رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صلاح سالم .. بين البحث عن الدين والبحث عن الحداثة

د. أحمد زايد
لم أجد عنواناً أكثر تعبيراً من هذا العنوان عما أود أن أسوقه من حديث حول هذا الكتاب المهم؛ الذى قدمه المفكر الفيلسوف صلاح سالم إلى المكتبة العربية (نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب،

2016- 577 ص). فالقارئ للكتاب يستشعر حالة من القلق الوجودى لدى المؤلف فى بحثه عن الحقيقة الدينية التى يحكمها رقة الوجدان والشعور، وفى بحثه عن الحقيقة العقلية التى تحكمها صرامة العقل والمنطق. عالمان يتصلان وينفصلان، فى الفكر تارة وفى الوجود المتعًّين تارة أخري، ويشكل اتصالها – حوارهما وصراعهما – سمت الوجود فى العالم المعاصر. وعبر هذه الحالة يسبح بنا المؤلف سباحة فكرية ثرية فى المعطيات الفكرية والفلسفية التى أنتجتها الحضارة الغربية من ناحية، وفى المعطيات الفكرية العربية من ناحية أخري. ويشكل الدين محور الحديث الأساسى فى الحالتين. ففى الحالة الأولى يكشف لنا التحليل الفلسفى كيف تعاملت المعطيات الفكرية والفلسفية فى الحضارة الغربية مع الدين، وكيف تجادل الدين مع الحداثة وكيف تجادلت معه عبر مراحلها المختلفة، وكيف أفرز هذا الجدل ضروباً مختلفة من إيواء «المقدس» داخل العقل تارة، واستبعاده تارة أخري، واستدعائه تارة ثالثة. وفى الحالة الثانية (حالة الموقف العربي) يكون الجدل مستمراً إلى الآن، ولا يصل الفكر إلى كلمة سواء بين ما هو مقدس وما هو علماني، فيتحول الدين إلى حالة تستعص على الإيواء داخل العقل، بل يتحول الجدل مع الدين إلى ما يطلق عليه المؤلف «مأزق الدين فى العالم العربي». وفى هذا الإطار الكلى العام يطل علينا المؤلف بأساليبه التحليلية، وبآرائه الجريئة، وبأفكاره الجديدة التى تؤسس لرؤية فكرية أحسب أن المؤلف يبنى عليها فى المستقبل.

ويود المؤلف من بداية الكتاب ألا يفهم على أنه ينطلق من إطار توفيقى أو تلفيقي، ومن ثم يكون الاحتراز المنهجى هو مفتتح الكتاب. ينتقد المؤلف الموقف التوفيقى صراحة، ويرى أن النزعة التوفيقية أصابها فشل محتوم إذ «تفترض مسارات للدمج والتركيب، تستلزم بدورها تحليلاً وتفكيكاً كى نحسن الاختيار بين العناصر الإيجابية فى تراثنا الذاتى وتراث الآخر الغربي» (ص14) وهذه المسارات للدمج والتركيب تفترض بدورها أن الذات العربية تعمل وكأنها فى فترة استراحة تاريخية للانتقاء من الحضارة الغربية ما يلائمها. وتلك فرضية زائفة «لأن التاريخ لم يتوقف، ولم يحصل العرب على هذه الاستراحة، بل أنهم دخلوا العصر الحديث تحت ضغط الاستعمار والصهيونية، ناهيك عن التخلف التاريخى الساحق» (نفس الصفحة). وبناء عليه فإن هذه النزعة التوفيقية ليست منهجاً يحتذي، ولا طريقة تصمد أمام الفشل الذى أصابها. وفى ضوء هذا الرفض الصريح للنزعة التوفيقية، يضع المؤلف ذاته الباحثة فى سياق النقد التاريخي-الجدلي. ويفهم التاريخ هنا لا على أنه حقب متتالية، وإنما هو «أفق تاريخى مفتوح تتوازى فيه الثقافات وتتفاعل فيما بينها، ومع حركة التاريخ، بحيث يصبح عصر التدوين العربى ملهماً، مثلما أن عصر التنوير الغربى حاضراً» (ص 15). وتكون مهمة المنهج التاريخى هى «تقييم مرتكزات العصور، ومصادر الإلهام، وكيف استجابت سلباً وإيجاباً لمسار تطور العقل البشرى نحو العقلنة والاستنارة والأنسنة والعلمنة» (نفس الصفحة). يتحول الدرس التاريخى النقدى هنا إلى درس مقارن يضع المجليات المختلفة للعقل البشرى فى الحضارات المختلفة على نفس المحك من النقد والتحليل. ورغم أن هذا المنحى المنهجى قد يثير أسئلة عديدة، إلا أنه منحى ملائم مكن المؤلف من أن يخوض فى عدد كبير من الأفكار وأن يخضعها لتصنيفات ومقارنات متعددة، بحيث يكون الدين فى كل الأحوال فى بؤرة الاهتمام.

فى إطار هذا المنهج يتصدى الكتاب فى قسمه الأول إلى الإنتاج الفلسفى الغربي، ويحاول المؤلف فى هذا الجزء أن يتعمق فى الدرس الفلسفى للفكر الغربى لاكتشاف مساراته وتجلياته وتحولاته. فى الحديث عن المسارات يأتى مفهوم الحداثة كمفهوم محوري. ويستخلص القارئ بسهولة من هذا الفصل فكرة أظن أنها جديرة بالنظر والتأمل مفاداها أن الحداثة لم تكن أبداً كتلة واحدة، أى مجموعة خصائص ثابتة، خاصة فى مجلياتها الفكرية. ومن هنا فقد كانت هناك مسارات عديدة للحداثة، من الحداثة الباكرة إلى الحداثة الفائقة، إلى الحداثة الخافتة. ولعل المسميات التى أضفاها المؤلف على مسارات الحداثة يكون لها دلالة فيما يتصل بالجدل مع الدين. ففى الحداثة الباكرة التى ارتبطت بالفكر العقلانى (العلمى تارة والديكارتى تارة أخري) الموروث من الحضارة اليونانية القديمة؛ كان الإصلاح الدينى استجابة لنداء العقل، وكان التصالح بين الدين والعقل رسالة ظاهرة تتجلى بشكل واضح فى التأملات الجديدة التى جاءت على «حافة التماس بين منطق الروح ومنطق العقل، بين الدين والعلم» (ص 48).

وإذا كان الحديث عن مسارات الحداثة قد كشف عن التوجهات الكبرى لعلاقة الحداثة بالدين عبر مساراتها المختلفة؛ فإن الأمر كان يتطلب سبر أغوار حركتين فكريتين هامتين فى تاريخ الحداثة. تتصل الفكرة الأولى بالدور الذى لعبه عصر الأنوار فى بلورة الفكر السياسى الأوربي، أما الفكرة الثانية فتتصل بالدور الذى لعبته حركة العلمنة فى تحديد هوية المجتمع الحديث وتحديد دور الدين فيه، ومن هنا كان الحديث عن مجليات عصر التنوير من ناحية، وعن تحولات فكرة العلمنة من ناحية أخري.

وفيما يتصل بفكرة التنوير يميز المؤلف بين مستويين فى مسيرة النقد التنويرى للدين: التنوير المادي، الذى يشكك فى الحقيقة الإلهية والبحث فى أصول فكرة الدين ذاتها، والتنوير الروحى الذى ينشغل بمفهوم الإلوهية أو بأصول الدين، بقدر انشغاله «بترسيم ساحة الوعى الإنسانى «العقلاني» فى سياق التأكيد على الحضور الفعال للإنسان الجديد فى الكون (دون) نفى الحضور الإلهى أو تصور الفاعلية الإنسانية باعتبارها نقيضًا للفاعلية الإلهية» (ص 117). ويرى المؤلف أن النزعة التنويرية المادية قد التبست بأوهام النزعة المركزية الأوروبية حول حاكمية العقل وموت الإله. ومن هنا التناقض الأساسى بين العقل الوضعى والإيمان الإعجازي؛ فى حين أن التنوير الروحى – متمثلا فى النزعة المثالية الألمانية والنزعة النقدية – قد تجاوز هذا التناقض عبر تقديمه لنموذج جدلي/نقدى للعقلانية، والذى يراه المؤلف النموذج «الأنجح فى تجسير الهوة بين المسيحية والتنوير قياسًا إلى شتى تقاليد الفكر الغربى» (ص 151).

أما فيما يتصل بتحولات العلمنة، فقد كان للمؤلف نظرة ثاقبة؛ حيث اعتبر أن عملية العلمنة لم تكن إلا «ثمرة النقد التنويرى (العملي) للدين والذى لم ينشغل كالنقد النظرى بجذور الدين أو أصول الحقيقة الإلهية، بل صب تركيزه على دور الدين فى الحياة اليومية ودور المؤسسات الدينية فى المجال العام، خصوصًا على مشروعية تغولها على نظيرتها الدنيوية/الزمنية، حيث ولدت ظاهرة الكهانة التى لعبت دور الغريزة الأساسية للاجتماع الإنسانى عبر التاريخ» (ص 191). ومن هنا كلن العداء للكهانة، أو قل كان العمل على تحييد الدين وفصله عن السلطة الزمنية، إذ أن فى ذلك الفصل تحرير للإنسان بحيث يتخلق لديه تمايز بين الدينى والمدني، بين الخير العام والخير الخاص، بين المقدس والدنيوي. ومن هنا كان أيضا السعى – على المستوى السياسى – نحو فصل الكنيسة عن الدولة، تلك التى تتأسس على مبادئ من التعاقد الاجتماعي. وإذا كان هذا الفصل بين الدينى والمدنى هو سمت الفكر الذى انبثق من تحولات العلمنة، فإن هذا الفصل قد دخل إلى مدى أبعد من ذلك فى صور أخرى من التفكير الفلسفي، حيث لم يتم الاكتفاء بالفصل بين الدينى والمدنى بل تجاوز ذلك إلى التحول من «العلمانية الجزئية» إلى العلمانية الشاملة، بتعبير عبد الوهاب المسيري، أو من العلمانية السياسية إلى العلمانية الوجودية بتعبير المؤلف.

ويتوقع القارئ من المؤلف - بناء على وعده فى المقدمة- أن يكمل الدرس بالانتقال إلى الحضارة العربية لبحث منتجها الفكرى فى تصوراته حول الدين خاصة. وهو يفى بهذا الوعد عبر باب كامل هو الباب الثانى من الكتاب. ولكن المؤلف لا يخفى انطباعاته عن الحالة العربية فتتحول المالآت المتعلقة بالدين فى الحضارة الغربية (عنوان الباب الأول: مالآت الدين فى العالم الغربي) إلى مأزق (عنوان الباب الثاني: مأزق الدين فى العالم العربي). يبدو الأمر هنا وكأننا ندخل إلى عالم العرب ونحن نعرف أن الحوار الفكرى مع الدين لم يتوصل إلى قول فصل، وأن الحوار تحول إلى مأزق. وربما يكون هذا هو السبب الذى لم يدفع المؤلف إلى الدخول فى تحليل جذور الفكر الفلسفى العربى ومجلياته التاريخية على ما فعل مع الفكر الغربي، بل اتجه مباشرة إلى الحديث عن إخفاقات الحداثة العربية، وجاء عرضه لمجليات الفكر العربى قديمة أو حديثة فى ضوء هذه النظرة إلى الحداثة العربية. تلك الحداثة التى أنتجت ذاتاً ثقافية تنكفئ على نفسها وتبالغ فى إبراز التناقض مع الأخر «إذ تنطلق منه نحو ذاتها وتتصور أن كل قاسم مشترك معه يعنى إذابة الذات فيه» (ص 289)، كما بالغت فى كراهية الحاضر والتشاؤم إزاء المستقبل فى ضوء «تفوق الآخر، وتمكنه من السيطرة طويلة الأجل على حركة التاريخ» (نفس الصفحة).

وفى ضوء الظرف الحداثى المتأزم قد لا يكون الحديث عن تجليات التنوير أو تحولات العلمنة حديثاً مسوغاً، فلا تنوير هنا ولا علمنة إلا فى نصوص قد يراها المؤلف إنها ليست نافذة أو حالة فى الفكر أو الواقع. ومن هنا اتجه الحديث إلى درس تحديات التنوير، وإشكاليات العلمنة. ونحن هنا أمام تحديات وإشكاليات علينا أن نفهمها ونفككها ونبحث فى إذابتها أو تحريكها. ولعل هذا هو ما فعله المؤلف فى تناوله لقضايا التنوير والعلمنة فى العالم العربي.

ففى حديثه عن تحديات التنوير يلجأ مباشرة إلى بعض النصوص الفلسفية تارة والقرآنية تارة أخرى ليدلل على أن ثمة مرتكزات نصية لفكر تنويرى على اعتبار «أن القرآن كنص تأسيسى إنما يستند إلى المبادئ الكلية للعقل البشرى ويحوز من البداية «أفقاً تنويرياً» يتجذر فى مفهوم الذات المستخلفة والعلاقة التى يصوغها بين الله والإنسان/ الخليفة الأرضي» (ص 394). وتؤسس هذه المرتكزات العقلانية كونية، ولنزعة إنسانية تؤسس للإيجابية التاريخية؛ وهى نزعة تجمع بين تأكيد الفردية الروحية للإنسان من ناحية، وعلى تكامله واندماجه فى الجماعة من ناحية أخري. ولكن هنا يظهر السؤال: لماذا لم تتحول هذه المرتكزات التنويرية إلى واقع معاش؟ لا يترك المؤلف هذا السؤال دون إجابة: «فثمة تحديات عطلت تجسيد هذه المرتكزات فى الواقع، لعل أهمها تأكيد نمط بذاته للعلاقة بين الله والإنسان ذلك النمط الذى يسلب من الوجود الإنسانى أى قيمة ليقترب به من حد العدم ويصير جوهراً للشر والنقص» (ص 432). ولعل سيادة هذا النمط من التدين أو من العلاقة بالله هو الذى أدى إلى كل التحديات التى أعاقت التنوير، ومنها غياب السببية التى تعطل عمل العقل، وسيادة النزعة الجبرية التى تهدر الديناميكية الحضارية.

ثمة عود هنا إلى مشروع الحداثة العربى حيث الإشارة الصريحة إلى إخفاق المجتمعات العربية المعاصرة «فى استيعاب درس التاريخ... ومراكمة تراث ديمقراطى معتبر، حيث سعت النخب الوطنية التى حكمتها بعد الاستقلال عن الخلافة العثمانية (لماذا لا يقول الإمبراطورية!) إلى وراثة النموذج الرعوي، والحلول بديلاً عن النخب التركية. ولاشك إن هذا الجمود البنائى هو الذى وقف حجر عثرة أمام عدم الانفصام فى تاريخية العلاقة بين المقدس الإسلامى والسلطة الزمنية. وبعد فلقد كانت قراءة الكتاب جهداً مضنياً، ولكن هذا الجهد يزول شقاؤه مع استعذاب المتعة التى يشعر بها القارئ وهو يطالع أفكاراً جديدة تترى الفكرة تلو الأخري، وهو يطالع أساليب من التحليل جديدة ومبتكرة، وهو يشعر بالغبطة من حجم المعرفة التى يملكها المؤلف، وحجم الجهد الذى بذله فى تنظيم الأفكار وفى عرضها وفى نقدها وفى عدم الملل من طرح أطروحات جديدة فيها من التحدى بقدر ما فيها من العمق. صحيح أن القارئ قد يسأل المؤلف أسئلة نقدية تتصل بالمنهج التاريخى النقدي، وأخرى تتصل بطبيعة التصنيفات التى يتجرأ عليها المؤلف وهو يعالج موضوع الحداثة والتنوير والعولمة، وثالثة حول طبيعة الحيدة فى عرض الأفكار الغربية فى مقابل الأفكار العربية. كل هذه وغيرها قضايا تثير الأسئلة والحوار، ولكن هذه الأسئلة تفتح أمام القارئ آفاقاً للتفكير والحوار الإيجابى البناء، ومن ثم فإنها تضيف إلى الكتاب ولا تأخذ منه. إن هذا الكتاب يعد كتاباً عظيماً كما إن كاتبه يستحق الثناء والتقدير. فهو كتاب يوضع بجانب الأعمال الكبرى لكبار الكتاب والفلاسفة العرب فى الزمن الحديث، وما يثيره من قضايا وإشكاليات سوف يفتح الباب واسعاً أمام مزيد من الدرس والتحليل والنقد كما أنه سوف يسهم فى تأسيس رؤية نظرية لحال مجتمعاتنا وآفاق تطورها فى المستقبل، وأظن أن كاتبنا سوف يركز على هذا التأسيس فى أعماله القادمة.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق