كان يُفترض أن تصبح ممارسات الحوار والاختلاف والنقد الذاتى فرصةً لمراجعة أنفسنا وتصحيح أخطائنا لكنها أصبحت أسباباً تزيد من عنادنا وانقسامنا. فنحن نكره أن يخالفنا فى الرأى أو ينتقدنا أحد لكن المدهش أننا نبدو تارة متكيفين مع اللامبالاة والسلبية وكأن الأمر لا يعنينا. وتارة أخرى نبدو مولعين بالممالأة والنفاق إلى أبعد الحدود . وفي أوقات ثالثة نصبح (إذا ما سنحت لنا الظروف) شرسين إلى حد البذاءة فى انتقادنا لمن يختلف عنا. لا نعرف كيف نتحوّل من اللامبالاة إلى النفاق إلى البذاءة؟ ولماذا نمر بهذه التحولات الحادة المتناقضة؟ فإلى أين المفر؟
لا أريد أن أهدر هذه المساحة فى الحديث عن النقد السياسى باعتباره شكلاً من أشكال ممارسة حرية الرأى والتعبير. فمن هذه الزاوية يزداد واقعنا تعقيداً. ويتأكد يوماً بعد يوم أننا نعيش بالفعل خارج حركة العصر. فها هى اسكتلندا تحتكم منذ فترة إلى استفتاء شعبى ومتحضر لحسم خلافها مع بريطانيا ورغبتها فى الانفصال عن المملكة المتحدة. لكن فى بلاد العرب تجاوزت تكلفة عملية انفصال الجنوب السودانى عن شماله المليون قتيل وأربعة ملايين نازح إثر حرب أهلية انتهت باتفاق نيفاشا للسلام فى عام 2005. ولم يكن هذا الاتفاق فى الواقع سوى نتيجة لضغوط دولية هائلة مورست على السودان وليس بفعل ممارسة ديمقراطية متحضرة تحل خلافاتها بالعقل لا بالدم. وأعداد ضحايا الحروب الأهلية العربية فى العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان والجزائر فى العشرية السوداء دلائل أخرى على عمق أزمة الحوار فى بلاد العرب.
دعونا نخرج من دائرة السياسة لنناقش مستوى آخر من مستويات أزمة الاختلاف والنقد الذاتى من منظور اجتماعى وثقافي. هنا تتوالى الظواهر السلبية (العدمية أحيانا).
إحدى هذه الظواهر أننا نهرب من ممارسة النقد الذاتى ونكاد نعتبره عملاً شائناً أو غير وطنى أو مخالفاً للدين والأخلاق. يتحمس الكثيرون لنقد الآخرين لكنهم يعتبرون أن النقد الذاتى لأنفسهم أو لمؤسساتهم أو لزملاء مهنتهم مما يخالف الأصول والأخلاق والتضامن. لهذا من النادر أن ينتقد صحفى تجاوزات الصحافة، أو ينتقد قاض آليات عمل القضاء، أو يجهر أكاديمى بوقائع فساد مهني، أو يرفض طبيب ممارسات طبية غير مشروعة فى مجال مهنته. نظرتنا الى مهنتنا أو مؤسستنا هى نظرة قبلية. والعقلية القبلية لا تخلو من عنصرية. وأبناء القبيلة لا يعرفون غير مدح قبيلتهم وهجاء القبائل الأخرى. من غير اللائق فى ثقافة البعض ممارسة النقد الذاتى لمؤسسته أو لبنى مهنته. نحن بهذه النظرة نخلط بين الأخلاق فى مفهومها الصحيح وبين التعصب المهنى المرذول. ونضحى بالصالح العام للوطن كله من أجل مصلحة مؤسسة أو مهنة أو جماعة.
وهكذا يُضاف إلى حزب الكنبة الشهير حزب آخر جديد هو حزب إيثار السلامة. هذا حزب غير رسمى متغلغل فى بنيتنا الثقافية والاجتماعية وهو حزب له مريدون وأنصار. شعارهم قل مديحاً أو اصمت. خذ موقفاً فيما تمليه عليك مصلحتك أو تطلعاتك، أما المصلحة العامة فلها رب يحميها.
يتعجب المرء أحياناً ويتساءل : هل نحن نلجأ إلى الخبرات الأجنبية لإصلاح وتطوير أحوالنا لأننا نفتقد بالفعل مثل هذه الخبرات والعقول؟ الواقع أن لدينا من الخبرات والأفكار المصرية الكثير لكن المشكلة تكمن فى أنه ما إن يتولّى صاحب كفاءة أو خبرة مسئولية عامة سرعان ما يتجاهل خوض معارك الإصلاح ويغض الطرف عن كثير من مظاهر الفساد المهنى الضارب فى الجذور . يعتقد البعض مثلاً أن الطريق إلى الترقى او منصب مرموق او نجاح مضمون يمر عبر الصمت وتفادى الاشتباك مع قضايا الإصلاح وتجاهل الفساد ليكون صديقاً للجميع ولطيفاً مع الجميع. شعار هؤلاء هو الصمت أقصر طريق للنجاح وأن مكافحة الفساد تعنى الشوشرة فلا داعى لها. والبعض الآخر يقول إنه حاول وأصابه اليأس ومن حقه الآن أن يستريح. ومصر حائرة بين هؤلاء المدّاحين من جانب وبين أولئك السلبيين من جانب آخر.
وبين اللامبالاة المستفزة والمديح الفج تفيض مصر اليوم بنوع آخر جديد من ممارسة حق الاختلاف والنقد. لكنه هذه المرة نقد يستبدل الشخص بالموضوع ويستمتع بقدرته على البذاءة ويتفاخر بها بل يروّج نفسه ويقدم خدماته فى نقد/ هدم الآخرين من خلال قاموس لم تعرف مصر مفرداته من قبل. نحن هنا أمام ظاهرة خطيرة لم تعرف مصر مثيلاً لها من قبل مما دفع احد الكُتّاب العرب لأن يكتب فى إحدى الصحف المصرية منذ ايام وهو يستصرخ النخب المصرية لكي تُكف عن شراستها وبذاءتها وهى تمارس حرية الرأى والتعبير. يقول الرجل لقد تعلمنا منكم الفكر والثقافة وأدب الحوار فما الذى حدث اليوم.
الرجل مُحِق فمن يطالع المستوى الذى انحدر إليه النقد فى بعض كتاباتنا وحواراتنا لابد أن يُصاب بالهلع. لم تعد الكتابة لدى البعض من أجل فكرة مبدعة أو جملة مثيرة للخيال أو سؤال محفز على التفكير بل من أجل الهدم والتحريض والكراهية وهذا وجه آخر لمشكلة إن لم يكن لمأساة النقد فى حياتنا.