رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فى أصول المسألة الصحفية !

وقت كتابة هذا المقال بدت أزمة نقابة الصحفيين مع وزارة الداخلية فى طريقها إلى الخفوت، ربما لأن مجلس النواب قرر التدخل،

ومن الجائز أن قدرا من التواضع جرى للجماعة الصحفية خوفا من الانقسام إلى جماعتى المسار والأخرى تصحيح المسار، أو أن الدولة وجدت أن التهدئة أفضل كثيرا من تصعيد يثير غبارا فوق ما هو مثار من عواصف ترابية فى الداخل والخارج، وليس بعيدا عن الحسبان أن حادث حلوان ومقتل ثمانية من الشرطة، وما تبعه من سلسلة الحرائق المخيفة قد نبه الجميع إلى ما هو أخطر على سلامة الجميع. هل نقول إن أزمة أخرى قد أصبحت خلفنا، وما علينا الآن إلا مواجهة ما استجد؟، لا أظن أن ذلك هو الحال، لأن الأزمة التى حدثت ومهما تكن تفاصيلها هى مجرد عرَض لأزمات هيكلية عميقة تفرز نارا ملتهبة تحت الرماد تنتظر مناسبة أخري، فنجد انفجارا آخر.

الأزمة الهيكلية الأولى هى أن الصحافة المطبوعة تعانى تدهورا مستمرا فى القبول من الجمهور، ومن ثم التوزيع، ومن فوقه الإعلانات بالطبيعة طيلة العقد ونصف العقد الماضيين، وبعد أن كان إجمالى توزيع الصحف، قومية وغير قومية، نحو 3٫5 مليون نسخة فى مطلع الألفية، فإنها الآن تتراوح حول رقم المليون رغم أن عدد سكان مصر زادوا بما يزيد على 20 مليون نسمة. هناك بالطبع بعض الاستثناءات لذلك سواء ارتفاعا أو انخفاضا، ولكنها كانت استثناءات فى فترات زمنية قصيرة، وكانت بعدها الأمور تعود إلى سوابقها التعيسة. مثل ذلك يوجد حالة من الإحباط العام فى الصحافة عامة، وفى نقابتها خاصة، بعد أن بات من أعضائها من لا ينتمون إلى صحف أو أنهم ينتمون إلى صحف لا يجدون فيها مكانا للكتابة أو العمل. هذه الظاهرة ليست مصرية، ولكنها عالمية فى جوهرها، والاختلاف هو أنه فى خارج مصر جرى الاعتراف بالحقيقة المرة، أما فى مصر فإن الاعتراف لا يحدث عادة إلا بعد فوات الأوان.الأزمة الهيكلية الثانية أن الصحافة والصحفيين فى مصر تداخلوا مع الإعلام بكل جوانبه «الصحفية» أيضا والتليفزيونية والإعلانية، مع قدر غير قليل من «البزنس»، مثل هذه الحالة أوجدت تناقضا موضوعيا كبيرا، فى جانب منه أن نقابة الصحفيين رفضت دوما أن يدخلها الإعلاميون، وتعرفهم بأنهم العاملون فى مجال التليفزيون.. هؤلاء الذين يتعاملون مع الخبر والتحقيقات الاستقصائية والمقابلات الصحفية تحت اسم «التوك شو»، ولكن الفارق هو فى الصوت والصورة، وبالألوان أيضا. لم تعد صحافة «الشمال» تعنى الصحف القومية، و«صحف «الجنوب» هى كل ما كان صحافة خارج الصحف القومية، وإنما أصبح الأولون نوعية جديدة من الصحفيين والمعدين الهجين بين أشكال عديدة من العمل الصحفي، وأصبح الآخرون، وهم من استمروا داخل الصحافة الورقية، تتراوح مشاعرهم ما بين إحباط الواقع، وتمنيات المستقبل، وزاد من عمق الفجوة، والصلة فى الوقت نفسه، أن الأجور فى الصحافة الإعلامية زادت بشدة على تلك الجارية فى الصحافة المطبوعة، وربما لأول مرة فى تاريخ الصحافة المصرية أنها عرفت صحفيين يحصلون على الملايين بينما آخرون استقروا داخل الفئة التى تنتظر منح رمضان والعيد وعيد العمال ودخول المدارس أو حتى ما يأتى من النقابة كنوع من العلاوة التكنولوجية.

الأزمة الهيكلية الثالثة جاءت عندما لم يتحول المثقف فى عمومه فقط لكى يكون ناشطا سياسيا، وإنما لأن الصحفى والإعلامى خلعا عن نفسيهما صفة السعى نحو إدراك «الحقيقة»، وبدلا منها أخذا صفة «الداعية السياسي» الذى يشارك الداعية الدينى محاولة امتلاك الحقيقة. مثل ذلك ليس جديدا كل الجدة، فقد عرفت الصحافة المصرية من قبل اليمين واليسار وما بينهما من أهل السلطة والمعارضة، والموالاة والمانعة، ولكن ذلك كان من خلال ما هو معروف بصحافة الرأي، وما عدا ذلك فهو فى إطار البحث والاستقصاء وعرض آراء الآخرين فى الأحزاب والمؤسسات وأهل الخبرة. «الداعية» فى الكتابة والصوت والصورة صار نوعا آخر من الناحية المهنية والمالية بالطبع، فهو يحاول امتلاك القدرة على جذب المستمعين أو المشاهدين، وفى أحيان كثيرة القراء أيضا، فى اتجاه منهج ورؤية سياسية بعينها. والغريب أنه فى معظم الأحيان سوف يشكو هؤلاء دوما من غياب «السياسة» فى البلاد.. أصبح «الشو» هو الحقيقة الجديدة فى العالم الصحفى فى جميع أشكاله وتعبيراته، ولا يوجد «شو» قدر الصوت السياسى الحارق فى أى اتجاه، الحكم أو المعارضة. الأزمة الهيكلية الرابعة أن عهد الثورات وسع بشدة دائرة الإعلام والصحافة فى بلادنا، أصبحت الكلمات والصورة حادة وحريفة وزاعقة وضاغطة، وفيها أدوات إلكترونية تقسم البلد كلها إلى عالمين فى القراءة والكتابة: عالم ما فوق سن الخمسين، حيث الغالبية لا تعرف الكثير عن الـ «فيس بوك» و«تويتر» وما تبعهما من وسائل ووسائط؛ وهؤلاء الذين هم دون عتبات الخمسين، ويدخلون ويخرجون إلى هذا العالم بدرجات مختلفة من الحماس والتعصب سواء فى السياسة أو فى كرة القدم أو الدين أو أى من الموضوعات حساسة كانت أو حرجة. الصحفى باختصار لم يعد بالضرورة صحفيا، إنما أصبح نوعية جديدة من الكتاب والمدونين، وذلك من ناحية منافس كبير لأهل المهنة، ولكنه يحسب عليها ويزعج السلطة السياسية. هنا نصل إلى الأزمة الهيكلية الخامسة فى علاقة السلطة السياسية (تنفيذية أو تشريعية أو قضائية) بالصحافة والإعلام، فكما هو حال كل سلطة، فإن الصحافة والإعلام يمكن تحميلهما دوما ذنوب فشل التواصل والوصول إلى عقول الناس وقلوبهم، ولكن من ناحية أخرى فإن هناك تلك الحالة من الحيرة المزمنة لسلطة تمتلك من الأدوات الصحفية والإعلامية ما يسد وجه الشمس من قنوات تليفزيونية ومحطات إذاعية ومؤسسات صحفية قومية، ومع ذلك فإن الشكوى دائمة، لأنه لا أحد يهتم بما يجرى من منجزات، وعلى العكس فإن هناك فيما ينشر ويذاع ما يدعو إلى الإحباط واليأس. النتيجة أصبحت باعثة على الاستغراب الشديد، فالسياسى بات يحاول دون استعداد أو تدريب، أن يكون إعلاميا، بينما الإعلامي، كان قد ترك مكانه منذ فترة لكى يكون سياسيا، يحكم على السياسات لكى تزال وعلى الوزراء والمحافظين لكى يقالوا.

اختلطت الأوراق والأدوار هكذا، فصارت هناك أزمة هيكلية سادسة تأخذنا من منظومة «السياسى والإعلامي» إلى إشكالية دولة بكاملها دخلت عصرا من الثورات المتشابكة، وربما آن الأوان بالعقل والحكمة والصبر الخروج منه.

لمزيد من مقالات د.عبد المنعم سعيد

رابط دائم: