وأحكى اليوم بعض مشاهداتى الرمضانية، وأبدأ بما لاحظته قبل مجىء الشهر الكريم ببضعة أيام حينما مررت بأحد محلات الهايبر ماركت الكبيرة، ووجدت العاملين بها مجتمعين حول تجهيز أكياس بلاستيكية مملوءة بالزيت والسكر والأرز وما شابه، وحينما سألت، ماذا يفعلون، قالوا إنهم يجهزون « شنط رمضان» بعدد 1000 شنطة، وعلمت أن قيمة الواحدة منها 200 جنيه، ليكون مجموع التكاليف 200 الف جنيه، لحساب شخص واحد سوف يأتى بعد قليل ليأخذ هذه الشنط من أجل توزيعها على الفقراء. كما أكد لى أحد العاملين على تعبئة هذه الشنط، أنه قد جاء إليهم طلبات بتعبئة «شنط رمضان» تتجاوز قيمتها المالية حتى الآن ثلاثة ملايين جنيه.
أكملت طريقى، لأجد بعد مسافة عدة كيلو مترات فى قطعة أرض فضاء مجموعة من الناس يجهزون لإقامة خيمة كبيرة يعلوها إعلان كبير يقول مائدة الرحمن، ليحدثنى رفيقى قائلا، إن تلك المائدة تقام فى هذا المكان سنويا وهى تسع 300 شخص تقريبا.
غمرتنى سعادة بالغة بما شاهدت، أناس أنعم الله عليهم بالمقدرة، يحاولون مساعدة غيرهم من المحتاجين، تقربا لله وابتغاء لمرضاته، وحاولت جاهدا الوقوف ولو بشكل تقريبى على حجم الإنفاق الخيرى فى رمضان متمثلا فى إطعام الفقراء، فلم أجد رقما واضحا، بخلاف ما تعلنه المراكز البحثية التى تؤكد أن الرقم يتجاوز المليار جنيه بكثير.
هذا بخلاف زكاة المال التى يخرجها الناس فى هذا الشهر المبارك، والتى أفضل أن يتم توجيه نسبة كبيرة منها للمنظومة الصحية المهترئة تماماً، والتى تحتاج إلى موازنة ضخمة لتمكنها من تقديم خدمة طبية معقولة!
لاحظنا وجود اعلانات تحض المشاهدين على التبرع لبناء مستشفيات جديدة، وهو أمر محمود، ولكن الأولى بالتبرع القديم المهترىء، أم الجديد تحت الإنشاء؟ علما بأن هناك العديد من المستشفيات فى أشد الاحتياج إلى أجهزة غسيل كلوى ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ جزء يسير من زكاة المال سيحل أزمتهم و أزمة آلاف المواطنين الذين لا يملكون من أمرهم شيئا.
لذا يكون من الضرورى عمل حصر لجميع الاحتياجات الطبية ومع توضيح تكلفتها، من خلال وزارة الصحة عن طريق مديريات الصحة بجميع المحافظات، توضح كم الاحتياجات ونوعيتها، عينية أو مادية، وكذا طريقة تلقى التبرع، مع توضيح مساره، وهذا بالتبعية يأخذنا إلى الدور الذى يمكن أن تلعبه المشاركة المجتمعية فى إحداث تغير ملموس فى تحريك عجلة التنمية بمعدل إيجابى آخذين فى الاعتبار الطبقات المهمشة و البسيطة والمحتاجة.
فإذا كان التركيز على محاولة الوفاء بالاحتياجات التى من المؤكد ستتجدد، نكون كما يدور فى ذات الحلقة، أما لو عملنا بالحكمة الصينية التى تقول علمنى الصيد و لا تعطنى سمكة، نستطيع إيجاد فرص عمل من خلال إنشاء مراكز تأهيل مهنى ترتقى بمهارات العمال وتؤهلهم للحصول على فرص عمل أفضل، كما توجد مجالاً تنافسيا بين المتدربين لإخراج أفضل ما لديهم، ومن يريد المساهمة الفعالة، فعليه بالنظر نحو المدارس الفنية التى تتبع وزارة التعليم الفنى التى غاب الإعلام عن متابعتها تماما، وهى الوزارة التى أنشئت بغرض الاهتمام بالتعليم الفنى باعتباره اللبنة الأساسية نحو توفير عمالة فنية مدربة لاسيما ونحن على أبواب وصول استثمارات دولية لمصر بعشرات المليارات من الدولارات، ستكون فى أشد الاحتياج إلى العمالة المدربة والماهرة التى تستطيع إنجاز الأعمال الموكلة لها بالحرفية المطلوبة .
كان الأمل كبيرا على أن يتولى رجال الأعمال قيادة طريق العبور إلى مستقبل اقتصادى واعد، خاصة بعد أن مهده الرئيس و بدأ بنفسه وتبرع بنصف ثروته لمصر، وحينما دعاهم الرئيس إلى التبرع لصندوق تحيا مصر، جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن. عكس ما فعلته الشرائح الأخرى التى جمعت 64 مليار جنيه فى بضعة أيام لإنجاز قناة السويس الجديدة التى شارفت على الانتهاء.
يبدو اليوم الأمل قائما على هذه الشرائح التى تنتظر شهر رمضان المبارك لتبذل من مالها وجهدها لوجه الله، فى الالتحام مع بعضها من جديد من أجل تطوير منظومة الصحة وأضف إليها التعليم الفنى، فالتكاتف حول إنجاح هاتين المنظومتين، من شأنه تحقيق قفزة نوعية نحو تحقيق مستقبل أفضل لقطاع كبير من المصريين ، بل لا أبالغ حينما أقول إنها ستكون لمصر بالكامل. فمن يستطيع تكوين رؤية كاملة يمكن من خلالها استغلال روحانيات شهر رمضان وتوجيه خيرات هذا الشهر الكريم إلى غايات محددة تعيننا على تحقيق ما نتمناه بسواعد فاعلى الخير.