كما تمنى ثم كادت أن تفلت منها هويتها الوطنية فى لحظة عابرة جامحة من تاريخها المعاصر ؟ طه حسين الغائب الذى يزداد حضوراً فى حياتنا كلّما تباعدت السنون بيننا وبينه. تدق على أبوابنا اليوم ذكرى رحيله، مثلما كان يدق على الأرض بعصاه الشهيرة دقاته الرتيبة تعبيراً عن حزن او ضجر. لكن حزن طه حسين كان عابراً وضجره كان مؤقتاً فى زمن كان يضج بالأفكار والأحلام والتنوير. أما نحن فحزننا مقيمُ وضجرنا لا يتغير بتبدل الفصول الأربعة.
كان الكبرياء، واستقلالية الرأي، والنزعة الإصلاحية من أبرز سمات شخصية طه حسين الأديب والمفكر النقدى والأستاذ الجامعى واللغوى ووزير المعارف ( التعليم) . وربما بسبب هذه الصفات الثلاثة التى لازمته فى كل أعماله ومراحل حياته خسر العديد من مناصبه الواحد تلو الآخر. لكنه ، ولهذه السمات نفسها، ازداد احترامه لدى الناس احتراماً ، وارتقى أثره تأثيراً. فذهبت المناصب وبقيت المواقف والانجازات، وتلاشت الأضواء وظل التأثير . فطه حسين الذى عُين عميداً لكلية الآداب فى عام ١٩٢٨ لم يلبث فى منصب العمادة سوى ليوم واحد لكى يُقدم استقالته اعتراضاً على تدخل الوفديين ضده وهو الذى انتمى بفكره ومبادئه آنذاك إلى حزب الأحرار الدستوريين. ثم يعود الرجل مرة أخرى إلى عمادة كلية الآداب لكنه سرعان ما يستقيل مرة أخرى اعتراضاً على منح درجة الدكتوراه لبعض الشخصيات السياسية.
كانت روحه الاستقلالية ملمحاً أساسياً آخر من ملامح شخصيته وكان مثيراً للجدل والاختلاف حوله ابتداء من تاريخ مولده المعروف ( ١٨٨٩ ) مع أنه يُفترض أن يكون قد وُلد عام ١٨٨٤ لأنه أُحيل إلى التقاعد من وزارة المعارف العمومية فى عام ١٩٤٦. وبلغ الجدل ذروته حول آراء طه حسين بنشر كتابه المزلزل “ فى الشعر الجاهلي” والذى اضطر معه إلى إصدار طبعة لاحقة معدّلة منه بعنوان “ فى الأدب الجاهلى “ إثر الانتقادات الحادة التى وُجهت إليه والتى طالت فى بعض الأحيان موقفه الإيمانى والدينى .
وكانت نزعته الإصلاحية أيضاً جزءاً لا يتجزأ من شخصيته سواء فى عمله الأكاديمى أم فى مسؤوليته الوزارية حين تقلّد منصب وزير المعارف لعامين ( ١٩٥٠-١٩٥٢) . كان طه حسين فى عمله الجامعى أشبه بالأكاديمى الحالم الثائر فدعا الى الخروج على النمط التقليدى التعليمى الذى كان سائداً آنذاك. وانحاز الى الفقراء ودعا إلى العدالة الاجتماعية. وربما لا يعرف الكثيرون أن طه حسين هو أول من أطلق كلمة “ الثورة” على حركة الضباط الأحرار فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ التى آنهت حقبة النظام الملكى فى مصر وأسست الجمهورية الاولي. فقد كتب رسالة إلى توفيق الحكيم بعد عشرة أيام بالضبط ( فى ٣ أغسطس ١٩٥٢) حيث كان فى رحلة سفر لإيطاليا آنذاك واصفاً فى رسالته ما حدث فى ٢٣ يوليو “ بالثورة الرائعة” فى وقت لم يكن الثوار الذين قاموا بالثورة آنفسهم قد أسموها بعد ثورة.
هو من جيل المجيدين الثقاة من أساتذة الجامعة وحراس القيم والمعايير الأكاديمية وأحد الآباء المؤسسين الكبار للتعليم والثقافة فى مصر بل لَعَلَّه أشدهم تأثيراً. وما زالت مقولته الشهيرة إن التعليم حقٌ كالماء والهواء تتردّد أصداؤها فى جنبات وادينا الطيب الحائر وعلى امتداد صحرائنا الشاسعة نتساءل ما الذى تبقى اليوم بالضبط من هذه العبارة البليغة؟ لا نعرف ماذا ليكون رد فعل طه حسين لو أنه عاش زمننا الحالى ليسمع مسؤولاً عالياً عن التعليم فى مصر يُصرح منذ أيام بأن مجانية التعليم فى مصر هى سبب الإجرام فى الجامعات. هكذا نعلم طلابنا التعميم لا التدقيق وسرعة إصدار الأحكام المطلقة بدلاً من أن نعلمهم أصول التفكير العلمى بالابتعاد عن نزعات التعميم والإطلاق. ناهيك عما تتضمنه العبارة من إهانة بالغة لشريحة شعبية مصرية هائلة من الفقراء الذين هم ملح الأرض وسواعد الزرع والبناء والتعمير .
طه حسين هو القائل أيضاً “ وَيْل لطالب العلم لو رضى عن نفسه” ليذكرنا بمعايير الجدية والإتقان والتجويد والبحث المتواصل عن الكمال مهما بدا مؤرقاً وربما مستحيلاً. تُرى ماذا كان طه حسين ليقول لو أنه عاش زمننا الحاضر ليرى أطروحات للدكتوراه تُمنح بالعشرات والمئات وهى لا تنتمى منهجاً أو موضوعاً لشيء اسمه البحث العلمى لا من قريب ولا بعيد. يحدث هذا جهاراً نهاراً فى بر مصر تحت ذرائع هى أقرب الى الذنب منها إلى العذر.
قلّما اجتمع فى أستاذ جامعى ما اجتمع فى شخصية طه حسين. كان شخصية فريدة ثرية مثل قطعة البللور التى تتوهج وتضيء من أى جانب تنظر إليها. فهو الروائى صاحب “ الأيام” ودعاء الكروان” و”أديب” . وهو المفكر النقدى الذى أثار الصخب فى حياتنا الفكرية والاجتماعية بل والدينية فى كتبه مثل “ مستقبل الثقافة فى مصر” و” الشعر الجاهلي” و” الشيخان” . وهو أستاذ الجامعة الذى كانت الأستاذية لديه دوراً ورسالة لا وظيفة. وهو اللغوى الفصيح حارس حدائق العربية الغناء والغيور على لغة الضاد . وهو رئيس جامعة الاسكندرية ووزير المعرف فلم يؤرقه سوى هموم إصلاح التعليم وخوض معاركه غير خائف ولا عابئ بمنصب يزول مثلما يفعل البعض وربما الكثيرون. فكانت غيرته على الصالح العام أكبر بكثير من انشغاله بمصلحته الخاصة ومغانمه الشخصية. كان مصرياً حتى النخاع لكن إنسانى النزعة فانفتح على كل ثقافات العالم وأجاد الفرنسية. لكن إجادته للفرنسية مثلاً لم تنتقص من فصاحته العربية وصنع مُركّباً معرفياً مدهشاً بين الثقافات المصرية والعربية والمتوسطية.