رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل حقاً تحللت القيم فى مجتمعاتنا؟

ما أكثر الحديث عن التحلل والانفلات فى القيم والأخلاق. يطالعنا هذا الحديث فى أحاديثنا العادية، وفى خطابنا الإعلامي، وحتى فى خطابنا الأكاديمي. وعندما يُساق مثل هذا الحديث يكثر المتحدثون من ضرب الأمثلة بدءاً من الحديث عن تطاول الصغار على الكبار، وانتهاءً بالحديث عن انفلات الشباب، ومروراً بأمثلة كثيرة عن أن الحراك الثورى قد أزاح غطاء الاحترام وأن الدنيا لم تعد هى الدنيا. ويمر مثل هذا الحديث بعدد من المقارنات، فنجد من يقارن بين أحوال الحاضر والماضى منحازاً بشكل صريح إلى الماضى وأهله؛ ومنهم من يقارن بين أحوالنا وأحوال الدول المتقدمة فى العالم وفى الإقليم مقللاً من شأن الوطن الذى يعيش فيه وأهله؛ فى أحاديث دائمة لا تنقطع إلا لتعاود الظهور بصور مختلفة وفى فضاءات الحياة المختلفة. ونحن جميعاً ننخرط فى هذا النوع من الخطاب، لا يُستثنى منا أحد، وإزاء هذه الصور المختلفة من الخطاب المحفز لفكرة انهيار القيم وتفككها فى حياتنا المعاصرة، إزاء هذه الصور تترى أمامنا صور من العمل والنشاط والإنجاز التى تشى بعمق الالتزام الأخلاقى وعمق المسئولية الاجتماعية. يرى المرء هذه الصور عبر مسيرة الزمن اليومى منذ الصباح وحتى الصباح التالي، يرى بشراً (نساءً ورجالاً) يناضلون من أجل العيش ويبحثون عن «اللقمة الحلال» وهؤلاء من كل فئات المجتمع. فنجد العامل المكافح، والتاجر الأمين، والحرفى الماهر، والقاضى العادل، والمدرس المخلص، ورجل الأعمال الوطنى ...إلخ، هؤلاء الرجال والنساء الذين تُبنى على أكتافهم أركان الوطن. وإزاء هذا الموقف المتناقض يجد الباحث فى علم الاجتماع نفسه بحاجة إلى تفسيرات مقنعة لا تجارى الخطاب الشائع بالقول بأن القيم قد انهارت وأن الزمان قد انحدر إلى أسفل، ولا تقع فى أسر الميول الشيفونية بالقول بأن المجتمع فى أحسن حالاته وأن الأمور على ما يرام. لابد أن نقر بداءة أن القيم قد تغيرت، وهى يجب أن تتغير إذا كان المجتمع صحيحا وسائرا إلى الأمام. دعونا نتأمل أولاً بعض النتائج التى توصل إليها البحث العالمى للقيم الذى يطبق منذ العام 1981 على دول عديدة حول العالم ويخرج بنتائج مقارنة تكشف عن توجهات تغير القيم عبر العالم. ثمة نتائج ثلاث تبرز فى الرصيد الذى قدمه هذا البحث. الأولى أن القيم العالمية تنتقل من حالة الحداثة إلى ما بعدها، والثانية أن هذه القيم تميل إلى أن تكون قيماً مادية تبعد بالبشر على ميولهم المعنوية والروحية، والثالثة أن القيم تنأى بنفسها عن الأطر الجمعية وتتجه نحو التركيز على المصالح الفردية. صحيح أن هذه التغيرات تتباين فى جنوب العالم عن شماله، ولكنها تعكس اتجاهاً عاماً فى تغيرات جوهرية وذات طبيعة عالمية فى مجال القيم. وأحسب أننا بحاجة إلى أن نفكر فى مثل هذه النتائج ونحن نصدر أحكامنا حول تفكك القيم وانهيارها. فلاشك أن هذه التغيرات قد مست مجتمعاتنا، وأن الفرق يكمن فى أن التغير يحدث هنا بوتيرة عالية، وأن بعض جوانبه تفهم بشكل خاطئ كما يحدث فى فهم الحرية الشخصية مثلا، وأن المجتمع لا يطور نظماً لاستيعاب التغيرات وضبط مسارها ومأسستها، فتظل تعمل فى حالة من التشظى والانفلات الذى يصور على أنه تحلل لمنظومة القيم.

ومن ناحية أخرى فإننا عندما نتأمل الكلام الذى يساق حول تفكك القيم فإننا نجده لا يصدر عن هؤلاء الذين يكابدون الحياة فى صمت، ولكنه يصدر عن المثقفين والأكاديميين ومن فى حكمهم من أبناء الطبقة الوسطى الذين يجدون فيه بعض الراحة والاطمئنان أحيانا وهم يضيعون أوقاتهم فى ملاحم الكلام التى لا تنتهي، ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أن هؤلاء من الكسالى المتقاعسين فى مقابل من يكابدون الحياة فى صمت. فهؤلاء هم الذين يديرون تقريباً كل أمور حياتنا ومصائرنا؛ ولكن خطابهم يحتاج إلى نظر وتمحيص وإلى دراسة أو دراسات عن ثقافة الطبقة الوسطى وانشغالاتها الفكرية. ولكننا يمكن أن نسوق لتفسير هذا الموقف فرضيتين.

تتصل الفرضية الأولى بحالة الهلع الوجودى والأخلاقى الذى تعيشه الطبقة الوسطى من مجتمعنا. فالحديث حول تفكك القيم لا يعنى بالضرورة أن القيم قد تفككت، بقدر ما يعبر عن الحالة التى تعيشها الطبقة الوسطى وهى حالة تسمى بالخوف على المستقبل دون القدرة على ضبطه والتحكم فيه، فيكون الحل الأسهل والأقرب هو النظر إلى الدنيا وكأنها على وشك الانهيار والفساد. ويعمل الخطاب الإعلامى من ناحية والخطاب الدينى من ناحية أخرى على تدعيم هذا التوجه ونشره، فثمة مبالغة فى الخطاب الإعلامى حول انهيار القيم وحول أخلاقيات الشباب وحول الشخصية المصرية وما أصابها خاصة بعد الحراك الثوري. وفى المقابل يؤكد الخطاب الدينى على ما أصاب المسلمين من تدهور أخلاقى وثقافى وعن إهمالهم لواجبات دنيتهم وآخرتهم. ومن شأن ذلك فى الحالتين يصب كثيرا من الزيت على حالة الهلع الأخلاقى التى تفرض تجليها فى ثقافة الطبقة الوسطى. أما الفرضية الثانية فتصل بخصائص الممارسات الكلامية لدى هذه الطبقة. فالممارسة الكلامية تتجه دائما نحو خطاب الأزمة والحنين إلى الماضى وتأكيد الذات فى مقابل الآخر وفى كل الأحوال ينتهى الكلام إلى حالة اطمئنان وسكون، بل سكينه، ينتهى إلى رأى لسان حاله يقول: ليس الزمان هو الزمان ولا البشر هم البشر فالمجتمع فى أزمة والماضى أفضل من الحاضر، والآخرون هم الذين لحقهم التحلل والهلاك أما أنا فالنقى الوصى الذى يراقب ويحلل ولا يدركه الفساد. (نحتاج فى هذا السياق إلى أن نتأمل طبيعة الوصاية وتجلياتها فى مجتمعاتنا)، فالوصاية على ما يبدو لا تأتى من جانب المتطرفين فى آرائهم فحسب بل قد تأتى منا جميعا دون أن ندري. وإذا صح هذا القول فقد نكون بحاجة أيضا إلى أن نتأمل طبيعة الثقة والعلاقة بالآخر فى حياتنا اليومية.

ولكن قد يسأل القارئ الكريم عند هذا الحد: وماذا بعد؟ قد لا أملك إجابة محددة على هذا السؤال، ولكن أستطيع أن أقول فقط إننا بحاجة إلى أن نتأمل أنفسنا ونحن نتأمل حياة الآخرين.


لمزيد من مقالات د.أحمد زايد;

رابط دائم: