رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المصريون.. وترويض اليأس

لا تكاد تلقى إنسانًا فى بر مصر هذه الأيام، إلا وتراه يشكو لك، من أنه لا يرغب فى الاستيقاظ من النوم إذا نام. سيقول

لك: «يا أخى الواحد لا يريد أن يصحو من النوم!». فإن سألته: ولماذا يا صاحبى؟ رد عليك بأن المشكلات والهموم تحاصره من كل جانب.. فهل نحن معنا الحق فى هذا الإحساس.. أم ترانا نبالغ قليلًا؟

ولعلك إذا ما تتبعت تعليقات وكتابات الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعى، مثل الفيس بوك، وتويتر، وإنستجرام، وغيرها، فإنك لا شك واجد، أن غالبيتها يميل نحو القنوط، والتشاؤم، والنظر إلى الجانب الفارغ من الكوب. بل وستفاجأ بأن مثقفين كبارًا جدًا قد جنحوا إلى المنحى نفسه فى التفكير، وصاروا يرددون أن حياتهم مرت هباءً، وأن ما قدموه عبر حياتهم المليئة بالعطاء، لم يلق التقدير الكافى.

فإن اتجهت إلى الشباب، فحدّث ولا حرج. ولا يمكنك أن تلومهم، إذ لا وظائف، ولا شقق، ولا زواج، فيلجأ الكثيرون منهم إلى الغرق فى وهم الهروب من البلد، والذى هو حلم بعيد المنال، إن لم يك مستحيلًا، نظرًا لأسباب عديدة، ليس أقلها أن هذا الخارج هو نفسه الذى لن يريدك، وإن هو تنازل ورغب فيك، فسوف يذيقك أشد العذاب.. واسأل من سبقوك، فركبوا البحر، وسافروا !

فلماذا يا ترى هذا الإحساس البغيض؟ هناك مليون سبب وسبب، وعلى الرأس منها، المناخ العام السائد فى المجتمع، وإشاعة دوامات من العدمية واللاجدوى والتيئيس، وهو مناخ قد يكون متعمّدًا من البعض، لكنه أيضًا نتاج لظروف موضوعية صعبة بالمجتمع، ويجب ألا ننكر ذلك.

أحد الأسباب المهمة كذلك، تلك الأوضاع الاقتصادية، التى فرضت على المصريين فرضًا، بفعل سياسات ساذجة عقيمة فى الماضى، ويتحملها القائمون على أمور البلد الآن، وهم منها براء، وإن كانوا مطالبين – بحكم توليهم المسئولية- بإيجاد الحلول، وإلا فمن يجدها غيرهم؟

سبب آخر، ربما لا يلتفت إليه الكثيرون، هو زيادة وعى الجماهير العريضة بما يحيط بهم، جراء انتشار المعلومات- الصادق منها والكاذب- كانتشار الجراد فى الأرض البكر، مما زاد من حدة الإحساس بالألم. ولا مفر من التذكير بما يعرفه الجميع، من أن العالم أصبح قرية صغيرة، وغير ذلك من الكلام المعاد المحفوظ عن ظهر قلب، ومن ثم فإن ما تخبئه سيادتك الآن، سوف يفضحه آخرون رغمًا عنك بعد دقائق.

أيضًا، هناك ما يسمى بثورة التوقعات، حيث لم يعد المواطن يكتفى بالحد الأدنى من الحياة، كما كان أجداده فى الماضى، فيحمد الله على الفقر والحشمة، ويذهب لإكمال عشائه نومًا، بل صار يسعى دائمًا إلى المزيد. ولا تستطيع سيادتك طبعًا أن تلومه، بينما أنت كل يوم تحدثه عن الفيلًا أم ثلاث حدائق، وعن الكومباوند الذى فى التجمع، والذى يفوق فى حلاوته حلاوة مانهاتن، ويغص بأجمل النساء، أوعن الزبادى الملوّن، الذى يبلغ ثمن العلبة الواحدة منه، شيئًا وشويّات!

أجدادنا كانوا فى السابق، يقنعون بالقول الحكيم « اللى ما معاهوش ما يلزموش»، أما اليوم فقد زاد أحفادهم على المثل القديم، سؤالًا خفيفًا على اللسان، ثقيلًا على القلب، يقول: «وما معاييش ليه»؟

على كل حال، إذا كانت هذه هى الحال، فهل إصلاح الأحوال، وبلوغ الآمال، بات من المحال؟ أبدًا، فهناك خماسية من الحلول، قدمها لنا الفيلسوف الإنجليزى الراحل برتراند راسل (المتوفى عن 98 عاما فى عام 1970)، وتتلخص فى؛ الدين، والأسرة، والعمل، والصحة، والمال، وهى الخماسية التى اعتبرها الفيلسوف الكبير « مفاتيح سعادة الإنسان فى هذه الحياة».

فلو رحنا للدين، فنحن المصريين لا ينقصنا التدين، وكنا أول من فطن إلى علاقة الإنسان الوثيقة بالسماء، قبل آلاف السنين، ومن ثم فإن الرجوع إلى القيم الدينية الحقيقية، بعيدًا عن الشكليات، سيكون بمثابة طوق النجاة لكثير من النفوس الحائرة. ولدينا كمصريين- مسلمين ومسيحيين- ذخيرة لا تنفد من الإيمان بقدرة الله الخالق على إزالة الهم والغم وضيق النفس، وبأن مع العسر- دائمًا- يسرًا.

وفيما يتعلق بالأسرة، فإن الغالبية منا، والحمد لله، تعيش وسط أسر متماسكة مترابطة، إلا فيما ندر، وبالتالى فإن علينا إعادة منجم السعادة المخبوء، والذى توفره لنا الأسرة من آباء وأمهات وأبناء وأحفاد، وأن نسعى بكل السبل إلى إعادة تلك الروابط بقدر الإمكان، وعدم التفريط فى تلك الوشائج، بحجة الانهماك فى العمل، أو فى التسمر أمام شاشات التلفاز والمحمول.

وبالنسبة للصحة، فإن الأصحاء منا، عليهم دائمًا أن يحمدوا الله على القدر المتوافر منها لديهم، والإحساس بالسعادة لهذا القدر، وحبذا لو أن الواحد منا نظر إلى المحرومين منها، ليعرف مدى المنحة النفيسة الممنوحة من الله لهم، والتى لا تقدر بمال. وليتنا نحافظ عما بين أيدينا من هذا الكنز.

فإذا اتجهنا إلى العمل، فسوف نجد أن البعض، ممن أفاء الله عليهم بمهنة أو وظيفة أو فرصة عمل، يستهزئون بها، ويهملون فى تطوير مهاراتهم فيها، بحجة أن « يا عم.. ما فيش فايدة.. وكله محصّل بعضه»، مع أن أمامنا الكثير من النماذج، التى بسبب تركيزهم فى أعمالهم، حققوا المزيد من الربح، والكثير من السعادة، فليتنا نجعل من أعمالنا رافدًا من روافد السعادة، بعيدًا عن دعاوى اليأس والإحباط.

..ويبقى المال.. وهنا نعود إلى المفتاح الأول» الدين»، فنسأل: أليس المال رزقًا مكتوبًا.. ولا حيلة فى الرزق؟ فلماذا إذن « قلبة الدماغ»؟ .. إن الحياة حلوة.. فليتنا نكف عن الخوف والإحباط.. ونبدأ الحياة !

لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: