رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

من منا لا يستحق «الدعم» ؟

هل كانت مفاجأة، ما أعلنته مصادر بالحكومة، عن عدم قدرتها على تنقية بطاقات الدعم التموينية، نتيجة لعدم امتلاك الحكومة قاعدة بيانات عن الأثرياء بالمجتمع؟ أبدًا.. ليس فى ذلك أى مفاجأة.. فمتى كانت الحكومة تمتلك قاعدة بيانات صحيحة عن كل قطاعات المجتمع؟



إن كلمة “أثرياء”، نفسها، لا يوجد لها فى مجتمعنا تعريف محدد، والاعتماد على التقديرات الإحصائية، هو اعتماد وهمى زائف، وقائم على الخيال، وعلى الأفكار الموروثة القديمة، التى نتداولها منذ محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة.

وإلى سيادتك بعض الأمثلة. إنهم يقولون لك: إلحق يا جدع.. إن ثمة أطباء ومهندسين وقضاة ومدرسين وصحفيين يتلقون الدعم، وعندهم بطاقة، مع أنهم لا يستحقونه.. فمن قال لكم يا أحباب الموازنة العامة، إن هؤلاء لا يستحقون الدعم؟

والسؤال الحاكم للقضية هو كالتالي: عند مستوى كم جنيه بالضبط يكون المرء منا مستحقًا لهذا الدعم؟ ألفا جنيه فى الشهر مثلًا؟ ثلاثة آلاف؟ خمسة؟ فعلى أى أساس حددت سيادتك الرقم، وأنت أصلًا غير قادر على حساب متوسط حقيقى، للنسبة بين دخل المواطن وأسعار السلع الأساسية بالأسواق( والتى تشتعل كالنار فى الهشيم كل يوم.. بل فى كل ساعة)؟

هب أن طبيبًا محترمًا مَلو هدومه، دفع نور عينيه وزهرة شبابه فى الدراسة، حتى ابيضّت مقلتاه من فرط الدّح فى الكتب والمراجع ، ثم تشمللتَ حضرتك، فعينته فى الريف بإحدى الوحدات الصحية، بألفى جنيه فى الشهر ( أول عن آخر).. والرجل نجح أبواه فى تزويجه، ثم أنعم الله عليه بالذرية الصالحة، فأنجب عيّلين.. قل لى كيف يعيش هذا “المسكين” بالألفى ملطوش فى الشهر؟

و ماذا لو عرفت سيادتك، أن الكثير من الصحفيين والمهندسين والمحامين، وأرباب المهن الأخرى، لا يزيد دخل الواحد منهم على ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه شهريًا.. فكيف يعيش هؤلاء.. وكيلو البطاطس جاوز الـ 7 جنيهات، واللحم ( القابل للمضغ ثم البلع.. وليس الكاوتشوكى المطاط المؤلم للأسنان والبطون) تخطّى سعره 120 جنيهًا؟

طيب.. لو أن «سايسًا» يركن السيارات، يكسب – بالميّت - 500 جنيه فى اليوم، (وبدون الميّت 300 )، أو أن سائق توك توك، أوميكروباظ ( هكذا ينطقونها ؛ باظ وليس باص!)، يتحصل على 400 جنيه فى اليوم.. فأى من الفريقين ( الأطباء والمهندسين.. فى مقابل الميكروباظية) يستحق دعمكم الكريم؟

وأساسًا أساسًا.. ما الهدف من اللجوء إلى سياسات الدعم السلعى؟ أليس حماية أبناء الطبقات التعبانة المنهكة التى ضربها السلك فأوجع، نتيجة لتوحش رأس المال اللا منضبط، واستغلال التجار الجشعين لهم؟ فماذا لو كان هؤلاء الموجوعون هم أبناء الطبقة المتوسطة؟ هل مجرد ارتدائهم القميص والبنطلون يكون سببًا فى حرمانهم من هذا الدعم؟

مشكلة الاقتصاد المصرى، ليست فى تضخم ما تنفقه الدولة على الدعم، بل فى العجز عن زيادة الإنتاج، ومن ثم اللجوء الاضطرارى إلى الاستيراد الفاحش، لتلبية احتياجات الناس من السلع والخدمات، وبالتالى فإن الرشادة تقتضى الاتجاه نحو زيادة الإنتاج، وليس البحث عن الفلوس من أى مصدر والسلام.

إنك إن خفضت الدعم، ولم تكن قادرًا على الإنتاج (الحقيقى)، ستكون النتيجة تنشيف السوق. أنت عندما تسحب من الناس فلوسهم، من خلال زيادة الأسعار بشكل مطّرد، سوف تقلل من القوة الشرائية بالمجتمع، وبالتالى ينخفض إقبال الناس على الشراء، فتغلق المحلات أبوابها، وعندئذِ لا يدفعون لك ضرائب، ولا رسوم، ولا تأمينات، إذ كيف سيدفعون والمحل مغلق؟

.. وأيضًا، سيضطر صاحب المصنع إلى غلق مصنعه بالضبّة والمفتاح، لأن التجار لا يشترون منه منتجاته.. ولماذا يشترون..وهم لا يبيعون؟ وكيف يبيع التجار والناس قد سُحبت منهم فلوسهم التى من المفترض أن يشتروا بها؟ لا.. بل وهناك ما هو أشد وأنكى.. وهو أن كلا الصاحبين ( صاحب المصنع.. وصاحب المحل).. سوف يطرد العمال، سواء من المصنع، أو من المتجر.. وهنالك ترتفع نسبة البطالة، و كما نعرف، فإن الشيطان يحب العاطلين!

عند هذا الحد، قد يرد علينا البعض من المتحمسين لترشيد الدعم، بأن الدعم النقدى هو الحل، وهنا سنعود إلى إشكالية “ البيضة أولًا أم الدجاجة”، أنت تقول لى إنك ستعطى الدعم للفقراء فى صورة نقدية، طيب إذا كنت غير قادر على تحديد من هو الفقير أصلًا.. فمن بالضبط الذى ستعطيه النقدية؟ ألم تقل لنا إنك غير قادر على جمع بيانات المستحقين البطاقة التموينية.. فكيف إذن ستعرف الذى يستحق تلك النقود الداعمة؟

الموضوع شكله “معقرب”؟ أبدًا.. ولا معقرب ولا حاجة. فقط علينا أن نبدأ البداية الصح، وهى الاجتهاد فى وضع قاعدة حقيقية للبيانات، عن كل قطاعات المجتمع، خاصة ما يسمى بالاقتصاد غير المرئى، أى الاقتصاد غير المكتوب فى دفاتر، أو اقتصاد «بير السلم»، لنعرف كم يكسب كل واحد فى هذا المجتمع بالضبط.

إن لديك أجهزة عديدة، رقابية ومحاسبية بل وأمنية، شُغلتها جمع البيانات، ولديك خريجون عاطلون درسوا الإحصاء والمحاسبة، يسدون عين الشمس، فلماذا لا نجندهم فى مهمة قومية لضبط الدفاتر بشفافية تامة؟ وبناءً على تلك المعلومات تضع نظامًا ضريبيًا منضبطًا، فيدفع كل مواطن حق المجتمع عليه.

إن أمن هذا المجتمع وسلامته، لن يتحققا إلا بإعادة توزيع دخل الأمة بالعدل، وساعتها لن تضطر إلى نزع اللقمة من فم الموظفين الغلابة، لخفض عجز الموازنة، أما الاستسهال، واللجوء إلى الخصم من المنبع، فلن يقودنا إلا إلى المزيد من التوتر والألم والاحتقان.

لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات

رابط دائم: