ورغم ان الاحتفالات تأتى فى ظل أجواء إقليمية ودولية غير مستقرة إلا إن ذلك لا يمنع من تلمس جوانب ايجابية تمنحنا الأمل فى غد أكثر إشراقا واستقرارا لشعوبنا وامتنا, فمن اعماق المعاناة ينبثق الأمل, ومن وسط الفوضى تشرق شمس الاستقرار.. هذه هى الحكمة التى تعلمناها من التاريخ.ومن بين ملامح الأمل التى ترتبط باحتفالات دولة الكويت العام الماضى , ما شهدته من انجازات داخلية وخارجية كانت محل اشادة وتقدير من العالم اجمع , وفى مقدمة هذه الانجازات نجاح الكويت فى استضافة عدد من الفعاليات الدبلوماسية المهمة كان أبرزها القمة العربية والقمة الاقتصادية العربية الإفريقية والمؤتمر الدولى لدعم اللاجئين السوريين, وهو المؤتمر الثانى من نوعه الذى استضافته الكويت وحصلت من خلاله على تقدير دولى كبير تمثل فى اختيارها مركزا للعمل الإنسانى الدولى كما تم اختيار حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح قائدا للعمل الإنسانى من جانب الأمم المتحدة, هذا بالإضافة الى عديد من الانجازات الداخلية التى تكرس مفهموم التنمية المستدامة فى البلاد.
وفى السياق نفسه فقد شهدت العلاقات الأخوية بين مصر والكويت العديد من التطورات الايجابية المتميزة التى أكدت الخصائص الإستراتيجية التى تتسم بها علاقات البلدين الشقيقين على الدوام , فالعلاقات بينهما تشهد نموا مطردا على كافة الأصعدة يأتى انعكاساً للدفعة القوية التى اكتسبتها هذه العلاقات إبان الأزمات والمحن, التى دائما ما تظهر معادن الأمم والشعوب مثلما تظهر معادن الرجال ، وكما وقفت الكويت مع مصر إبان العدوان عليها عامى 1956 و 1967 , وكما شاركتها نصر أكتوبر المجيد من خلال لواء اليرموك الذى كان يعادل ثلث حجم جيش الكويت, فقد وقفت مصر الى جانب الكويت خلال أزمة 1961 وأزمة 1990 وغيرهما, واعتقد ان هذا أمر طبيعى بين بلدين شقيقين ربطت بينهما وشائج راسخة منذ عقود طويلة.
لقد تشعبت هذه العلاقات وتطورت حتى وصلت الى مستوى رفيع من التفاهم والتقارب على الصعيدين السياسى والاقتصادى وتزداد علاقاتهما الاخوية رسوخا عبر زيارات الوفود المتبادلة سواء على الصعيد الرسمى أو الشعبى ، مستثمرة بذلك الدفعة التى تمنحها أياها الخصوصية التى تميزت بها , هذا بالإضافة إلى تطابق وجهات النظر حيال القضايا الحيوية التى تهم الأمتين العربية والإسلامية, والتى تقوم على ثبات المواقف ووضوح الرؤي, فما بين مصر والكويت تعاون حقيقى ومثمر ومصالح متشابكة ومتداخلة , ويدرك الجميع ان لمصر مكانة خاصة فى قلوب الكويتيين منذ زمن طويل, وفى كافة القضايا والفعاليات الدولية دائما ما نجد مصر تقف مع الكويت والكويت تقف الى جانب مصر وتنظر إليها باعتبارها ضامنا مهما وركيزة استقرار للامن القومى فى المنطقة العربية. ويمتد تعاون البلدين ليشمل سائر المجالات, فعلى الصعيد الاقتصادى وقعت الدولتان أول اتفاق بينهما فى أبريل عام 1964, تلاه عدة اتفاقات أخرى منها الاتفاق الموقع بين غرفتى التجارة فى البلدين فى يونيو 1977, واتفاق التعاون الاقتصادى والفنى عام1998, واتفاق التعاون الفنى فى مجال المواصفات والمقاييس ومراقبة الجودة فى نفس العام والذى شهد ايضا تأسيس اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، وكان ذلك بهدف تحقيق القدر الأكبر من التنسيق والتعاون المشترك فى مجالات التعاون المختلفة, وأصبحت الاستثمارات الكويتية فى مصر تحتل مركزا مميزا بين الاستثمارات العربية بما يعادل 25% من اجمالى هذه الاستثمارات, فضلا عن ارتفاع عدد الشركات الكويتية العاملة فى مصر بما يقارب الألف شركة, وزاد حجم التبادل التجارى على 3 مليارات دولار, كما يمتد التعاون الى مجال الكوادر العاملة حيث تعد الكويت سوقًا كبيرة للعمالة المصرية التى تعد الجالية الأكبر عربيا فى الكويت.
وفى ضوء هذا التاريخ العريق لعلاقات البلدين فى سائر المجالات, يتواصل التعاون بمختلف الصور, حيث كانت الكويت قد خصصت حزمة مساعدات اقتصادية لمصر فى العام الماضي, وهناك ترتيبات تتم حاليا لتعزيز الاستثمارات الكويتية فى المرحلة المقبلة وتنمية التجارة البينية تم الاعلان عن بعضها منذ ايام متمثلة فى بروتوكول التعاون فى مجال البتروكيماويات بقيمة 8, 6 مليار دولار, وجار الإعداد لعدد من الفعاليات التى ينتظر الاعلان عنها خلال المؤتمر الاقتصادى التى سيعقد فى مدينة شرم الشيخ منتصف مارس المقبل , والمقرر ان تشارك فيه الكويت بوفد كبير يترأسه سمو امير البلاد, كما ان هناك مباحثات تجرى حاليا بين وزارة التعاون الدولى والصندوق الكويتى للتنمية الاقتصادية بشأن اتفاقية القرض الذى قرره الصندوق بمبلغ يزيد على 100 مليون دولار للمساهمة فى تمويل مشروع محطة توليد كهرباء غرب القاهرة وذلك فى اطار دعم جهود حل مشكلة الطاقة والتصدى لظاهرة انقطاع التيار الكهربائى , ليصل اجمالى عدد القروض التى قدمها الصندوق لمصر الى 39 قرضا بقيمة تتجاوز مليارى دولار, وتم توجيه احد هذه القروض بقيمة 30 مليون دينار كويتى لتطوير مشرعات السكك الحديدية وضبط سير القطارات بما يحسن مستوى الخدمة ويقلل من الحوادث , هذا بالإضافة الى ثمانى منح ومعونات فنية قدمها الصندوق بما يؤكد ان المرحلة المقبلة سوف تشهد المزيد من الفعاليات التى تستهدف دعم الاقتصاد المصرى وتعزيز التعاون الثنائي.
ويلمس المتابع لمسار علاقات البلدين الشقيقين انه يتجه دائما الى الامام, ويسجل تطورات ايجابية فى سائر مجالات التعاون , ولعل فى لك ما يبرهن على الطابع الاستراتيجى لهذه العلاقات وهو الطابع الذى تؤكد عليه قيادتا البلدين فى كافة المناسبات وتعملان معا على تعزيزه ودفعه قدما للامام عبر سلسلة من برامج التعاون المشترك التى لا تقتصر فقط على الجوانب السياسية والاقتصادية بل تمتد لتشمل مجالات اخرى مثل الثقافة والاعلام والسياحة والعمالة وغيرها من المجالات.
اننا ونحن نحتفل باعيادنا الوطنية مستظلين بقيادة حكيمة وشعب يلتف حول قيادته, نتطلع الى مزيد من التعاون مع الشقيقة مصر التى تبقى دائما فى القلب ويظل تاريخها العريق ودورها المحورى مصدر الهام متجدد وعنصر قوة واستقرار لشعبها وامتها العربية.