرفت اللـه منذ القدم... إنها سيناء التى أمر اللـه فيها موسى أن يخلع نعليه (إنك بالوادى المقدس طوى)، إنها سيناء التى سلكتها مريم والمسيح فى طريق العائلة المقدسة إلى مصر فرارًا من غدر هيرودوس لتجد فيها أمنًا ومأوى، وفى الإنجيل (من مصر قد ناديت ابنى)، وفى القرآن الكريم (وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين)، و(سيناء) فى قاموس الكتاب المقدس اسم جبل يطلق عليه جبل (حوريب)، ويأتى القرن السادس الميلادى فترتفع فوقها كنيسة سانت كاترين بما تحوى من كنوز الأيقونات والمخطوطات وأقدم نسخة من الكتاب المقدس، ونحو ألفى وثيقة عربية من رسائل الخلفاء وأهم وأغلى من الوثائق نسخة من كتاب الأمان الذى أرسله الرسول عليه السلام الذى أملاه على عُمر بن الخطاب إلى رهبان الدير، وأقول نسخة لأن الأصل أخذه السلطان سليم إلى استانبول فيما جمعه من مصر... تتمثل روح العدل فى مصر القديمة حين نجد المصرى يتشفع يوم الحساب فيقول: (أنا لم أغضب الإله، أنا لم أتسبب فى بكاء أحد، أنا لم أختطف اللبن من فم الرضيع، أنا لم أطفئ شمعة وقت الحاجة إليها)... إن معانى العدل والحق والصدق، نفذت إلى مصر وطبعت فى سلوكها فى الواقع أو الأسطورة على حد سواء، ففى أسطورة ايزيس وأوزوريس، قتل ست أخاه أزوريس فسعت إيزيس إلى محكمة العدل تطرح قضيتها، لم تعرف إيزيس حائط المبكى لأن مصر من عادتها أن تترك الجانى للقانون، وتترك من يفلت من العقاب للزمن، إن مصر قد تشقى، ولكنها تشفي، وقد تمرض، ولكنها لا تموت..

الأزهر تختلف الروايات فى اسمه: هل هو نسبة إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول التى انتسبت إليها دولة الفاطميين، ويعزز هذا الرأى المقصورة التى أقيمت فى هذا الجامع وسميت باسمها، أم أن الأزهر نسبة إلى القصور الزاهرة التى أحيطت به عندما أنشئت القاهرة؟ أم الأزهر تيمنًا بما سيصير إليه وما ينتظر العلم والدين على يديه من ازدهار؟ أم الأزهر ردًآ على مدينة الأمويين بالأندلس: (الزهراء) التى سبقت مولده بربع قرن 325هـ، تفترق هذه التفسيرات أو تلتقى فإن الأزهر بها أو بدونها تجلجل فوق مآذنه: اللـه أكبر... إن الإسلام ليس فى حاجة إلى خطب منبرية بأصوات عالية صاخبة، لأن الجلبة والجهارة ينتفى معهما الإيحاء والاهتداء والاقتناع والإمتاع... حرمت مصر أكل البصل يوم دخول المعبد حتى كان يقف بالباب كاهن يشم ريح البصل فيعرف صاحبه ويطلب إليه إرجاء الدخول، ويكره المسلمون أكل البصل يوم الجمعة احترامًا للصلاة الجامعة ومشاعر المصلين... رأى عمر أمير المؤمنين رجلا يطأطئ رأسه فى الصلاة فعلاه بالدرة قائلا: (ارفع رأسك إن التقوى فى الصدر)... إن الفن كما عرفته مصر يعلم الصمت، كتأمل العبد لأن متذوقه يرتشفه فى سكون، واستغراقه يسمع فيه صوت اللون، ونبض الحركة، وهفهفة النسمة وهى تحرك الغصن المرسوم، وعمارة المساجد صلاة تشكيلية بمثابة تسبيح للـه... إن التاريخ هو الحاسة السادسة لنا... (مصر هبة النيل) عبارة قالها هيرودوت عندما منعه الكهنة المصريون من دخول المعبد المصرى خاصة قاعدة قدس الأقداس فقال عبارته بمعنى أن أسرار الحضارة المصرية التى تحرصون عليها وتحولون بينها وبين الغرباء لا فضل لكم فيها فالسر فى النيل، ولقد كان هيرودوت حانقاً فقال ما قال، إلا أنه لم يقل إن النيل حينما أعطى مصر الكثير، وعلمها الكثير، فإن الإنسان المصرى استوعب درس النيل ووعاه فليست البيئة هى السبب الوحيد الذى تتولد عنه الحضارة، وإنما هو الإنسان المصرى، فحوض النيل يشمل عشر دول فلماذا لم تقم فى إحداها حضارة كالتى قامت فى مصر، إن مصر هبة النيل وهبة الإنسان المصري..... فى القرن الحادى عشر الميلادى ظهرت جزيرة النيل التى أصبحت فيما بعد أرض شبرا، كذلك بينما كانت جزيرة الروضة موجودة كما هى قبل العصر العربى ظهرت فى القرن الـ14 الميلادى جزيرتان إلى الشمال هما جزيرة (حليمة) التى هى جزيرة الزمالك اليوم، ثم جزيرة (أروى) بينهما إلى الغرب التى التحمت ببر الضفة الغربية لتصبح اليوم منطقة الدقى... فى الأدب المصرى القديم أقدم صورة لقصة سندريلا وقدمها الصغيرة وسائر أحداث القصة المعروفة، وبلغ من حب المصريين للأدب أنهم كانوا يصفون بليغ العبارة بقولهم: (كل ما يخرج من فمه مغموس بالعسل)... هل الحجر أوحى إلى مصر القوة أم أن قوتها اختارت الحجر للبناء؟ وهذا يفسر أن مصر الإسلامية فى أول عهدها بالإسلام بنت بالطوب ليعلو به جامع ابن طولون، وإذ اتخذت مصر فى الإسلام دورًا قويًا بنت بالحجر، وخير شاهد على هذا جامع السلطان حسن الذى يعتبره الكثير من أساتذة العمارة فى العالم هرمًا آخر، هرمًا إسلاميا... كان الإمام أحمد بن حنبل يحدث ابنته كثيرًا عن الإمام الشافعى على أنه الأمل المرجو والرجاء المأمول، وذات يوم زار الشافعى ابن حنبل وبات عنده، فلم تنم الفتاة وطال فضولها وهى ترقب حركات الشافعى وسكناته، وبعد ساعتين قام أبوها من نومه وتوضأ وأخذ يصلى الليل للـه، فنظرت الفتاة إلى الشافعى فوجدته نائمًا أو هكذا يبدو، وفى الصباح سأل أبوها ضيفه الشافعى كيف قضى ليلته؟ فأجابه: (على خير ما يُقضى الليل، لقد حُلّت وأنا مستلق على ظهرى مائة مسألة مما يهم المسلمين)، وهذا هو الدين فى قمته التى تعلو كثيرًا على القيام والقعود».

ويستمر نهر العطاء لعاشقة النيل فى كل مقام ومجال فتقول: زار الخديو إسماعيل مع السلطان عبدالعزيز الأزهر، فإذا بعالِم يمد رجله، وظل يمدها ولم يغيّر جلسته، ففزع الخديو وأرسل إليه أحد رجاله بصرّة لكى يفعل ما يفعله المستقبلون، فقال لرسول الحاكم: (قل لمن أرسلك أن من يمد رِجله لا يمد يده)... الكاتب المصرى الذى يُقال عنه إنه يجلس القرفصاء، ليس إلا كاتب شريف لم يحن رأسه، بل يجلس فى ثبات الواثق بنفسه، الغنى بعلمه، المعتد بقلمه، المستقل برأيه، نظرته نافذة يستوحى ضميره، لا يملى عليه، هذا الكاتب المبجل كتب أول بحث فلسفى وأول مسرحية فى آداب الدنيا وهى مسرحية (منف) التى يحتفظ بها متحف لندن وكتبت عام 3400 ق.م قبل الدراما اليونانية بثلاثة آلاف سنة، وهذا الكاتب الشريف أول من كتب القصة القصيرة وقصة (خلق العالم) وقصة الملاح الغريق التى تأثرت بها الأوديسة وحكاها (دانتى) وكانت ركيزة لقصة السندباد البحرى فى الأدب العربى، وروبنس كروزو فى الأدب الإنجليزى، بل إن قصة كريم الدين فى ألف ليلة هى بعينها قصة الملاّح الغريق، وهذا الكاتب المصرى كتب لبلده أقدم صورة لقصة سندريلا بأحداثها، وكتب قصصًا على لسان الطير والحيوان قبل (كليلة ودمنة) وقبل (لافونتين)، وهذا الكاتب كان قدماؤنا يصفونه بأن (كـلامه يدعو الناس إلى احترامه) وهى صفة عزيزة غير متوافرة فى أغلب الأحيان، ولقد كان لقب الكاتب أعظم الألقاب فى مصر القديمة ورغم أن (حور محب) كان ملكًا لمصر وقائدًا للجيش لكنه فى تمثاله المخلّد اتخذ هيئة الكاتب المصرى وجلسته... فى كل عصر يحس القائمون على اللغة والقائمون بتعليمها حاجة أبناء جيلهم إلى مبعث جديد فى اللغة، أحس هذه الحاجة لطفى السيد، كما أحسها فى الأربعينيات يحيى حقى ومحمود تيمور وأمين الخولى، وهذه اللغة الفصحى تواجه واقعًا مريرًا اليوم فالمتكلم بها يلقى عنتا من العيون والشارات التى تجعل النطق بها أضحوكة فلا يهش أحد إلى الحديث بها بل يتفاخر بالحديث بغيرها، ويرى الصغار ما يحدث ويذهبون إلى المدرسة فيجدون لغة لا يتكلمها البيت فيتصورون أنها لغة للاستعمال الرسمى فلا تتغلغل فى شعورهم ولا تعيش معهم حياتهم، وفى هذا الجو لا يجيدها متعلم ولا يرغب فى إجادتها، وتعيش الفصحى ثلاث أزمات، أولها أزمتها الذاتية من جراء نحوها وصرفها، وأزمتها الداخلية مع العامية المتجددة التى غدت وسيلة الحوار الدائم لتغدو «شباب على طول»، وأزمتها الخارجية مع اللغات الأخرى، حيث زحفت التشبيهات والعناوين ــ حتى فى الأقاليم زحفًا إلى الريف ــ لتغدو أجنبية، والحل عندى تنقية العربية باستبعاد البالى من صيغها، والتقريب بينها وبين العامية فما خّف مع الصحة اللغوية فى اللغتين نشيّعه فى الكتابة والحديث، وتسهيل اللغة بقصر النحو على ما يصح به التعبير دون الدخول فى متاهات القواعد واستثناءاتها، وغربلة التراث مع تقدير واع لفروق الذوق النفسى والاجتماعى بين الأمس واليوم... هل يعقل أن مصر التى علمت العالم الزراعة تعصف بها أزمة قمح وخبز ولديها النيل والأرض والطاقة البشرية، من يصدق هذا؟! إننى أتذكر قاعدة فقهية للإمام الشافعى كثيرًا ما أستشهد بها حيث يقول: (لا تستشيروا من ليس فى بيته دقيق فإن عقله غائب)... السخرة لا تبنى هرمًا بل بناه الحب والإرادة... مصر التى وضعت قاموس العربية الأكبر (لسان العرب) من عشرين جزءا، مصر هى التى بنت الأزهر، فرنسا (فرنست) شمال افريقيا، وانجلترا (برطنت) الهند، وعجز الجميع عن تغيير لسان مصر بفضل الأزهر... مصر التى كرمها اللـه فى كتابه الكريم كما لم يكرّم بلدًا، ونهرها الوحيد الذى ذُكر فى القرآن وبلغة الجمع (الأنهار).... يا أم الشهداء يا مصر تلدين البطل وراء البطل فيعيش لك ويموت فيك، يا أم الأمجاد يمر موكب الشهداء جديدًا على بعض العيون ولكن عينك أنت ألفت هذا الموكب منذ خضت معارك الحرب والسلم، ففى السلم عذب من رجالنا (ذو النون)، وفى سجن المأمون قضى نحبه الإمام أحمد بن حنبل متمسكًا بموقفه فى محنة (خلق القرآن) مقيدًا بأثقال الحديد الذى حملوه بها من القاهرة إلى بغداد بعدما ساموه العذاب لينزل على رأى الحاكم لكنه أبى بعزّة المؤمن وتعمد الاستشهاد، أما شهداء الحرب فأسماؤهم بضعة من كيانك مستقرة فى وجدانك منذ عُقدت لواء البطولة قديمًا لـ(أحمس) فى (صالحجر) و(تحتمس) فى (مجدو) و(رمسيس) فى (قادش)... ويقول العقاد فى وصيته الأخيرة شعرًا:

إذا شيعونى يوم تقضى منيتى

وقــالوا أراح اللـه ذاك المعذبـا

فـلا تحملونى صامتين إلى الثرى

فـإنى أخاف اللحــد أن يتهيبا

وغنوا فإن المــوت كأس شهية

ومـازال يحلو أن يغــنى ويُشربا

وما النعش إلا المهد، مهد بنى الورى

فلا تحزنوا ففيه الوليد المغيبا

ولا تذكرونى بالبكاء وإنما

أعيدوا على سمعى القصيد فأطربا

 



لمزيد من مقالات سناء البيسى;

رابط دائم: