رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الجـدار

يشجينى. يأخذ بناصية سمعى. يطربني. يعبر عما يجيش بأعماقى. يفصح عن المكنون. يقول ما أقول وأود أن أقول. يعزف على الوتر المستنفر. يقرأ صفحة الباطن والدفين. يتمشى الهوينى على جدران المشاعر.. عندما أسمعه يشدو.. المطرب السعودى محمد عبده: «أرفض المسافة.. والسور. والباب.. والحارس.. أنا الجالس خلف السراب ينفض غبار ذكراه.. أنا الرافض من طول الانتظار.. أرفض الصورة على الرف البعيد.. وجهك المحبوس فى ورق وحديد.. أرفض إحساس الجسر وسكين السهر.. وأرفض الليل والنهار وحبسى خلف الجدار.. حبيبتى تحتاجنى.. مثل الفرح حبيبتى أحتاجها.. أرفض أن أموت فى قلبها.. الحب علمها السكوت.. والحب علمنى الكـلام.. أرفض الصمت بيننا خلف الجدار».

وأنا أرفض السور والجدار والقلاع والسدود والحدود وحاجز الأشواك الذى يُدمى أجساد الأوطان ويبترها ويدميها ويُفقرها.. وهذه الأيام تشهد ذكرى الاحتفال بسقوط رمزين للجدار التعسفى.. أولهما فى ألمانيا التى تحتفل بالذكرى الـ28 لسقوط سور برلين الذى شطرها إلى نصفين لمنع تزايد الهجرة إلى برلين الغربية بعدما تسببت فى شل الاقتصاد، لكن رغبة جناحى ألمانيا فى عودة الانصهار فى بوتقة الشعب الألمانى الواحد أدت إلى إزالة الجدار عام 1989 ليحذّر «فرانك فالترشتانيماير» الرئيس الألمانى بالأمس فى ذكرى توحيد شطرى ألمانيا من «تشييد أسوار جديدة» فى المجتمع الألمانى، مطالبًا التفريق بين اللجوء بسبب الملاحقة السياسية، وبين الهجرة هربًا من الفقر قائلا: «إن السور الكبير الذى قسَّمَ ألمانيا قد سقط، لكن نتائج الانتخابات فى سبتمبر الماضى أظهرت وجود أسوار أخرى من الاغتراب وخيبة الأمل والغضب لانعدام الثقة فى الديمقراطية»..

وفى بلادنا نحتفل هذه الأيام بذكرى ملحمة نصر أكتوبر والقضاء على خط بارليف الذى قامت إسرائيل بتشييده بفكرة إنشاء الحدود السياسية تطبيقًا لفصل سيناء عن مصر بعد نكسة 67، الخط الذى أقيّم على مساحة خمسة وثلاثين موقعًا حصينًا تمتد 80 كيلومترا على طول الضفة الشرقية لقناة السويس من جنوب بورفؤاد شمالا حتى بلدة الشط عند مدينة بور توفيق جنوبًا، وتلك المواقع كان يفصلها عن مياه القناة سد ترابى مرتفع عملت إسرائيل على مدى سنوات فى زيادة ارتفاعه، وتتوافر بداخل كل موقع جميع ما يحتاج إليه المقاتل فى الحرب ليعيش فى شبه مدينة مقامة على ما يقرب من الفدان شقت تحت الأرض، حيث تربط أجزاءها ممرات صبت جدرانها بالأسمنت المسلح وغطّت سقوفها بالقضبان الحديدية التى تعلوها أكياس الرمل، ثم بالردم الترابى.. وحول تسليح خط بارليف الحصين الذى قيل بأنه العصىّ على القنبلة الذرية كتب المراسلون الأجانب: «فى كل موقع تسليح منيع فيه من أنواع المدفعية ما توجه فوهاتها إلى غرب القناة، ومنها ما يتحرك شرقًا وغربًا، وبه مخازن للذخيرة وملاجئ للدبابات بعيدة عن مرمى النيران، وأمامه منزلق يصل من مكمن الدبابة تحت الأرض إلى سطحها، وبما يُبين أنه أعد لأحوال الحصار الطويل الأمد ما يكفى شهورًا من الذخيرة والتموين والماء وكميات من الطعام الجاف لثلاثين فردًا لمدة شهر وأكثر.. إلى جانب مهبط لطائرات الهليكوبتر ومستشفى وأجهزة للتخابر وأدوات للترفيه ودار للسينما، مع وسائل الوقاية من الحرب الكيميائية، وأخفيت جميع المواقع بحقول الألغام المضادة لأثقل الدبابات والعربات المصفحة والأفراد إلى جانب إحاطتها بالأسلاك الشائكة..

بدأ القتال فى الثانية و46 دقيقة بعد الظهر بضربة مفاجئة عمادها 200 طائرة ضد أهم أهداف العدو، وبعد ساعتين وربع بدأت الموجات الأولى لخمس فرق مشاة وقوات قطاع بورسعيد فى اقتحام القناة بواسطة ما يقرب من ألف قارب اقتحام، وبعد دقائق كان الثمانية آلاف جندى قد وضعوا أقدامهم على الضفة الشرقية لتتهاوى الحصون كأوراق الشجر وتنطلق ابتهالات النصر اللـه أكبر.. اللـه أكبر.. وتحطمت أسطورة إسرائيل التى زعموا أنها لا تُقهر.. و«بَارَ» الجدار الذى لم يكن من صلب وحديد وإنما من قش و«ليف».. وأتى النصر الذى ليس له مثيل فى تاريخ الشعوب يحققه أحفاد أبطال حطين وعكا وعين جالوت..

وإلى جانب الجدارين أو الخطين المحطمين «برلين وبارليف» فقد سبقهما جدارين آخرين ذهبا أيضا أدراج الرياح مع بطولات الاستبسال، أحدهما «خط ماجينو الفرنسى» الذى قام بتشييده أندريه ماجينو (1877 ــ 1932) وزير الحربية الفرنسى ـ الذى تولى منصب مساعد الحاكم العام للجزائر عام 1907 ــ وقد استغرق بناءه سبع سنوات واستخدم فيه مليون وخمسة ألف متر مكعب من الخرسانة الأسمنتية، و50 ألف طن من ألواح الصلب، واشترك فى بنائه 15 ألف عامل تحت إشراف 200 من المهندسين الحربيين، وكان مؤلفا من طوابق عديدة مشيدة بالأسمنت المسلح والصلب.. والغريب ولمفاجأة التاريخ تجاهُل الألمان تمامًا لعقبة ماجينو فى تقدمهم لشمال فرنسا عام 1940 فقد التفوا من حوله عن طريق بلجيكا وهولندا، وكان الجنود الألمان بمظلاتهم يهبطون فوق أبراج مدفعية الخط الفرنسى المنيع ويبطلون عملها بنسفها مما قضى عليها جميعًا فى ساعات. وعلى الجانب الآخر قام الألمان ببناء خط «سيجفريد» الذى اشترك فى بنائه ــ بأمر من هِتلر بداية من عام 1936 ــ ما يقرب من نصف مليون عامل ليواجه خط ماجينو، وكان العاملون يتناوبون العمل فى جماعات لا يقل كل منها عن تسعين ألفا، وقد أقيم لهم 200 معسكر واستخدم ما لا يقل عن 5 آلاف سيارة لورى للتنقلات، وأكثر من ستمائة ألف مترمكعب من الخشب مما أثر على الصناعات المدنية، وثلاثة ملايين لفة من الأسلاك الشائكة امتدت على مدى مئات الأميال حول الخط الذى استخدم من أجله ستة آلاف عربة نقل سكك حديدية يوميًا، وكانت جميع الأسقف مقاومة للمتفجرات، وبه 22 ألف برج للمدافع، وكان امتداده بالقرب من الحدود البلجيكية حتى الحدود السويسرية.

و..أكره المسافة والسور والجدار الخاص بالفصل العنصرى الذى بنته إسرائيل فى الضفة الغربية قرب الخط الأخضر لمنع دخول أهل الضفة إلى المستوطنات الإسرائيلية القريبة منه، فى محاولة خبيثة لشل حياة سكان فلسطين، وضم أراضٍ من الضفة الغربية إلى إسرائيل، والجدار مكون من سياجات وأسوار، وفى مناطق السكان مثل منطقة مثلث القدس تم بناء أسوار بدلا من السياجات، وكانت بداية بناء الجدار العازل فى 2002 ليمر بمسار متعرج يحيط بمعظم أراضى الضفة الغربية، وهو بمثابة عازل للمستوطنات لمنع الفلسطينيين من العبور إلى ما وراءه، وكم عارضته السلطة الفلسطينية التى أطلقت عليه «جدار الضم والتوسع العنصرى» وكانت حكومة شارون عند بداية إنشائه قد صرحت بأن الهدف منه إنقاذ المواطن الإسرائيلى من هجمات الفدائيين، والجدار قوامه من الأسمنت المسلح بارتفاع يتراوح ما بين 5 و9 أمتار فى المناطق المأهولة بالفلسطينيين، والحقيقة أن نسبة 15٪ من مقاطع الجدار تمتد على حدود 1948 المسماة بالخط الأخضر، والباقى تم بناؤه فى الأرض التى احتلت فى 67 والمسماة بالضفة الغربية، والجدار يتوغل 22 كيلومترا فى منطقة اسمها «إصبع أرنيل» ويمر عبر أراضٍ مأهولة وزراعية فى الضفة الغربية، ويعزل فى المنطقة الشمالية أكثر من 5 آلاف فلسطينى فى مناطق مغلقة ما بين الخط الأخضر والجدار، وقامت السلطات الإسرائيلية بعمل شبكة من البوابات فى الجدار لا يعبرها الفلسطينيون إلا بتصريح مرور، رغم صراخهم بأن شبكة الجدار من أسوار وخنادق هى استكمال لتمزيق الأرض، وتقسيم التجمعات السكانية للأهالي، والفصل بينهم وبين المدارس وأماكن العمل، ويؤكد الفلسطينيون أمام هذا الإجراء أنه بمثابة فرض الأمر الواقع على أى اتفاق مستقبلى للفصل بين الدولتين.

ومن أسوار الدفاع عن الأوطان على مدى التاريخ «سور الصين العظيم» الذى يبلغ طوله 2400 كيلومتر ويعد أحد عجائب الدنيا السبع، تم بناؤه فى 221 ق.م فى عهد الإمبراطور «تشين شى هوانج» بهدف الدفاع العسكرى ضد القبائل المتوحشة التى تغزو البلاد، ويبلغ ارتفاعه نحو 7٫6 متر، وعلى كل 150 مترا برج للمراقبة ارتفاعه 12 مترا.. ويأتى «سور كرواتيا العظيم» فى المرتبة الثانية إذ يصل طوله حوالى خمسة كيلومترات، ويقع بالقرب من مدينة دوبروفينك، وبعدهما سور «هادريان» فى انجلترا وتم بناؤه فى عهد الإمبراطور الرومانى هادريان سنة 117 وهو أحد ثلاثة أسوار بُنيت لصد القبائل القديمة التى كانت تسكن أرض اسكتلندا.. وتعد القاهرة هى المدينة الوحيدة فى جنوب المتوسط التى شُيدت فيها الأسوار فى فترات تاريخية مختلفة، الأول بناه جوهر الصقلى، والثانى بناه أمير الجيوش بدر الجمالى، والثالث بناه بهاء الدين قراقوش فى عهد صلاح الدين الأيوبى..

وإذا ما كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يسعى جديًا لإقامة جدار فاصل بينه وبين المكسيك لمنع الهجرة منها إلى الولايات المتحدة، فهناك العديد من الدول جدارها الفاصل بين بعضها البعض مجرد حبل أو خط مرسوم على الأرض أو على الورق، مثل سور من النباتات تتحدث عبره مواطنة من بيلاروسيا لقريبتها فى ليتوانيا..

وفى مواجهة الإرهاب القادم الآن من تحت الأرض ومن أعلى نافذة فى لاس فيجاس لابد من السور والجدار والأنفاق المليئة بالمياه مثل الحاجز الحدودى الذى أعلن عنه وزير الدفاع التونسى فرحات الحرشانى من بعد مقتل 59 سائحا أجنبيًا فى منتجع سوسة منذ عامين منعا لتسلل المتطرفين، ويمتد الحاجز التونسى 200 كيلومتر مغطيًا نحو نصف الحدود بين ليبيا وتونس.. ونشرت صحيفة «التلغراف» البريطانية أن السعودية باشرت بناء سور على طول حدودها مع العراق وذلك فى إطار تجنبها الفوضى الضاربة فى دول الجوار، ووفقاً للصحيفة فإن طول السور الذى بات يعرف بسور الصين العظيم الثانى يبلغ 600 ميل، وهو تنفيذ لخطة سعودية قديمة نوقشت عام 2006 وتم إقرارها، ووفقا لصحيفة التلغراف، فإن السور يشمل بناء خمس طبقات، بالإضافة لأبراج مراقبة وكاميرات رؤية ليلية، وكاميرات رادار، وكما ذكرت الصحيفة فهناك ما يشير إلى حاجز على طول حدود السعودية مع اليمن والتى تصل إلى 1000ميل.. و..هناك مشروع إسرائيلى لبناء جدار عازل مع الأردن لتخوفها من انهيار دور المنطقة العازلة الذى أداه الأردن لإسرائيل طوال السنوات الماضية، وفى تحليل لصحيفة الغد الأردنية أن بناء هذا الجدار هو جزء من عقلية الغيتو الإسرائيلية وهو جدار عنصرى، لأن إسرائيل تنظر إلى جيرانها على أنهم أعداء يتحينون الفرصة للانقضاض عليها، ويستبدل نيتنياهو سياسة بناء الجسور مع الجيران ببناء الجدران العازلة التى لن تحقق لها الأمن مع هؤلاء الجيران.. وأما عن الكويت فخلال تاريخها القديم شُيدت ثلاثة أسوار من الطين.. الأول بُنىَ فى عهد الشيخ عبداللـه بن صباح الصباح عام 1760، والثانى عام 1814، والثالث عام 1920 فى عهد الشيخ سالم المبارك الصباح، وكان تشييد هذه الأسوار لأغراض دفاعية بعد خوض الكويت عددا من النزاعات الإقليمية والحروب، وفى الجزائر بدلا من «السور» هناك «السوار الإلكترونى» بدلا من السجن المؤقت لمراقبة المتهمين بقضايا محل تحقيق كبديل عن حبسهم احتياطيًا، وسوف يتم تعميم هذا النظام تدريجيًا، وحول نوعية تلك الرقابة قال «غريس كبير» النائب العام فى محكمة «تيبازة» أن نظام السوار الإلكترونى جاء بديلا عن الحبس المؤقت الذى أشعل الانتقاد فى جميع دول العالم، لأنه يتعارض مع قاعدة «المتهم برىء حتى تثبُت إدانته»، واستعمال السوار من شأنه تعزيز احترام حقوق الإنسان من خلال الحد من اللجوء إلى إجراء الحبس الاحتياطى، والجزائر هى الدولة الأولى عربيًا التى تطبق هذا النظام الذى يسمح للمتهم بممارسة حياته الطبيعية حتى مثوله أمام المحكمة، ويتميز السوار بخصائص تقنية تسمح له بمقاومة الماء إلى أعماق تتجاوز الـ30 مترًا، ودرجات الحرارة المذيبة للمعادن، والصدمات والذبذبات والقطع والفتح، والأشعة فوق البنفسجية، ومزود أيضًا بعازل لحماية الكاحل من الحساسية.. ولا تخرج العراق عن منظومة الجدار العازل خاصة حول العاصمة بغداد بهدف حمايتها وليس عزلها عن سائر المحافظات، وكانت فكرة السور مطروحة فيها منذ عام 2007 والسبب الأساسى هو الطرق الترابية الموسمية التى يصعب السيطرة عليها والتى تدخل منها العصابات الإرهابية منتهزة هبوبها.. وحول مفهوم الجدار قام المخرج العراقى الكبير «محمد شكرى جميل» بإخراج فيلم «الأسوار» المقتبس من رواية «القمر والأسوار» للروائى العراقى عبدالرحمن مجيد الربيعى، ويعد من أهم وأضخم الأفلام فى تاريخ السينما العراقية حتى عام 1980 وقام ببطولته باقة من النجوم العراقيين من بينهم فاضل خليل وسليمة خضير وغازى التكرينى.

ولعله أكثر الجدران قدسية «حائط البراق» وهى الدابة التى سافرت بالنبى صلى اللـه عليه وسلم فى رحلة الإسراء من المسجد الحرام للمسجد الأقصى، حيث ربطَ الرسول البراق بهذا الحائط ليسمى باسمه، ثم عُرج به جبريل إلى السماء ليلتقى بالأنبياء فى رحلة المعراج التى قال عنها: «أوتيت بالبراق فركبته حيث أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التى يربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم عُرج بى إلى السماء» (أخرجه مسلم).. وحائط البراق جزء من السور المبارك للمسجد الأقصى لا يختلف عنه فى شيء، وهو الجزء الجنوبى الغربى من السور، ويجاوره مباشرة باب المسجد الأقصى (باب المغاربة) وقبل عام 67 كانت البيوت قديما تحيط وتلاصق هذا السور، وكان حائط البراق مكشوفا، فكان اليهود يفدون إليه ويبكون زوال ملكهم عنده، ولذلك أطلقوا عليه «حائط المبكى» ويزعمون أن سليمان هو الذى بناه، ويسمونه الحائط الغربى للـهيكل، ومن بعد الاحتلال الصهيونى للقدس الشرقية فى 1967 استولت إسرائيل نهائيا على الحائط وحولته إلى أثر يهودى دينى، وقامت بهدم حى المغاربة الملاصق للجدار الغربى للمسجد الأقصى وشردت الأهالى ونسفت المنازل المحيطة وأقامت ساحة كبيرة للصلاة.

والسور والسد والجدار جاء ذكرها فى القرآن الكريم وذلك فى قوله تعالى فى سورة ياسين «وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون».. وجاء فى سورة الكهف «قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا».. وفيها أيضاً: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا».. وفى شرح الشيخ الشعراوى للآية بأن موسى كان منطقيا فى سؤاله خاصة أن صاحبه لم يأخذ أجرًا على بناء الجدار، فأتاه الرد المفحم بأنه لو ترك الجدار ينهار لظهر الكنز الذى تحته، وهو لغلامين يتيمين (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) فكان استخراج الكنز مقترن ببلوغ الرشد، وكان قد بنى الجدار بناء مؤقتا بحيث لا ينهار إلا حين يبلغ الغلامان مبلغ الرشد، وكأنه يضبط الميقات لتماسك الجدار، (وكان أبوهما صالحا) إذن فإن صلاح الأب هو الذى أدى إلى حماية كنز الأبناء بقدوم موسى وصاحبه ليبنى الجدار الموقوت الذى يصون الكنز من اللئام.

وفى الأدب المصرى تعكس الجدران والأسوار جوانب متعددة من الواقع، ففى البدايات المبكرة لمحسن بطل توفيق الحكيم فى نهاية «عودة الروح» عندما وضعته السلطات البريطانية خلف الأسوار لاشتراكه مع أقربائه فى مظاهرات ثورة 19، وفى معتقل القلعة يحيط بالمعتقلين جو كوميدى فخادمهم المعتقل معهم يتوهم أن أدوات ممارسة الرياضة فى الحوش مشانق منصوبة لهم جميعًا، ولكن هذا الجو المرح يقدح شرارة المعنى الرمزى فى الرواية.. معنى بعث الروح عند الارتفاع إلى القضية العامة فى تسام على المشاكل الشخصية التافهة.. وعند نجيب محفوظ بدءا بالثلاثية جاءت الأسوار بوضع الشقيقان اليسارى واليمينى فى ليلة واحدة خلف الأسوار، وينتظر الشقيقان الصبح لتأتى زيارة الخال فيتفق اليسارى واليمينى على الإيمان بالواجب الإنسانى العام، ومن بعد الثلاثية نجد بطل «اللص والكـلاب» عند محفوظ خارجًا فى البداية من خلف الأسوار، وبطل روايته «الطريق» منتهيًا إلى ما وراء الأسوار.. وكان «الجدار» هو الذى أوحى ليوسف إدريس برائعته «مسحوق الهمس» التى تدور حول جدار الزنزانة المعادلة للوحدة والعزلة، وإخفاق البحث الدائب عن اللقاء بين اثنين أقرب ما يكونان، وأبعد ما يكونان، وإن لم يفصلهما إلا بضعة سنتيمترات من حجر، أو ربما طبقة اجتماعية، أو جنس، أو لون، فالزنزانة هنا رمز فلسفى متعال للجدران والأسوار التى تقف حائلا دون التواصل بين البشر، دون الصحبة والمشاركة حتى خارج أسوار السجون.. وبطل القصة سجين منعزل فى زنزانة، يسعده أن ينقلوه إلى زنزانة تلتصق جدرانها بزنازين سجن النساء، ويبذل السجين جهده لإقامة تواصل مع ساكنة الجانب الآخر من الجدار، وذلك بالنقر على قروانة الطعام، ولكن الاستجابة غامضة مبهمة، وهو يجمع مسحوق الهمس الغامض على الجانبين ليشكل منه صورة متخيلة لامرأة يمنحها اسمًا وقوامًا وملامح، ويعرف السجين بعدها أن الزنزانة المجاورة خلف الجدار لم يكن يشغلها إلا سجناء من الرجال، وأن عناقه وتواصله ذهب هباءً، ولكن خيال تلك المرأة يظل فى ذاكرته بطريقة تفوق كل النساء اللاتى عرفهن، ربما لأنها تجسد المثل الأعلى لحواء التى قام بنحتها بنفسه من طين «مسحوق الهمس»... وعندما يكتب يوسف إدريس روايته «البيضاء» تطبق جدران الزنزانة على عينى «البارودى» الزعيم اليسارى، ويتكاثف الظـلام فيعمى عينيه، وهذا العمى الرمزى يشير إلى السجن أو الجدار الذى يعزل اليسارى عن نور الحقيقة وعن الوعى الجمعى بداخله، فهو معصوب العينين بشعارات جاهزة ونظريات مستوردة ومعادلات نهائية بمثابة السور الذى يفصله عن الواقع والناس، وهو يحاول من داخل الجدران أن يظل قائدًا للتنظيم الذى ينتمى إليه.. وقد ضلّ من كانت العميان تهديه..

وكان «الجدار» عنوان لخمس قصص للكاتب الفرنسى الوجودى جان بول سارتر، وهذه القصص تدور حول 3 أشخاص ينتظرون الإعدام بالرصاص فى اليوم التالى، ويحلل سارتر فى هذا العمل مشاعر كل منهم، ويميط اللثام عن أنواع سلوكهم حيال التنفيذ، ومع أنهم معرضون لحكم الإعدام فإنهم يتضامنون فى الشعور بالحرية، فهذا الموقف مشرف لهم لأنه يمثل تضحية كبرى فى سبيل الوطن، وأن هذا الجدار الفاصل بين الحياة والموت هو بابه إلى الحرية بالمعنى الكامل.

ولعله كان بمثابة ناقوس التحذير المبكر فى أجواء المملكة السعودية مسلسل «أسوار» لمؤلفه ومنتجه حسن عسيرى ومخرجه سائد بشير هوارى الذى يضم 30 حلقة مدة كل منها 40 دقيقة، والذى رفضت قناة الـMBC عرضه فى رمضان 2006 دون ذكر الأسباب، ثم عادت لتعرضه فى 2007، وكانت غالبية الأحداث قد تم تصويرها فى درة الفردوس بجدة، وجزء منه فى مدينة فيينا بالنمسا، وقصته تدور حول ابنة العائلة التى تقع فى حب السائق الأجير، وبمجرد اكتشاف شقيقها الأمر يسارع بقتلها ومواراتها التراب لدفن الفضيحة، لكن المجنى عليها تخرج من القبر وتأتى ساعية على قدميها وإن فقدت عقلها، وتنتهى المأساة بانتحارها ووفاة السائق فى حادث سيارة لحظة هروبه.. وبهذا كان المسلسل أول خارق للمنطقة المحرمة التى يعتبرها المحافظون فى المملكة خادشة للحياء وغير أخلاقية، لكن جرأته الهادفة وضعت مشكلة السائق الأجنبى وقضية قيادة المرأة للسيارة فى السعودية فى الواجهة والمواجهة.. وربما كان لزامًا مضى أكثر من 11 عامًا بتوقيت السعودية كى نهنئ النجمة ميساء مغربى لشجاعتها على أداء دور «سندس» والفنان محمد بكر الذى وقف فى وجه التيار ليقوم بدور السائق «سيلا».. وما نيل المطالب بالتمنى، والصبر مفتاح الانفراجة.. وللجدران اختراق، فهناك اختراق لحاجز الصوت، واختراق لجدار الكراهية كما فى قول السادات... وعندما طلب الرسول صلى اللـه عليه وسلم من جبريل عليه السلام التقدم معه إلى سِدرة المنتهى قال له: لكل منا مقام معلوم.. يا رسول اللـه... إذا أنت تقدّمت اخترقت.. وإذا أنا تقدّمت احترقت».

رحلة العائلة المقدسة

خلد انجيل متى رحلة العائلة المقدسة بوصف ما حدث مع يوسف النجار: «إذا ما ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى الحلم قائلا قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك أن هيرودوس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه فقام وأخذ الصبى وأمه ليلا وانصرفا إلى مصر» (انجيل متى 13: 2)، وجاءت العائلة المقدسة من فلسطين إلى مصر عبر العريش ووصلوا إلى بابليون أو ما يعرف اليوم بمصر القديمة ثم اختبأوا فى الصعيد ثم عادوا للشمال مرورًا بوادى النطرون واجتازوا الدلتا مرورًا بسخا وواصلوا طريق العودة عبر سيناء إلى فلسطين من حيث أتوا ليعرف خط سير هذه العائلة برحلة العائلة المقدسة التى سكنوا فيها مصر لمدة أربع سنوات وعادوا وعمر عيسى ست سنين لتنزل به مريم قرية الناصر من جبل الجليل لتستوطنها ثلاثين سنة ليسير بعدها عيسى مع ابن خالته يحيى بن زكريا عليهما السلام إلى نهر الأردن وليغتسل فيه عيسى لتهل عليه النبوة..

وكما ذكر المقريزى فى القرن الـ15 الميلادى أن العائلة المقدسة قد حطت رحالها فى مصر بالقرب من عين شمس ناحية المطرية، وهناك استراحت بجوار عين ماء وغسلت فيها مريم ثياب المسيح وصبت بماء الحموم الأرض فأنبتت نبات البلسان الذى لا يعرف فى أى مكان آخر، وكان يستخرج من النبات عطر البلسم أثمن هدايا العطور للأباطرة والملوك، وظلت حديقة المطرية أحد المعالم المقدسة فى الشرق لعدة قرون، وهناك شجرة العذراء المحاطة بهالة قدسية حتى أن جنود الحملة الفرنسية اجتمعوا من حولها ليحفر كل منهم اسمه بسيفه للذكرى فوق لحائها لتظل الأسماء ظاهرة حتى الآن.. وبالأمس يبارك بابا الفاتيكان فرنسيس الأول فى القداس الذى أقامه أيقونة رحلة العائلة المقدسة لمصر «الأرض المباركة عبر العصور بدم الشهداء والأبرار» لتصب المباركة مباشرة فى وريد السياحة الدينية فى مصر..

[email protected]


لمزيد من مقالات سناء البيسى;

رابط دائم: