رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رأى حُر..

في عالم الأشقاء الموهوبين لابد من فض الاشتباك بين كل من مصطفي أمين وعلي أمين، وكامل الشناوى ومأمون الشناوى، وعلي مشرفة ومصطفي مشرفة، ومصطفى عبدالرازق وعلى عبدالرازق، والأخوان رحبانى، وأحمد أمين وجلال أمين.. و..محمود أبوالفتح وأحمد أبوالفتح نجما الصحافة اللذان وقعا في غرامها وذاقا مجدها واكتويا بنارها وكتبا علي صفحاتها أوليات ونجاحات ومبادرات وسياسات وثورات ومقالات من نار وآراء من نور فتحت عليهما أبواب النعيم وسعير الجحيم.. الشقيق الكبير محمود أبوالفتح (1893 ــ 1958) والأصغر أحمد أبوالفتح (1917 ــ 2004) وبينهما حسين أبوالفتح..

محمود الذى اكتسب شهرته الوطنية ولم يزل في الخامسة عشرة عندما أثنى عليه سعد زغلول ناظر المعارف مؤيدًا منح المدرس المصرى له الدرجة النهائية فى موضوع الإنشاء الذى كتبه بالإنجليزية بروح ثورية على غير رغبة المدرس الإنجليزى الذي أعطاه صفرا تنفيذًا لتعليمات دنلوب المستشار الإنجليزى للتعليم في مصر، ويقود محمود مظاهرة ضد سياسة دنلوب فيفصل من المدرسة ليحصل علي البكالوريا نظام المدارس، ويلتحق بمدرسة الحقوق التي يقوم دنلوب بزيارتها فيواجهه محمود بمظاهرة ليتقرر فصله مرة أخرى.. وفي عام 1914 يجرب للمرة الأولى الكتابة الصحفية فتنشر كلماته جريدة وادى النيل بالاسكندرية الموالية للحزب الوطنى ويشاركه في العمل بها فتحى رضوان وتوفيق دياب ومحمود عزمى، وكان راتبه فيها في البداية 150 قرشا، ارتفع إلي 4 جنيهات وبعدها عين رئيسا للتحرير بمرتب 12 جنيها.. ويوافق سعد زغلول علي أن يقوم محمود أبوالفتح بترجمة ما تنشره الصحف الأجنبية بالإنجليزية والفرنسية التى يجيدهما عن جولة الوفد المصري في أوروبا برئاسة سعد زغلول مقابل عشرة جنيهات من أول مارس 1919، وفي آخر مارس يحصل محمود أبوالفتح علي أول حديث مع اللورد اللنبى تنشره له جريدة وادى النيل ليرافق بعدها الوفد المصري في رحلته لإنجلترا مندوبًا عن جريدتى وادى النيل والأهرام ليكتب فى 25 ابريل مذكرة عن الحركة الوطنية المصرية ومطالب المصريين ليرسلها كصحفي مصرى إلى مجلس العموم واللوردات البريطانى، وفي عام 1922 كان الصحفى الوحيد من العالم الذي شارك طاقم المنطاد زبلن في أولى رحلاته، وأول صحفى يذيع خبر اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في 1922، وتنشر مجلة اللطائف المصورة في ديسمبر 1929 صورة محمود أبوالفتح بملابس الطيران، حيث قام برحلة صحفية مع صحفي أمريكى علي متن طائرة صغيرة ليغدو التعليق: «تحمل الأستاذ محمود أبوالفتح المحرر بالأهرام المشاق والمخاطر، حيث قام برحلة جوية عبر دول أوروبا وشمال أفريقيا وقابل باسم الصحافة المصرية وجريدة الأهرام العديد من الملوك والرؤساء، وقد تعرض للموت جوعًا لهبوط طائرته اضطرارياً فى صحراء طرابلس ليقضي بها عدة أيام ولكن العناية الإلهية سخرت له طائرة إيطالية لإنقاذه»..

 


 

وعبر بدايات مشواره الصحفى الرائد كان قد أنشأ جريدة «الجمهور» التى سرعان ما تم تعطيلها، وبعدها جريدة «الأفكار» التى عطلتها السلطات بعد ثلاثة أشهر من الصدور ليظل أهم صحفي في الأهرام يتقاضي أعلى راتب وهو سبعون جنيها شهريًا حتى وفاة رئيس تحريرها داوود بركات (1898 ــ 1933) ليتطلع محمود للمنصب، غير أن أصحاب الجريدة قاموا بتعيين أنطون الجميل باشا، ومن يومها تأكد لمحمود أهمية إنشاء جريدة مصرية تعبر عن الحركة الوطنية، وعندما شعر تقلا باشا صاحب الأهرام بنيّة محمود بإعداد صحيفته الخاصة عرض عليه زيادة مرتبه ليصل إلي مائة جنيه مقابل صرف النظر عن المشروع الصحفي غير المضمون لكنه أصرّ على تحقيق حلمه، فاتفق مع محمد التابعي وكريم ثابت علي إصدار «المصرى» ليكتب التابعى في افتتاحيةالعدد: «نحاول ما استطعنا أن ندخل علي جريدتنا لونًآ من روح العصر الذى نعيشه فنحن الآن في عام 1936 عصر الاختزال والسرعة والوصول إلي الهدف من أقصر طريق، عصر الأخبار، ولن تجدوا في (المصرى) اليوم صفحة كاملة عن أيهما أفضل البحترى أو أبي تمام، فكـلاهما عندنا رجل فاضل نرضى أن نقرأ علي روحه الفاتحة.. ولكننا لن نقرأ له سبعة أعمدة».. ويلمع على صفحات (المصرى) مع بدايته إرهاصات لخالد محمد خالد، وعبدالقادر حمزة، وعبدالمنعم الصاوى، ومحمود عبدالمنعم مراد، ومصطفي أمين الذي يجرى حديثاً مع النحاس عن معاهدة 1936.. ولا يصمد التابعي وثابت طويلا أمام خسائر المصرى في سنوات النشأة للجريدة الجديدة فباعا نصيبهما لتؤول الملكية كاملة إلي آل أبوالفتح ليستطيع محمود مع التطوير والتخلص من التبويب التقليدى والإيقاع التحريرى البطىء المستشري في الصحف عامة أن يرتفع بالتوزيع من ثمانية آلاف إلى 160 ألف نسخة، وبالتبعية زادت عوائد الإعلانات، وازدهرت الأحوال المادية لتغدو (المصري) أكثر الصحف انتشارا في مصر والعالم العربي..

وظل محمود أبوالفتح يطالب بنقابة للصحفيين عبثًا، وجاءه رد إسماعيل باشا صدقى علي إحدى مطالباته تلك بقوله: «يا محمود وحياة والدك الشيخ أحمد أبوالفتح أستاذ الشريعة الإسلامية الذى خرجت من تحت عباءته أجيال في كلية الحقوق لا تفتح علينا فتحة لا نستطيع أن نسدها.. التجمعات يا محمود خطر علينا!».. وظل حلم النقابة يداعب الصحفيين إلي أن جاءت وزارة الوفد عام 1942 ليستطيع محمود أن يستصدر قانون إنشاء النقابات العمالية والمهنية، وكانت أول نقابة يتم تشكيلها نقابة الصحفيين، وعندما أصبح أمر المقر هو العائق تبرع محمود بشقته فى عمارة الإيموبيليا كمقر مؤقت واستأجر لنفسه شقة في عمارات سيف الدين بجاردن سيتى، واتفق مع عبدالحميد عبدالحق وزير الشئون الاجتماعية على تخصيص الأرض الفضاء الواقعة خلف مقر القضاء العالى لبناء النقابات المختلفة، وكانت الأرض ملك وزارة الأوقاف فتم عرضها للبيع للنقابات فاشترى محمود أبوالفتح من حُر ماله أرض نقابة الصحفيين، وكلف المهندس الدكتور سيد كُريم بالبناء وقام بدفع جميع التكاليف، وكان عدد أعضاء النقابة الأوائل 115 عضوا، ويضم المجلس وكيلين أحدهما عن أصحاب الصحف وهو محمود عبدالقادر حمزة، والآخر عن المحررين وهو إبراهيم عبدالقادر المازنى، وكان حافظ محمود أول سكرتير عام للنقابة، وكان من الطبيعي أن يرشح الصحفيون محمود أبوالفتح لمنصب النقيب، بل كان من المفروض فوزه بالتزكية، لكنه فوجئ يوم الانتخابات بأن جبرائيل باشا تكـلا صاحب الأهرام قد رشح نفسه نقيباً، وهنا وقف محمود قبل بدء عملية التصويت قائلا: إنه قد بدأ حياته الصحفية في الأهرام وهو مدين له بالرئاسة ومن هنا سيعطى صوته «علانية» ــ رغم أن التصويت كان سريًا ــ لتقلا باشا، ووضع ورقة التصويت مفتوحة في الصندوق، وإذا بتقلا باشا يهب واقفاً ليقول إنه يرى أن محمود أبوالفتح أحق بمنصب النقيب فهو الذى فعل كل شيء، ويكفي أننا جميعًا هنا في بيته، وسنكون ضيوفه للأبد في مبني النقابة الجديد، وهذا هو صوتى أعطيه لمحمود أبوالفتح.. وفاز أبوالفتح كأول نقيب للصحفيين بكل أصوات الصحفيين عدا صوت واحد هو صوت أبوالفتح نفسه!!

ولم يقتصر نشاط محمود علي الصحافة فقط، ولكنه كان رجل أعمال من الطراز الأول، حيث أفادته علاقاته المتشعبة في القارة الأوروبية لتتيح له الحصول علي توكيلات لماركات عالمية ذائعة الصيت مثل مرسيدس وفولكس فاجن بما لها من معارض ومراكز صيانة، وبعدها استطاع الحصول علي توكيل وإنتاج وتوزيع شركة بيبسي كولا العالمية، ومن مشروعاته الناجحة إنشاء بنك القاهرة، وكان من أشهر الصحفيين بل رجالات مصر والعالم أناقة واعتناء بمظهره وفندقه ومطعمه وسيارته، فكان يستأجر جناحه في جورج سانك بباريس، وأوتيل دى برج في جنيف فيحجز كل منهما لسنة كاملة حتى ولو لم يتردد عليهما خلالها إلا أيامًا قليلة، ومن عادته أن يترك في الدواليب ما يكفي من الملابس لجميع فصول السنة، وكان يقتني سيارة رولز رويس وأخرى ميركيورى لكل منهما سائق إيطالى يقودها بالملابس الرسمية اللامعة.. وكان يختار لضيوفه المطاعم الفاخرة خارج نطاق المدن للجلوس فوق قمة جبل أو على شاطئ البحر، ويقطع الأميال لاصطياد البانوراما الخلاّبة وهو يغرس السكين في الاسكلوب ويشرب كأسًا من ماء فيشى، فقد كان لا يشرب الخمر.. وكان من أشهر هواة جمع التحف عالميا، وفي شقته الفاخرة بعمارة فرنسوا تاجر بجاردن سيتي اقتنى طاقمًا للطعام وآخر للشاي والقهوة من الذهب الخالص اشتراها استعدادًا لقدوم الملك عبدالعزيز آل سعود لزيارة مصر، حيث وعده بزيارة منزلية لم تتحقق، لعدم ارتياح الملك فاروق لها... وكان في جنيف يحتفظ بشقة مهيئة بالكامل يجامل بها أصدقاءه من المسئولين المصريين بعائلاتهم ليُقيموا فيها ويتنقلون بالسيارة الميركيورى بسائقها وبنزينها.. ورغم كل هذا البذخ فقد كان لا يدفع فاتورة تقدم إليه في أى مكان إلا إذا تحقق من أرقامها وجمعها وراجع الجرسون فيما يعتقد أنه غير دقيق، ثم ينفحه آخر الأمر بقشيشًا ضخمًا، فقد كان سمه وناره أن يستغفله كائن ما كان.. ويكشف د. سيد أبوالنجا أستاذ الإعلان في الصحافة المصرية ــ الذى خرج من تحت معطفه رجل الإعلانات الفذّ عبداللـه عبدالبارى ــ المصاحب لأبوالفتح في رحلة المصري بأنه كان بمثابة حاتم الطائى في زمانه إلا أنه كان دائم الشك فيمن يتعاونون معه، فيعتبرهم متلاعبين حتى يثبت له العكس بالأدلّة والبراهين، وكان يعهد إلي عامل في ورشه «سولكا» للكرافتات بباريس بوضع (تيكت) للماركة العالمية في بطانة الكرافتات التى يشتريها من السوق ليقدمها كهدايا عند عودته إلى مصر، وكان كامل الشناوى لا يرتدى هديته إلا في المناسبات الهاى ليفاخر بها جاره بعد قلبها له من الخلف لاطلاعه على ماركتها العالمية!..

ويروى أبوالنجا عن الرجل الظاهرة المتفردة: «عندما أصدر محمد التابعى (آخر ساعة) قبل بيعها لـ(أخبار اليوم) احتاج إلى سُلفة من الورق طلبها من محمود أبوالفتح فقال لى قبلها إنه سيطلب منى أمامه أن أعطيها له، ولكنه حذرنى بشدة من أن أقبل ذلك، وجاء التابعى بطلبه فاعتذرت بقلة الرصيد في مخازن المصرى فصاح غاضبًا في وجهى، (آمنت باللـه فقد كنت أعتقد أن محمود هو صاحب المصرى فإذا هو مجرد موظف عند سيادتك يا دكتور!!»، وكان صاحب المصرى لا يرى مانعًا من أن يشكو أمام الناس من غطرستى، فيعتذر أحيانًا عن الاستجابة لطلباتهم، واللـه يعلم أننى كنت بمثابة (اليويو) فى يده، وكان ينادينى أمام الناس يا دكتور أبوالنجا، فإذا ما كنا وحدنا نادانى باسمى مجردًا بل مختصرًا للغاية: تعالى يا سيد روح يا سيد.. لكنى أشهد أن محمود أبوالفتح كان سفارة عربية متنقلة يدعو لقضايا الجزائر وتونس ويستقبل المجاهدين العرب من فلسطين والأردن العراق ليُلبى طلباتهم، ولا أنسى له عندما أردت دخول نادي الجزيرة في 1946 عندما طلب منى السكرتير الإنجليزى أن يعقد لي امتحانا قبل الموافقة علي عضويتى وأن النادي سوف يرسل لى خطابا بهذا المعنى، وعندما عَلِّمَ محمود أبوالفتح بالأمر ثار وغضب وخطف مني الخطاب ليقوم بحملة صحفية نارية علي إدارة ناد مصرى يحكمه ويتحكم فيه المستعمر علي أرض مصر»..

و..يتفرغ محمود للأعمال تاركا لشقيقه الأصغر أحمد أبوالفتح ــ خريج الحقوق الذى بدأ حياته وكيلا للنائب العام ــ عالم الصحافة ورئاسة تحرير المصرى (1946 ــ 1954) لتتوطد العلاقة بينه وبين جمال عبدالناصر الذى كان يفضل تناول القهوة في حديقة المصرى لتتحول الجلسات إلى اجتماعات سرية للضباط الأحرار، ومن مطابع المصري تخرج المنشورات بحضور أحمد أبوالفتح ومشاركته الشخصية، كما عقدت جميع مراحل التخطيط لثورة 23 يوليو، ومع اقتراب موعد التنفيذ وأثناء إحدى اجتماعات الضباط الأحرار، هرع أحد العاملين ليهمس في أذن أحمد أبوالفتح ــ المتزوج من شقيقة ثروت عكاشة قائد الفرسان ــ بأن البوليس السرى يراقب الدار، فأسرع أحمد بإخبار جمال عبدالناصر ورفقائه الذين تسللوا من الباب الخلفي للجريدة قبل مداهمة البوليس الحربي الذى يعود بلا دليل. وكان موعد قيام ثورة يوليو ليلة 5 أغسطس كى يقبض الضباط رواتبهم في أول الشهر ويسلمونها لأسرهم ليؤمنوها ماديًا من أى احتمالات لا يعرفونها إزاء مخاطرتهم التى إذا ما نجحت أصبحوا أبطالا، وفي حالة الفشل ينتظرهم حبل المشنقة..

ويعرف أحمد أبوالفتح من مصادره في السراى بأن الملك قد وصلته قائمة بأسماء الضباط الأحرار الذين يهاجمونه من خلال منشوراتهم النارية، فأعطى أوامره بالقبض عليهم جميعاً وعلى رأسهم عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وثروت عكاشة، ونتيجة لمعلومات أحمد أبوالفتح التي نقلها للضباط قرر عبدالناصر تقديم ساعة الصفر من ليلة 5 أغسطس إلى 22 يوليه.. وبعد نجاح الثورة وتحديدًا فى ليلة 4 أغسطس 1952 يجتمع علي الغداء في منزل أحمد فؤاد ــ أحد الضباط الأحرار والضابط المسئول عن الشئون الثقافية في حركة حدتو وهي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى كل من جمال عبدالناصر ويوسف صديق وخالد محيى الدين وإبراهيم طلعت وعبدالحكيم عامر، حيث يدور بينهم حديث طويل حول نظام الحكم وعزل الملك، وتم الاتفاق علي ضرورة عودة الحياة الدستورية بما يحقق الديمقراطية، وبعدها يتم الاجتماع في حديقة جريدة المصرى يوم 10 أغسطس 1952 بحضور أحمد أبوالفتح الذى تنفرد جريدته في 12 أغسطس بنشر مشروع تحديد الملكية الزراعية تحت عنوان «نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذى قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره».. وفى حفل وضع حجر الأساس لمبني الإذاعة الجديد تتعالى ثورة علي باشا ماهر رئيس الحكومة عندما يواجه محمد نجيب بالخبر المكذوب الذى نشرته جريدة المصرى لدس الفتنة ما بين الوزارة ومجلس قيادة الثور، وكان محمد نجيب آخر من يعلم بما جرى، فصرخ في ميكروفون الحفل بأن خبر المصري عار تماما من الصحة وكاذب جملة وتفصيلا، ومن خيال الجريدة، ومطلوب تكذيب رسمى وعاجل للخبر، وفي مساء اليوم نفسه 12 أغسطس يقابل أحمد أبوالفتح وإبراهيم طلعت بمجلس قيادة الثورة جمال عبدالناصر ليطلعوه علي الفضيحة التى ستطول المصري بعدما قامت جريدة الزمان في طبعتها الأولى بمانشيت رئيسى يُكذب فيه محمد نجيب مشروع تحديد الملكية الزراعية.. وأبدًا لم يكن يدور بخلد أحمد ولا إبراهيم أمام ابتسامة ناصر الهادئة المتأملة المطمئنة أنه قد تم سحب جميع نسخ الطبعة الأولى للزمان، ومصادرة كل ما طبع منها علي رأس قوة بقيادة الصاغ عبدالمنعم النجار (سفير مصر بباريس فيما بعد) وإعادة طبعها من جديد بمانشيت مختلف يحمل عنوان (ما نشرته جريدة المصرى بالأمس هو نص المشروع الذى قدمه مجلس قيادة الثورة للحكومة لإصداره»..

تنجح الثورة بينما النحاس باشا وفؤاد سراج الدين يتلقيان العلاج في مصحة بسويسرا تصادف أن كان بها محمود أبوالفتح أيضًا، حيث يفاتحه شقيقه أحمد بالتليفون بأن مصلحة النحاس وسراج الدين سرعة الحضور لتأييد الثورة، واستطاع محمود إقناعهما، إلا أن النحاس اشترط التوجه من المطار إلى منزله ليستقبل فيه اللواء نجيب مع من يحب من الضباط، وفي قاعة كبار الزوار بمطار القاهرة استطاع المستقبلون إثناء النحاس عن تشبثه ليقوم بزيارة محمد نجيب في مقر القيادة بشارع الخليفة المأمون على أن يقوم بعدها نجيب برد الزيارة.. و..انتظر النحاس باشا وفؤاد باشا لمدة 40 دقيقة في صالون المدخل حتى حصل لهما أحمد أبوالفتح علي إذن الصعود للطابق العلوي، حيث قابلهما نجيب برحابة بينما كان الجمود يُخيم على بقية الضباط ليظل الجميع واقفين بلا جلوس لمدة 10 دقائق.. ويدرك محمود أبوالفتح بحسه الصحفى أن هناك أزمة داخل مجلس الثورة حول محمد نجيب ووزارة على ماهر فيقرر السفر إلي سويسرا عن طريق لبنان فى مايو 1953 بعدما كانت أعماله في مصر شبه متوقفة بسبب التغيرات السياسية في البلاد، ويستمر أحمد في نشر مقالاته التي تدعو إلي عودة الحياة النيابية بعد نجاح الثورة ليختلف معه جمال عبدالناصر أثناء اجتماعهما في منزل ثروت عكاشة لتبيت النية التى استشعرها أحمد أبوالفتح لإسكات صوت (المصرى) في القاهرة بينما يشن شقيقه محمود أبوالفتح حملة صحفية من جريدة (الهدف) في بيروت علي عبدالناصر الذى غيّر موقفه تجاه الديمقراطية، وعندما بلغ صراع السلطة في مارس 1954 توجه وزير الإرشاد ــ الإعلام ــ صلاح سالم إلي جريدة المصرى وجرى بكرباج خلف المحررين فهرولوا يجرون في شارع قصر العينى.. وفي عام 1954 يقرر مجلس قيادة الثورة تجريد محمود أبوالفتح من جنسيته المصرية فيمنحه فاضل الجمالي وزير الخارجية العراقية الجنسية تقديرا لخدماته وتضحيته في سبيل العرب والعروبة ليظل عراقيًا حتى ثورة عبدالكريم قاسم ليهتز كيانه من جديد بلا وطن ولا جذور، وبمساعدة الأصدقاء يعاد النظر في منحه الأهلية بالعودة إلي الجريدة الرسمية العراقية للتأكد من مرسوم الجنسية السابقة، وفي رحلة البحث عن عنوان وكيان تتدهور الصحة بشكل متسارع تبعاً للظروف القاسية المتلاعبة بمصيره فيتوفي في مستشفي بادن بألمانيا ليُدفن في تونس والابن من مصر أرض النيل التي رواها بآماله وأحلامه فخذلته.. وكان قد حكمت عليه محكمة الثورة بعشر سنوات سجن وتجريده من جميع ممتلكاته، وحكمت علي حسين أبوالفتح بالسجن 15 عاما مع وقف التنفيذ ومصادرة 358438 جنيها من أموال محمود لصالح الشعب، وكان عبدالناصر وبعض ضباط المجلس قد اعترضوا علي تلك القرارات، حيث قال ناصر: كيف نبطش بصاحب الفضل الأول على الثورة؟!.. وقبل صدور الحكم بيوم واحد زار عبدالناصر أحمد أبوالفتح فى الفجر ليعطيه سرًا جواز سفر دبلوماسيًا دائمًا وكلفه بالسفر على الفور إلى بيروت، ويسافر أحمد في الخفاء وتصادر جميع أموال الأسرة، بما فيها الفيلا التي يملكها بجوار منزل صلاح سالم بشارع أحمد حشمت بالزمالك لتتحول إلى مدرسة إعدادية أشار لها كامل الشناوى بقوله «شاهدوا عبقرية التخريب»!!

ويعيش أحمد أبوالفتح في سويسرا لمدة 20 سنة بعيدًا عن وطنه الذى لا يعود إليه إلا بعد انتصار أكتوبر معاودًا صحبة قلمه الناقد من جديد، ليقوم بتأليف قصة الفيلم العربى «النمر الأسود» بطولة أحمد زكى وأحمد مظهر ووفاء سالم، ويكتب من جديد مقالا يوميا علي صفحات الوفد تحت عنوان «رأى حر» وكان السادات عند توليه الحكم في أول وآخر عيد للصحافة قد قلّدَ كبار الصحفيين أوسمة الدولة مانحًا اسم محمود أبوالفتح وحده أعلي وسام في الدولة (وسام النيل) وقضت محكمة القضاء الإدارى في مارس 94 بدفع600 ألف جنيه تعويضا لورثة محمود أبوالفتح عن الأضرار التي أصابتهم نتيجة احتجاز أموالهم المصادرة.. يعود أحمد أبوالفتح للحياة والقلم علي أرض مصر بينما يرفض عبدالناصر عودة شقيقه محمود أبوالفتح بعد وفاته في نفس يوم مولده 15 أغسطس 1958 عن 65 عاما ليُدفن في ثرى وطنه لتضمه وحيدا غريبا منفياً مقبرة من الرخام بالعاصمة التونسية يشيعه إليها الحبيب بورقيبة..

ويقوم أحمد أبوالفتح بزيارة الرئيس السابق حسنى مبارك في قصر الاتحادية بواسطة من مصطفي أمين الذى يشترط ألا يحادثه أبوالفتح عن قضية أملاكه أو جريدته وهناك يفاجأ بالتابلوه الجوبلان المميز ملك أسرته يكسو الحائط وكان من بين العديد من التحف النادرة المصادرة التي جمعها شقيقه محمود صاحب الحس الفنى المرهف ومنها 18 لوحة لأعظم وأشهر الرسامين العالميين، ومجموعة من السجاد النادر كتبت عنها بانبهار جريدة «النيويورك تايمز» وكان هدف صاحب المصرى من اقتناء تلك القطع النادرة تجميل جريدة المصرى بها أن يحوّل المكان إلى متحف عالمى أمام الزوار والصحفيين الأجانب..

ويرحل أحمد أبوالفتح في 20 مارس 2004 فارسا نبيلا شاهرًا قلمه، ناقدًا بلا تجريح، شارحًا بلا تطاول، وطنيًا بلا تشنج، صديقا فاتحاً قلبه، صحفيًا فخرًآ لمهنة البحث عن الحقيقة.. فى مقاله اليومى تحت عنوان «رأى حر» قال أبوالفتح في أواخر التسعينيات الكثير الذى لا يتسع المكان ولا المجال إلا للقليل منه:

- يشترى العرب أسلحة بأموال طائلة لا يُعرف عددها وتعطي أمريكا إسرائيل أسلحة أقوي ولا تقبض مالا.

- معروف أن هناك من يحتضن الإرهاب وينفق عليه وأنه يستغل المشاعر الدينية فى دفع السذج إلي عمليات خطيرة ضد الوطن.

- ماذا يكون حجم الحزب الوطنى لو انتهى احتكاره للصحف والإذاعات والمقار التى هى مبان حكومية، واعتمد مثل باقي الأحزاب علي صحيفة مايو؟!

- أخطر ما يواجه مصر هو فقدان المصداقية بين المصريين والحكومة.

- كم من الوعود سمعها المصريون منذ قيل إن الكهرباء ستكون بالسد العالي بمليم للكيلوات، إلى القول بأن مصر تعيش أزهى عصور الديمقراطية.

- من فوق منبر كنيسة «وست مسترابى» وقف شقيق ديانا ليلقى خطابه فإذا به يهاجم ويندد بالمعاملة الوحشية التى عوملت بها شقيقته، والتنديد كله موجه للملكة وللأمير تشارلز، ولا يكتفي بعبارة عابرة بل يشدد جملته ويقول إنه سيتولي حماية ابنيها من أن يتعرضا لمثل ما تعرضت أمهما له.. وكان الصمت مخيماً على القاعة.. وعلي رأس الحضور الملكة وزوجها وولى العهد والمعزون من كافة أنحاء العالم.. وتجلت إنسانية رئيس الأساقفة عندما ضمن خطابه الرصين توجيه التعزية والتعاطف والمشاركة للسيد محمد الفايد في أحزانه..

- لماذا لا تخصص البنوك بضعة مليارات لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة بفوائد زهيدة، إن مائة مشروع متوسط يساعد مساعدة فعاّلة في زيادة الدخل القومى، وآلاف من المشاريع الصغيرة تبعد خطر الصراع بين الفقراء والأغنياء في مصر.

- من المخاطر أنه حتى اليوم فشل برنامج مصر الزراعى في توفير القمح..

- كلينتون يرفض التجديد لبطرس غالى عقابا له علي تقرير هيئة الأمم عن جرائم إسرائيل الوحشية في قانا اللبنانية.

- قالت جريدة نيويورك تايمز في مقال عن مصر «لو أن الأموال الطائلة التي أنفقتها علي بناء فيلات ومساكن فاخرة لا تستعمل إلا لمدة شهرين فى السنة ولم يستفد منها إلا طبقة الموسرين، قد أنفقت فى مشروعات إنتاجية لكانت مصر إحدى النمور في الميدان الاقتصادى».

- بلا شك أن مشروع توشكى ومن قبله الإعلان عن مشروع ترعة السلام يمثلان عصب السياسة الاقتصادية الجديدة!!!

 

-------------------------------------------------


بطل الواحات.. من بين جحر الثعابين استعدناك.. من وكر الخيانة استعدناك.. من جب التواطئ استعدناك.. من بين جنبات الصخر وطيات السر ومغارة التعذيب وحبكة الخفاء وخسة الأعداء وظلمات الحقد استعدناك.. تحرك الجيش من أجل فرد.. حلقت أسراب المقاتلات من أجل إنقاذ مواطن.. استعدنا النقيب محمد الحايس من أيدى الخاطفين الذين حرموه أيامًا من جرعة ماء، وعندما رفع كفيه ابتهالا حطموا أصابع الدعاء.. المأجورين الذين تفرقوا كالجرذان المذعورة وسط الرمال قبل أن ترديهم النار التي كانوا قد شحنوها معلبة في عربات الدفع الرباعية الشيطانية المصنعة أرتالا بفعل فاعل وتمويل محموم ليفجروها في أجساد المصريين غلاّ وحقدًا وتآمرًا من أوغاد ضمروا لنا عداء خفيا كنا عنه غافلين لسنين طوالا ظناً منا بأنهم أشقاء.. دُحر الإرهاب في بؤرة الحدث.. في مقتل الأخذ بالثأر.. في عين العدو على مشهد من العالم كله يرى فيه بشاشاته وموجاته وأقماره العملية المثالية للتخطيط والتنسيق والقدرة ودقة التوقيت وكيف يُخرّج المصريون الشعرة من العجين.. كيف ينقذون من كان تحت الأرض ليخرج لأحضان أمه وبيته ووطنه..

بطل الواحات.. قلوبنا اصطحبتك من الإسعاف للطائرة لهرولة الممر لحجرة العمليات للعناية المركزة لفرحة الأهل لزغرودة مواطنة لزيارة الرئيس الذي أسرع إليك ليكحل عينيه بمرآك حيًا، ولم تستطع من قسوة آلامك أن تحرك الرأس تجاه لهفته عليك.. قال لك حمدااللـه على السلامة يا بطل، وقلت له الكثير ببالغ الصمت وإنجاز المعجزة..

ولتهنأ كوكبة الشهداء الذين أحاطوا بزميلهم ليزفوه حيًا علي الأرض وليصعدوا أحياء عند ربهم يُرزقون فى جنة العليين بجوار الأنبياء والقديسين..

 



[email protected]


لمزيد من مقالات سناء البيسى;

رابط دائم: