رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وأد الإبداع!

جاءنى ابنى الطالب فى الصف الخامس الابتدائى بنتيجة امتحان مادة الدراسات الاجتماعية، منذ فترة وجيزة، وعندما راجعت درجاته وإجاباته،

لاحظت أنه أجاب عن أحد الأسئلة بشكل صحيح من وجهة نظري، ولكن مدرسة المادة كان رأيها مختلفا، فالسؤال، أذكر أيا من مظاهر التلوث، وإجابته كانت إلقاء القمامة فى الشارع، وعندما أرسلت إليها مستفهما عن سبب اعتبارها إجابته خاطئة؟، جاء ردها صادما «أرجو الالتزام بما جاء بكتاب المدرسة»، وعند العودة لكتاب المدرسة الذى قررته وزارة التربية والتعليم وجدته لم يشر من قريب أو بعيد إلى أن إلقاء القمامة فى الشارع من مظاهر التلوث.وعندما سألنى ابنى أليس إلقاء القمامة فى الشارع من مظاهر التلوث كما قرأ فى مطبوعات عديدة، بحكم شغفه بالقراءة، فأجبت بنعم، فقال فلماذا قررت مدرستى أن إجابتى خطأ؟، وكيف لا يذكر كتاب المدرسة هذه المعلومة، وهل أتبع معلومات كتاب المدرسة وألتزم بما جاء فقط وما دون ذلك أتركه؟


كان سؤاله فى السياق الطبيعى فى وقت باتت فيه المعلومات تملأ الفضاء الكونى بكل جنباته، فبضغطة زر على لوحة مفاتيح جهاز الكمبيوتر يمكن أن تتوصل لأى معلومة، كما يمكن أن تدققها، عكس وزارة التربية والتعليم التى تعيش خارج الزمن، وما زالت تفكر بعقلية القرن الماضى بل وتعيش فيه، وتطلق تصريحات فضفاضة حول تطوير التعليم، وما شابه، ولكن الواقع يقول إننا فى ذيل قائمة دول العالم، التى أيقنت أن التعليم والبناء السليم للعقل هو السبيل لتحقيق النجاح فى أى مجال، هذا الموقف استدعى فى ذاكرتى أحد مشاهد فيلم «الثلاثة يشتغلونها» للفنانة ياسمين عبدالعزيز « نجيبة» مع والدها الذى يراجع معها كتاب الوزارة لإحدى المواد قبل امتحان الثانوية العامة، وانتهى المشهد بنجيبة وهى تعيد على أسماع والدها الذى يمسك بالكتاب آخر كلمات الغلاف، فيفرح الوالد الذى اطمأن إلى أن ابنته قد حفظت الكتاب بالكامل «من الجلدة للجلدة»، ثم تظهر النتيجة لتعلن حصول نجيبة على المركز الأول على الجمهورية!


كان هذا هوالواقع الذى كنا نعيشه منذ سنوات، كتاب مدرسى يلتزم به الطالب يحفظه عن ظهر قلب، ثم امتحان الثانوية العامة الذى يتم تصحيحه بالالتزام حرفيا وفق نموذج الإجابة الموضوع أمام المصحح، الذى لم يكن يشترط أن يكون مدرسا للمادة أو حتى للمرحلة الثانوية! وبالتالى من الممكن أن تكون الإجابة صحيحة، ولكنها مخالفة لنموذج الإجابة الموضوع أمام المصحح، فيتم حرمان الطالب من درجته، والعكس صحيح! ولأن جامعاتنا التى لم تتطور منذ زمن بعيد هى المرحلة التالية لامتحانات الثانوية العامة، حيث تمثل الحلم والأمل الذى تتمنى كل الأسر تحقيقه لأبنائها، تستقبل طلابا درجوا على الحفظ والصم، فيكون من المنطقى ألا ننتظر أن نرى مبدعين ومبتكرين من بين خريجيها الذين قضوا أربعة عشر عاما من عمرهم فى إطار نظام تعليمى عقيم قائم على الحفظ والتلقين ، ثم تعلو وجوهنا الدهشة كما تملأ قلوبنا الحسرة عندما نعلم أن جامعاتنا صاحبة حضارة الـ 7 آلاف عام تم تصنيفها خارج أفضل 500 جامعة فى العالم، بينما جامعات إسرائيل الكيان الذى بدأ منذ ستة عقود تفوقت علينا!


الغريب أننا نفرط فى الحديث حول التطوير كثيرا قولا دونما اى فعل ملموس، فتصريحات وزير التعليم فى سبتمبر الماضى أن موازنة الوزارة أصبحت 87 مليارجنيه 90% منها للأجور، وكانت تصريحاته فى نوفمبر 2013 أن موازنة الوزارة 67 مليارا 90% منها للأجور، أى أن الـ 20 ملياراً الزيادة عن العام الماضى ذهبت للقائمين على العملية التعليمية، أهكذا يتم التطوير! ولأننا ما زلنا ندور فى نفس الدائرة المغلقة، ونرفض بكل قوتنا الخروج منها ، فنتناقش حول تطوير المناهج ومحاربة الدروس الخصوصية التى تستنزف ما يقرب من 20 مليارا من الجنيهات، ورغم ذلك تسير المنظومة التعليمية فى الاتجاه المعاكس، فى إصرارغير مبرر على عدم تغيير النظام الذى نسيرعليه منذ قيام ثورة يوليو وحتى اليوم، باعتباره من المقدسات، والذى يرسخ لكل آفات التخلف!


ثم نتعجب حينما نرى مصريين نبغوا وأصبحوا علماء فى مجالات كثيرة حينما تلقوا تعليمهم فى الخارج، والأمثلة لا حصر لها يعرفها الكثيرون منا، وبالمقارنة مع كوريا الجنوبية التى بدأت من تحت الصفربعد الحرب العالمية الثانية فى عام 45 ونحن بدأنا فى عام 52 ورغم ذلك فالفرق بيننا يصعب قياسه الآن، فهم صنعوا مستقبلهم لأنهم أجادوا ترتيب قائمة اولوياتهم، واضعين التعليم على رأسها، بل وعامل مشترك نصب أعينهم فى التخطيط لجميع مناحى التنمية، أما نحن فنسينا أنفسنا رغم قيام ثورتين ضد الفساد والتخلف، ما زلنا نعتز بماضينا ونغفل مستقبلنا. بقى أن تعرفوا إجابتى عن سؤال ابنى الذى عرضته فى البداية، فقد حرصت على أن أوجه إليه النصيحة بألا يألو جهدا فى البحث عن المعلومة وإعمال العقل، وألا يكتفى بما جاء بكتاب الوزارة، بل يضيف إليه كما اعتاد إن أراد التفوق، وكما يقول المثل الصينى «علمنى الصيد ولا تعطنى سمكة»، وأخيرا تُرى .. ما رأى وزير التربية والتعليم .. هل إلقاء القمامة فى الشارع من مظاهر التلوث؟!


[email protected]
لمزيد من مقالات عماد رحيم

رابط دائم: