رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

على‭ ‬محطة‭ ‬القطار

سكينة فؤاد
ضبطت‭ ‬نفسها‭ ‬كثيرا‭ ‬متلبسة‭ ‬بالنية‭ ‬فى‭ ‬عدم‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭ ‬الأخير‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تعرف‭ ‬جيدا‭ ‬أنها‭ ‬لابد‭ ‬ستركبه‭.. ‬فمثلها‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬البشر‭ ‬يولدون‭ ‬وفى‭ ‬يدهم‭ ‬تذكرة‭ ‬القطار‭.. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحب‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬المحطة‭ ‬ليس‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬الركوب‭ ‬المحتوم‭

‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬عاشقة‭ ‬للحياة‭ ‬ولمكونات‭ ‬الأرض‭ ‬التى‭ ‬تنتمى‭ ‬إليها‭.. ‬وكل‭ ‬حبة‭ ‬رمال‭ ‬فيها‭ ‬وكل‭ ‬نقطة‭ ‬مياه‭ ‬تجرى‭ ‬فى‭ ‬نيلها‭ ‬وبحارها‭ ‬وبحيراتها‭.. ‬نحس‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬ولد‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬بلادها‭.. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬فوق‭ ‬أرضها‭ ‬يحكى‭ ‬حكاياتها‭.. ‬أشجارها‭ ‬وطيورها‭ ‬وبشرها‭ ‬المبدع‭.. ‬أحبت‭ ‬عبقرية‭ ‬سيد‭ ‬درويش‭ ‬واستلهامه‭ ‬مجاميع‭ ‬وغناء‭ ‬البنائين‭ ‬والعمال‭ ‬والفلاحين،،‭ ‬وأشعار‭ ‬صلاح‭ ‬جاهين‭.. ‬واستخدمت‭ ‬فى‭ ‬رسومها‭ ‬المتواضعة‭ ‬أربعة‭ ‬ألوان‭ ‬ـ‭ ‬الأزرق‭ ‬والأخضر‭ ‬والبنى‭ ‬بجميع‭ ‬درجاتهم‭ ‬والأبيض‭ ‬ـ‭ ‬ألوان‭ ‬السماء‭ ‬والبحر‭ ‬والنهر‭ ‬والزرع‭ ‬والأرض‭ ‬والنفوس‭ ‬البسيطة‭ ‬الطيبة‭ ‬الذين‭ ‬تعلمت‭ ‬عليهم‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬معلمة‭ ‬وتخصصت‭ ‬فى‭ ‬فن‭ ‬الحكى‭ ‬والحوار‭ ‬ومدت‭ ‬بهم‭ ‬جسورا‭ ‬مع‭ ‬آلاف‭ ‬الطلبة‭ ‬والطالبات‭ ‬الذين‭ ‬تعلموا‭ ‬على‭ ‬يديها‭.. ‬كيف‭ ‬تبنى‭ ‬الحكاية‭ ‬وكيف‭ ‬يصنع‭ ‬الأبطال‭ ‬والبطولات‭.. ‬حكايات‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬تشاركت‭ ‬مع‭ ‬طلبتها‭ ‬فى‭ ‬هدم‭ ‬أساطير‭ ‬تأليه‭ ‬الملوك‭ ‬والحكام‭ ‬ـ‭ ‬وأعادت‭ ‬معهم‭ ‬استخراج‭ ‬الجواهر‭ ‬الخافية‭ ‬للبطولات‭ ‬الشعبية‭.. ‬أصبحت‭ ‬متعة‭ ‬طلابها‭ ‬وطالباتها‭ ‬أن‭ ‬يمارسوا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محاضراتها‭ ‬والحوارات‭ ‬معها‭ ‬فنون‭ «‬تكلم‭ ‬لأراك»‬‭ ‬تكلم‭ ‬لأتعرف‭ ‬إليك‭.. ‬تكلم‭ ‬لأسافر‭ ‬إلى‭ ‬عالمك‭.. ‬تكلم‭ ‬لأرى‭ ‬ملامحك‭ ‬الحقيقية‭ ‬ـ‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬خارجنا‭ ‬أقنعة‭ ‬تخفى‭ ‬وراءها‭ ‬إما‭ ‬جواهر‭ ‬نادرة‭ ‬أو‭ ‬قشورا‭ ‬زائفة‭.. ‬وادعاءات‭ ‬كاذبة‭.. ‬وكتبت‭ ‬كثيرا‭ ‬حول‭ ‬فنون‭ ‬وإبداع‭ ‬التواصل‭ ‬والتعبير‭ ‬والبيان‭ ‬وفتح‭ ‬طاقات‭ ‬العقل‭ ‬والروح‭ ‬ونوافذ‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬خلالهم‭ ‬لتطل‭ ‬شموس‭ ‬الداخل‭ ‬وتتلاقى‭ ‬وتتفاعل‭ ‬مع‭ ‬شموس‭ ‬الخارج‭.‬

أحب‭ ‬مؤلفاتها‭ ‬لها‭ ‬كان‭ ‬عن‭ ‬جداتها‭ ‬وتاريخهن‭ ‬مع‭ ‬الحكى‭ ‬وكيف‭ ‬تواصلت‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جدائل‭ ‬حكى‭ ‬الجدات‭ ‬التى‭ ‬تناقلتها‭ ‬الحفيدات‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬جدتها‭ ‬الكبرى‭ ‬إيزيس‭ ‬ـ‭ ‬وآمنت‭ ‬أن‭ ‬تراتيل‭ ‬وحكى‭ ‬جدتها‭ ‬هى‭ ‬التى‭ ‬ردت‭ ‬الحياة‭ ‬فى‭ ‬جسد‭ ‬ايزوريس‭ ‬ـ‭ ‬وأنها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحكاية‭ ‬حملت‭ ‬منه‭ ‬فى‭ ‬ابنهم‭ ‬حورس‭ ‬ليكون‭ ‬حكاية‭ ‬الخلود‭ ‬الممتدة‭ ‬بانتصار‭ ‬الخير‭ ‬على‭ ‬الشر‭ ‬فى‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬ونفوس‭ ‬المصريين‭.‬

جرى‭ ‬العمر‭ ‬منها‭ ‬فوق‭ ‬سطور‭ ‬الحكايات‭.. ‬تعلم‭ ‬وتتعلم‭ ‬وتحكى‭ ‬وتستمع‭ ‬وتحاور‭ ‬وتلقى‭ ‬محاضراتها‭ ‬وتتلقى‭ ‬وتتواصل‭ ‬وتتحكم‭ ‬فى‭ ‬مسابقات‭ ‬تأليف‭ ‬وحكى‭ ‬وتواصل‭.. ‬ودائما‭.. ‬دائما‭ ‬تحلق‭ ‬بأجنحة‭ ‬الكلمات‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬من‭ ‬الرحابة‭ ‬والمتعة‭ ‬والخيال‭.‬

متى‭ ‬بدأت‭ ‬تنتبه‭ ‬إلى‭ ‬مخاض‭ ‬عالم‭ ‬غريب‭ ‬يحدث‭ ‬حولها‭.. ‬عالم‭ ‬تحكمه‭ ‬الأجهزة‭ ‬والأزرار‭.. ‬الكل‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتواصل‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬جهازه‭.. ‬كأن‭ ‬الصمت‭ ‬أصبح‭ ‬شريعة‭ ‬للعالم‭ ‬الجديد‭ ‬الذى‭ ‬تحكمه‭ ‬أجهزة‭ ‬تختلف‭ ‬أحجامها‭ ‬وتتفق‭ ‬تقنياتها‭ ‬فى‭ ‬سيطرة‭ ‬لغة‭ ‬الأزرار‭ ‬وحيل‭ ‬وبدع‭ ‬الاتصال‭ ‬بها‭ ‬والسباقات‭ ‬التى‭ ‬لاتتوقف‭ ‬لمضاعفة‭ ‬امكاناتها‭ ‬وقدراتها‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬والتحكم‭ ‬وإلى‭ ‬درجات‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الادمان‭ ‬وصناعة‭ ‬حيوات‭ ‬وعلاقات‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬خلالها‭.. ‬فى‭ ‬المقابل‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬الانسانى‭ ‬تخفت‭ ‬وتكاد‭ ‬تنقطع‭ ‬أنفاسها‭.. ‬وجدائل‭ ‬الحوارات‭ ‬الانسانية‭ ‬تتفكك‭.. ‬نسمعهم‭ ‬يقولون‭ ‬إنه‭ ‬كلما‭ ‬قصرت‭ ‬وقلت‭ ‬واختصرت‭ ‬كلمات‭ ‬الرسالة‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭.‬

الصدمة‭ ‬الأولى‭ ‬ألزمتها‭ ‬الصمت‭.. ‬لم‭ ‬تستسلم‭ ‬للفشل‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تتعلم‭.. ‬بضيق‭ ‬الصدر‭ ‬الذى‭ ‬تحس‭ ‬دائما‭ ‬عندما‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تشق‭ ‬طريقا‭ ‬لها‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬وتنطق‭ ‬وتكتب‭ ‬بالأزرار‭.. ‬الأطفال‭ ‬يفعلونها‭ ‬بالسهولة‭ ‬والسرعة‭ ‬التى‭ ‬تعلمت‭ ‬هى‭ ‬بها‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬الأوراق‭.. ‬وفى‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬تبذلها‭ ‬لتتقن‭ ‬الحوارات‭ ‬الصامتة‭ ‬تتعثر‭ ‬وتصطدم‭ ‬دائما‭ ‬بنفاد‭ ‬الرصيد‭.‬

إشكاليات‭ ‬كثيرة‭ ‬وقعت‭ ‬فيها‭ ‬لرسائل‭ ‬تلقتها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفهمها‭ ‬وردت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتقن‭ ‬الارسال‭.. ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬تعجز‭ ‬عنه‭ ‬تماما‭.. ‬أو‭ ‬تجد‭ ‬ضحالة‭ ‬لم‭ ‬تتعودها‭ ‬أو‭ ‬أفكارا‭ ‬لا‭ ‬تفهمها‭.. ‬بدأت‭ ‬تشم‭ ‬روائح‭ ‬احتراق‭ ‬أعصابها‭.. ‬وأعراض‭ ‬غربتها‭.. ‬كلما‭ ‬جلست‭ ‬فى‭ ‬مكان‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬جهازها‭.. ‬احتجاج‭ ‬بعدها‭ ‬يملأ‭ ‬عيونها‭ ‬دائما‭ ‬بالدموع‭ ‬كلما‭ ‬اخترقها‭ ‬ضوء‭ ‬الجهاز‭ ‬ـ‭ ‬اكتشفت‭ ‬أحيانا‭ ‬أن‭ ‬الجالسين‭ ‬فى‭ ‬الدائرة‭ ‬الواحدة‭ ‬قد‭ ‬يفضلون‭ ‬تبادل‭ ‬الحوار‭ ‬عبر‭ ‬الرسائل‭.. ‬لاتعرف‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬محض‭ ‬خيال‭ ‬أم‭ ‬غضب‭ ‬ورفض‭ ‬أم‭ ‬ما‭ ‬تراه‭ ‬حقيقيا‭ ‬يحدث‭ ‬أمامها‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يضعون‭ ‬وجوههم‭ ‬داخل‭ ‬الأجهزة‭ ‬المضيئة‭ ‬انعكست‭ ‬أضواؤها‭ ‬والتصقت‭ ‬بوجوههم‭.. ‬كادت‭ ‬تجن‭ ‬فالأمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬وجوه‭ ‬تربعت‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬شاشات‭ ‬مضيئة‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬متواصلين‭ ‬مع‭ ‬تاريخ‭ ‬أو‭ ‬جغرافيا‭.. ‬وكأن‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬يصنعون‭ ‬لهم‭ ‬تاريخا‭ ‬وجغرافيا‭ ‬جديدة‭ ‬ويملون‭ ‬عليهم‭ ‬ما‭ ‬يقتلع‭ ‬جذورهم‭ ‬وثوابتهم‭..‬

فى‭ ‬محاضرة‭ ‬عامة‭ ‬لاتعرف‭ ‬من‭ ‬تذكرها‭ ‬ودعاها‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬تذكرها‭ ‬وتذكر‭ ‬ما‭ ‬قدمت‭ ‬للأجيال‭.. ‬بدأت‭ ‬تحكى‭ ‬عن‭ ‬جدائل‭ ‬الكلمات‭ ‬وجسور‭ ‬التواصل‭ ‬عبر‭ ‬الحكى‭ ‬والحكايات‭ ‬وفنون‭ ‬‮»‬تكلم‭ ‬لأراك‮«‬‭ ‬تكلم‭ ‬لأتعرف‭ ‬إليك‭.. ‬تكلم‭ ‬لأسافر‭ ‬إليك‭ ‬وإلى‭ ‬عالمك‭.. ‬تكلم‭ ‬لأرى‭ ‬ملامحك‭ ‬الحقيقية‭.‬

سمعت‭ ‬همسات‭.. ‬وتخيلت‭ ‬صوت‭ ‬ضحكات‭ ‬مكتومة‭.. ‬ونبهها‭ ‬مدير‭ ‬الحوار‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الندوة‭ ‬عن‭ ‬أحدث‭ ‬تقنيات‭ ‬الاتصال‭..‬

سألت‭ ‬هل‭ ‬الأحدث‭ ‬ينفى‭ ‬التاريخ‭ ‬وإنسانية‭ ‬الإنسان‭.. ‬شبه‭ ‬اضطراب‭ ‬بدأ‭ ‬يحدث‭ ‬فى‭ ‬القاعة‭ ‬كاد‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬توجه‭ ‬به‭ ‬إليها‭ ‬مدير‭ ‬الحوار‭ ‬شاكرا‭ ‬وطالبا‭ ‬بأدب‭ ‬شديد‭ ‬أن‭ ‬تختتم‭ ‬مداخلها‭ ‬لانتهاء‭ ‬الزمن‭ ‬المقرر‭ ‬لها‭.‬

على‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭ ‬الأخير‭.. ‬ذهبت‭ ‬تتأكد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬وهى‭ ‬غائبة‭.. ‬فلعله‭ ‬ينقلها‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬فيه‭ ‬أمان‭ ‬واتصال‭ ‬وبشر‭ ‬مازالوا‭ ‬يتوادون‭ ‬ويتراحمون‭ ‬ويتواصلون‭ ‬دون‭ ‬أزرار‭.‬

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق