رئيس مجلس الادارة
أحمد السيد النجار
رئيس التحرير
محمد عبد الهادي علام
. ولو أنك دخلت على جوجل، أو موسوعة ويكيبيديا، لوجدت أن بطاقة هوية الدولة، تتضمن اسمها، وعاصمتها، ومساحتها، وعدد سكانها، وموقعها الجغرافى، ولون العَلَم بها.. وأيضاً عملتها، التي تسميها الموسوعات العملة الوطنية. إذن، فالعملة هى وطن، أو هى رمز للوطن، وبالنسبة لنا- نحن المصريين- فإن عملتنا هى الجنيه، الذي عومناه مؤخراً، ولا نعرف إن كان سيمكنه العوم بمهارة في بحر العملات الهادر، أم أنه لا سمح الله، سيظل يبلبط، ويضبش، ويهوبص، في محاولة للوصول إلى بر الأمان. عملة الأمة هى جزء من عزتها، وكرامتها، ومصدر فخارها. وإن شئت فاذهب إلى أي دولة من دول العالم المتقدم، وانظر كيف يحترمون عملتهم، ويتفننون في رسم شكلها، واختيار ألوانها، والحفاظ على نظافتها وبهائها، وإياك إياك أن تهين عملة قوم فى حضورهم. وقديماً، فى مصر، عندما كان بائع أو تاجر، يتلقى منك جنيهاً اشتريت به شيئاً ما، كنت ستراه ينظر إليه بهيام وعشق وإجلال، ويسارع إلى تقبيله قبلتين، ويلمس به جبينه مرتين، ثم – كالبرق- يقوم على الفور بدسه فى جيبه، كى يحميه من أعين الحاسدين، بل وقد تسمعه يتمتم: «اللهم أدمها نعمة يا رب واحفظها من الزوال». يومها، كان الجنيه سيداً «ملو هدومه»، مما دفع سيداً آخر، هو الخالد سيد درويش، للاحتفاء به، والتغنى له، فقال: (عمّك سيد/ سيد ليه/ كل ما يمشى يلاقى جنيه/ يعمل إيه؟/ زى البرق يدسه فى جيبه/ طب ما يجيبه/ وياخد بيه). وهكذا كانت سيادة عم السيد نابعة من كونه لاقى سيداً أخر، هو الجنيه! أما اليوم، فإنك لو ارتديت بيجامتك- إن كانت مازالت عندك بيجامة – وكان للبيجامة جيبان، أحدهما على اليسار، والآخر على اليمين، وأراد الله تعالى أن يرزقك بجنيه فألقيته بالجيب الأيمن، وبدولار أمريكى، فوضعته فى الجيب الأيسر.. فماذا تراك فاعلاً؟ إنك حتماً ولابد، ستظل تلمس جيبك الأيسر( الذي يحتضن الدولار)، بمنتهى الحب والحنان، جيئة وذهاباً، وقد تتلفت حواليك مرة أو مرتين، لتطمئن إلى أن أحدا لا يرى دولارك الميمون، بينما الجنيه المسكين سيبقى قابعاً مكرمشاً مضعضعا، فى ركن الجيب الأيمن، يذرف الدمع، ويشكو الإهمال، حيث إن سيادتك لم تتفضل عليه ولو بلمسة حانية واحدة.. وكيف تلمسه ولديك السيد المطاع، عم الكل، الأخضر اللامع.. الدولار؟ لسان حال جنيهنا اليوم، عبّر عنه، سيد ثالث( هو شيخ الملحنين ومطرب المطربين الراحل سيد مكاوى.. رحمة الله عليه).. فقال: «قبل ما ترمينى في بحورك.. موش كنت تعلمنى العوم؟» بعيداً عن الغناء، يقول الاقتصاديون، إن العملة( أي عملة)، هى مخزن للقيمة. بمعنى أن حضرتك لو أن عندك مليون جنيه ( وهو المستحيل بعينه!).. فإن أوراق النقد في ذاتها لا تعنى شيئاً، وإنما قيمتها تكمن فى ما ستوفره لك من سلع وخدمات. صح؟ طيب إذا كانت هذه المليون السحرية لن توفر لك شيئاً، بينما المليون دولار ستجلب لك كل شىء.. فلمن سيكون انتماؤك؟ طبعاً للأخضر المهاب.. عمّنا الدولار.. صح ولّا لأ؟ فإذا استيقظنا كل يوم لنجد عملتنا ضعيفة عاجزة، فكيف تطالبنى ساعتها بأن أحترمها؟ ستسأل: وهل من الضرورى أن أحترمها؟ آآآآآه.. هنا نعود إلى بداية المقال. ألم نتفق على أن احترام العملة هو من احترام الهوية الوطنية، ومن ثم الانتماء للوطن؟ فإذا كان ذلك كذلك، فيكون من الضرورى- ونحن نفكر فى خفض قيمة العملة الوطنية- أن ندرس التأثير النفسى على الناس من هذا الخفض.. وليس فقط فى الأثر الاقتصادى. نعم.. خفض قيمة الجنيه- من الناحية الاقتصادية- مطلوب، لأنه أولاً، يخفض سعر صادراتك أمام صادرات الآخرين، وبالتالى سيقبل الآخرون على منتجاتك، فتبيع أكثر، وتكسب أكثر. ونعم، سيقبل عليك، ثانياً، المزيد من المستثمرين، لأن عائداتهم ستزيد، حيث أن دولاراتهم القليلة، التى أتوا بها معهم، ستجعلهم يجنون جنيهات كثيرة، ومن ثم يتوسعون فى مشروعاتهم داخل اقتصادك القومى، أكثر وأكثر. وثالثا.. سيأتى السائحون عندك- بالهبل- ( قل يا رب)، لأن دولاراتهم القليلة سيأخذون بها جنيهات كثيرة منك، عندما يحولونها، وسوف يحصلون بهذه الجنيهات على خدمات سياحية أكثر.. وبالتالي ينفقون أكثر، فيستفيد العاملون بالسياحة، وتدورعجلة الاقتصاد.. وكل ذلك مطلوب ومنطقى.. ولكن ( ويا خوفى من ولكن هذه!). ماذا لو أننا، بعد كل تلك المكاسب وغيرها، صحونا (بعدما زال الرحيق، على رأى أم كلثوم)، فإذا بهذه الجنيهات التى حصلنا عليها- سواء من الاستثمارات، أو من الصادرات، أو من السياحة- لم تشتر لنا شيئا، نظراً لارتفاع الأسعار بصورة جنونية وزيادة التضخم؟ ساعتها لن يكون لكل هذه المكاسب الاقتصادية أى معنى. وآنئذِ، سينظر الواحد منا إلى عملته الوطنية ( التى هى لا مؤاخذة الجنيه).. ويهمس له بغضب: كنت فين لما بهدلونى؟ أمّا إنك شراب أستك منه فيه صحيح ( على رأى سعيد صالح!). يا سادة.. هناك رموز عديدة، يستمد منها المواطن إحساسه بالعزة والفخر والكرامة القومية والانتماء، مثل جيشها الوطنى، ونشيدها الوطنى، ومنتخبها الوطنى( الذى نتمنى أن يفوز فى مباراته المقبلة بعد أيام فى تصفيات كأس العالم)، وأيضاً عملتها الوطنية.. ويجب أن يكون ذلك حاضراً فى أذهان صانعى القرار.. حتى لو كانت المكاسب الاقتصادية مغرية جدا.. لأن فى الخضوع للإغراء ما يسبب الضرر أحياناً ! لمزيد من مقالات سمير الشحات