رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المصريون يودعون الخديو إسماعيل بعد خلعه عن العرش

أمـــــل الـجــيـــــار
عزيزى القارئ .. عزيزى الباحث .. عزيزى المثقف .. هل جربت يوماً أن تقع فى عشق ورقة ، وثيقة قديمة أو حتى حديثة ، كتابات أو صور أو لوحات ؟ هل شعرت بشعور العشاق والمحبين تجاه وثيقة ؟ هل خفق قلبك عندما وقعت عيناك على ورقة أو صورة قديمة ؟ هل شعرت بهذا الشعور اللذيذ من السعادة عندما تحصل على ما تتمناه ،

وتمسك بين يديك ورقة قديمة فتشعر أن جزءا كبيرا من أحلامك تحقق وتظل تنظر لها بعشق وتقلبها برفق بين يديك وتشم رائحة التاريخ والحكايات فيها ، فيتبدى لك كل سحر الماضى وإثارته وحكاياته ؟ هل خبرت إحساس العاشق عندما تقع عيناه على من يحب ؟.

هذا بالضبط ما شعُرت به عندما وقعت عيناى على الوثيقة التى أعرضها اليوم وهى عبارة عن لوحة صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم الورقة العادية ومرسومة بالفحم أو بإستخدام الخطوط الرفيعة التى يطلق عليها Gravure وهى الطريقة التى كانت تُستخدم قبل انتشار التصوير الفوتوغرافى لتوثيق الأحداث المهمة فى مصر والعالم كله وكانت الجرائد والمجلات القديمة ترسل صحفييها ومعهم رسامون الى كل بقاع الأرض لمتابعة الأحداث وتوثيقها بمثل هذه الرسومات واللوحات ، ووثيقة هذا الأسبوع هى لوحة رائعة الجمال يرجع تاريخها الى أكثر من ١٣٧ عاماً وبالتحديد الى عام ١٨٧٩ وتصور مراسم وداع الخديو إسماعيل قبل مغادرته المحروسة بعد خلعه عن عرش مصر ، والحق يقال أننى قد وقعت فى غرام اللوحة بمجرد أن وقعت عيناى عليها على الإنترنت وأصبح همى الأول وشغلى الشاغل أن أشتريها وأحصل عليها بأى ثمن وبالفعل ظللت أتتبعها كما الصياد الذى يلاحق فريسته ، وبالفعل نجحت فى اصطيادها أو بتعبير أدق ( شرائها ) بعد الدخول فى مزاد عليها فى أحد المواقع المهتمة بالورق والوثائق القديمة ، وبعد أكثر من عشرين يوماً وصلت اللوحة التى دق لها قلبى مصحوبة بالسلامة ، وأخدت أقلبها بين يدى وأتشممها كما العاشقة لحبيبها فقد كانت تحمل بين خطوطها الكثير من الأسرار والحكايات عن الشخصية التاريخية التى أعشقها والتى يطربنى سماع الحكايات والأخبار عنها «أبو السباع» أو الخديو إسماعيل الباشا الذى حكم مصر من ١٨٦٣ الى ١٨٧٩ حينما تم إزاحته عن الأريكة الخديوية بعد أن تكالبت عليه الدول الكبرى بمطامعها الاستعمارية فى مصر وكبلته الديون بالإضافة لضعف الدولة العثمانية التى رضخت لمطالب هذه الدول فأصدر السلطان العثمانى عبد الحميد فرماناً بتنحية إسماعيل باشا حفيد محمد على عن عرش مصر فى ٢٦ يونية ١٨٧٩ وتولية ابنه الخديو توفيق الحكم ، وبالطبع لم يجد الباشا العظيم بداً من تنفيذ الفرمان السلطانى وقبل طواعية أن يترك العرش ويغادر مصر بكل هدوء ولم يسع لإثارة الشغب ولم يتمسك بحقه فى عرش البلاد بل غادر بكل هدوء مُجنباً المحروسة ويلات الانقسام والتشرذم ، وهو ما كتب عنه المؤرخون فى حكاياتهم وتوثيقهم للأحداث وكيف أنه تلقى فرمان التنحية ؟ وكيف غادر البلاد ؟ وهو ما وجدته بكل تفاصيله فى اللوحة النادرة التى أعرضها هذا الأسبوع والتى إشتريتها من موقع إيطالى حيث كانت اللوحة منشورة فى جريدة إيطالية وهو ما وجدته غريباً حيث أنه لم يكن من المعتاد نشر هذه الأخبار والصور فى الجرائد الإيطالية ، ولكن بعد القليل من التفكير وجدت الأمر منطقياً حيث اختار الخديو إسماعيل الإقامة فى إيطاليا بعد مغادرته مصر بعد تلقيه دعوة من الملك أمبرتو الذى خصص له فيلا فى إحدى ضواحى نابولى للإقامة بها فكان من المنطقى أن تتابع الجرائد هناك قصة الباشا الأسطورى الذى حضر للإقامة فى بلادهم .. أما اللوحة نفسها فمليئة بالحياة والتفاصيل فهى تصور الخديو إسماعيل وهو يقف أمام العربة الخديوية الأنيقة التى تحمل شعار الخديوية فى القطار المتجه من المحروسة الى الإسكندرية ليستقل المركب “ المحروسة “ فى طريقه الى منفاه الإختيارى بعدما رفض السلطان العثمانى أن يقيم فى الأستانة ، وفى اللوحة تفاصيل كثيرة مثل عناق إسماعيل لابنه توفيق الذى رافقة الى المحطة وبعض من كبار رجال الدولة بملابسهم الرسمية فى وداع الخديو وأحدهم يبكى ويمسح دموعه وبعض الأجانب بملابسهم الرسمية وبعض الوطنيين يلوحون للرجل الذى تبدو على ملامحه الحزن وهو ينظر اليهم كأنما يريد أن يوصيهم على المحروسة ، باختصار لوحة تحمل الكثير من التفاصيل والمشاعر الإنسانية الجميلة من حزن وعرفان بالجميل وحب ومرارة فراق .. لوحة خالدة جسدت ولخصت جزءا هاما من تاريخ مصر ..

ويقول إلياس الأيوبى عن هذه اللحظات الحزينة فى كتابه تاريخ مصر فى عهد الخديو إسماعيل باشا: إن إسماعيل ودع حريمه الباقيات الوداع الأخير ويقال إنه فى غضبهن على عدم إصطحاب سيدهن لهن كسرن عدة أوان ثمينة بلغ قيمتها ٨ آلاف جنيه ، ثم قام إسماعيل من سراى عابدين فى ساعات بعد الظهر الأولى من يوم ٣٠ يونيه صحبته المختارات من نسائه وجواريه وأولاده حسين وحسن وفؤاد الذى كان صبياً لم يتجاوز الحادية عشرة وكانت حاشيته قليلة إذ أظهر رغبته ألا يتخذ سفره شكلاً رسمياً فلم يكن فى المحطة فى انتظاره أحد من الدوائر الرسمية الأجنبية ولكن جمهور كثيف من الأهالى كان قد ازدحم حولها ليستجلى وجه أميره المسافر وبالخارج عربات تقل حريم الخديو الباقيات ، وعندما دانت ساعة السفر عانق إبنه توفيق ( الخديو الجديد ) عناقاً أخيراً وقال له “ كنت أود يا أعز البنين لو إستطعت أن أزيل بعض المصاعب التى قد توجب لك ارتباكاً ولكنى واثق بحزمك وعزمك فتوص بإخوتك وإتبع رأى ذوى شوراك وكن يا بنى أسعد حالاً من أبيك “ ثم التفت الى جمهور الحاضرين وقال “ أعهد بالخديو ابنى إلى ولائكم وإخلاصكم “ فقبل توفيق يد والده فكان المنظر مؤثراً للغاية ولم يستطع إلا القليل من الحضور منع بكائهم “

وبالفعل نجحت اللوحة الإيطالية فى تجسيد روعة مشاعر المصريين فى وداع مليكهم الذى أعتقد أن التاريخ لابد أن ينصفه يوماً ما .. والله على مصر زمان.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق