عندما تتزايد معارفنا بجوانب الحياة .. نحتاج لمن يقوم بتزويدنا بالتعليق المناسب لها.. فكل شيئ الآن فى قبضة التكنولوجيا وما من أحد إلا واردها .. تخصص د. خالد الغمرى فى اللغويات الحاسوبية من جامعة أنديانا .. وهو علم يستخدم الحاسب فى تحويل النصوص بكل مستوياتها : الصوتية والنحوية والدلالية إلى لغة رقمية تستوعب لغة العصر والتقنيات التكنولوجية بكل اقتدار ..
وهو علم وثيق الصلة بعلم الإحصاء والرياضيات والذكاء الاصطناعى .. بغرض تفسير ظواهر اللغة وتحليلها والتعامل مع بنيتها .. وهو الأمر الذى يبدو بالنسبة للقارئ العادى أشبه بمحاولة تثبيت قطعة من الجيلى بمسمارين وهو الوصف الذى أطلقه بيل كلينتون على محاولات الصين لفرض رقابة على الإنترنت .. فالعلم حديث نسبياً وابتعادنا عن مجالات التطور التكنولوجى تجعل نظرتنا – هجومية – أحياناً مثل نظرة الثعلب الذى لم ينل عنقود العنب فوصفه بأنه حصرم.
فى الوقت الذى يأخذ فيه الإرهاب أشكالاً متنوعة .. وتجرى محاولات على قدم وساق لإضفاء الشرعية على العنف وممارساته .. وبينما نحن نواجه ما يمكن تسميته "بالجهل المقدس" الذى لا يسمح بالاقتراب من نصوصه .. يتعاظم دور خبراء اللغويات الحاسوبية .. لشرح وتفسير ما يجرى أمامنا فى الفضاء الإليكترونى فى هذا الصدد – حيث أصبح الوهم يتماهى مع الواقع .. ويتلاشى الواقع فى ظلال العالم الافتراضى .. فالمعانى والتفسيرات تجعل المرء يبدو عاجزاً عن الفهم .. واختلاط الواقعى بالمتخيل .. أوجد إحساساً عاماً بالسخرية والفانتازيا .. فالخبر أصبح يصنع أولاً ومنه يُصنع الحدث وليس العكس وفقاً لمنطق الأمور.
فى كتابه "نبوءة آمون" يرصد د. خالد الغمرى بوعى عالمى تاريخ التكنولوجيا وسياساتها التاريخية وكيف أنها اعتادت على مكافأة من يروضها .. وإضاعة كل من يلهث وراءها بغشامة وعنفوان وجهل مطبق بتداعياتها سلباً أو إيجاباً.
فالشبكة العنكبوتية أصبحت أشبه بسفينة نوح الذى لن ينجو أحد من الفيضان إلا إذا اعتصم بين جدرانها .. هذا المأوى التكنولوجى .. الذى يبدو منفلتاً كالزئبق كلما حاولنا الإمساك بتلابيبه والتحكم فيه والسيطرة عليه.
فعندما عرفت البشرية الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى عرفت معها تأثير الكلمة والصوت والصورة .. على أكبر نطاق وأسرع إيقاع وأكثر تفاعلية .. وشأن أى منتج لابد أن يمر بمراحل للإنتاج والتعليب والتسعير والتسويق .. فاللغة بالنسبة لجوجل أو (الباحث العظيم) هى وعاء المعلومات والمعرفة .. فالبحث يتم بكلمات فى كلمات عبر كلمات. فجوجل أقنعت البشر بشراء الكلام .. على حد تعبير د. الغمرى وأصبح لمستخدم الإنترنت سلطة على اللغة فهو القارئ والمؤلف فى آن واحد وأصبح مصيرالكلمات القديمة والجديدة يحدده "التصويت الشعبى" وغيرت الإنترنت من هذه اللغة بوتيرة أسرع.
فى عام 1992 بدأت الإنترنت فى تونس وفى مصر عام 1993 بعدد مستخدمين يتراوح ما بين ألفين وثلاثة آلاف مستخدم .. لم يكد يطل علينا عام 1998 حتى وصل عدد المواقع على الإنترنت إلى ما يقرب من المليون .. ومن خلال العناوين اللافتة وإدراك د. خالد الغمرى لسحر وغواية الحكى يرصد تاريخ جوجل الذى وصفه الكاتب الأمريكى الشهير "ستيفن كنج" بأنه نسخة القرن الحادي والعشرين من الأخ الأكبر فى رواية جورج أورويل الشهيرة "1984" . فكلمة جوجل المشتقة من جوجول وتعنى كتابة رقم (1) ومن بعده مائة صفر !! .. فإذا كانت مكتبة الإسكندرية القديمة هى أول محاولة قامت بها الإنسانية لتجميع المعرفة البشرية فى مكان فإن جوجل هى آخر هذه المحاولات .. فالفكرة التى قام عليها محرك جوجل استند فيها "لارى بيج" إلى فكرة الاستشهادات فى الدراسات الأكاديمية .. فأهمية أى دراسة وقيمتها تأتى من عدد الدراسات الأخرى التى استشهدت بها وبهذا كلما زاد استخدام الموقع لمواقع أخرى .. انعكس ذلك على أهميته .. وأصبحت فلسفة جوجل فى استخدام المعادلات الرياضية لقياس كل شئ وتحويله إلى أرقام .. وفى عام 2002 بدأت جوجل فى رقمنة الكتب والتعامل معها آلياً.
ويتطرق كتاب "نبوءة آمون" لرصد رؤية الكاتب الهندى "رانى زكارياس" لرحلة الأجيال مع التكنولوجيا منذ خمسينيات القرن الماضى وحتى بداية القرن الواحد والعشرين .. ففى التسعينيات .. فقد الشباب القدرة على التفكير العقلانى والإلمام بالمنطق فى عالم لا عقلانى تزلزله موجة ما بعد الحداثة بتفكيكها وتشكيكها فى كل شئ : الثقافة، الفن، الأدب، الفلسفة، التاريخ .. وفى بدايات القرن الحادي والعشرين .. فقد هذا الجيل من الشباب القدرة على الخيال وأصبحت مظاهر العنف والانحراف ليست مزعجة بالنسبة لهم فقط ولكنها تعد من مصادر الترفيه والتسلية .. ولم يعد هناك أحد يتكلم عن ضحايا أبرياء لأنه لم يعد فى العالم أبرياء .. إنه عصر نهاية الدهشة والدعوة لاستعادتها .. ففى ثناياها كل المعانى والأحساسيس الإنسانية ستظل محتفظة بنضارتها.
ثم جاءت الموجة الثانية من الإنترنت وعصر شبكات التواصل الاجتماعى .. فيسبوك فى 2004 ويوتيوب فى 2006 وتويتر فى 2006 ليصبح الإنترنت .. هو "البيت الثانى" لآلاف الملايين من سكان الكرة الأرضية .. وبتتبع مسارات البحث فى الفيس بوك اكتشف الباحثون أن مسارات الربط تقترب من 99.9 من مستخدمى الشبكة ببعضهم البعض .. وأن أى صديق على فيسبوك يمكنه أن يوصلك إلى أى صديق مشترك آخر على الموقع فى أى مكان فى العالم ووصفه د. الغمرى بتعبير طريف .. عالم "الأوضة وصالة" .. ويعود بنا إلى سياق تاريخى ممتع وأن فكرة الفيس بوك بدأت شرارتها أدبياً عام 1929 من خلال قصة قصيرة لمؤلف مجرى يدعى "فريجيس" حاول من خلالها أن يثبت أنه يمكن لأى شخص أن يتصل بأى شخص آخر فى العالم عن طريق خمسة أشخاص آخرين .. وطبق البعض فكرته وخاض التجربة .. وبزغ هذا السؤال الوجيه الذى فرضته التجربة : هل كان يمكن ليوليوس قيصر – إن أراد – أن يتصل بشيخ قبيلة من قبائل المايا من خلال خمسة أشخاص أو حتى مائة.. والإجابة لا بالطبع .. إنه عالم الفيس بوك الذى حول مستخدمه إلى صاحب سلطان يفوق يوليوس قيصر .. ولكن (بالأرقام) .. فالعلاقات الاجتماعية رقم والصداقة والإعجاب والشعبية والنرجسية والرفض والتفاهة والحشد والعزلة كلها أرقام تتم بضغطة زر .. ويرصد د. خالد الغمرى كيف أحيا الفيس بوك ثقافة ما يعرف بمفهوم "الميم" أى فكرة انتشار السلوك والتوجهات والآراء من شخص لآخر عن طريق التقليد.
ثم قامت الثورات العربية مؤخراً وتوالت موجات الربيع العربى .. فنجحت التكنولوجيا فى إسقاط الأيديولوجيا .. وفى استفتاء مارس 2011 عبر الشباب عن هذا الغضب وبلغ ذروته بجملة تكررت على الفيس بوك وتويتر ورصدها د. خالد تقول : "هذا الجيل ضيعنا .. وهيضيع ولادنا كمان" فى محاولات عديدة لإيجاد وطن بكر بعيداً عن دولة الكبار وهو بدورهم قالوا : "ده جيل قليل الأدب ومغرور بعد ما صرفنا عليه وكبرناه جاى يهاجمنا ويشتمنا".
وبحرفية المتخصص يشخص ويحلل ويفسر ويلفت د. الغمرى انتباهنا إلى أنه كلما قل عدد المؤثرين فى أى شبكة – أسرية أو تواصل اجتماعى – كلما زاد استقرارها ولكن إذا اقتصرت القدرة على التأثير على عدد قليل جداً .. تصاب هذه الشبكة بالتكلس والاختناق وانسداد الأفق .. والعكس صحيح .. كلما زاد عدد المؤثرين .. كلما قل استقرارها .. وخاصة حين يتحول كل فرد فيها إلى منظومة قائمة بذاتها.. هنا تسود الفوضى والسيولة الكاملة وقد ينفرط عقد المنظومة كلها .. ويعكس الإطار العام لهذه النظرية ما حدث فى مصر خلال السنوات الثلاث الماضية حيث كان هناك صراع بين الانسداد الكامل والانفراط الكامل وهو الذى يعنى على أرض الواقع تنفيذ آليات "حروب الجيل الرابع" ما بين مجتمعات أصبحت فكرة "القبيلة" فيها حالة ذهنية .. بينما يحاول أهل الرأى والخبرة الإفلات باستماتة من سيطرة اللامعقول الذى أصبح يحرق البشر نتيجة لآرائهم .. يبدو القلم فى يد د. خالد الغمرى كمشرط جراج ماهر يواجه الحقائق ويحاول تحريك القاع الميت بإحياء الوعى الجمعى وهو فى هذه المهمة الجليلة لا يتوقف عن الرسم بالضوء والظل .. لبعث جمرة الأمل فى نفوس القراء.
لمزيد من مقالات سهيــر حلمــي رابط دائم: