رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نحن جميعا مسئولون

من المسئول عن صنع تنظيم داعش وكل التنظيمات الأخرى المشابهة أياً تكون أسماؤها أو مرجعياتها أو أهدافها؟ من الذى صنع هؤلاء فى حياتنا؟

ابتداء علينا ألا نستبعد الدور الأجنبى فى توظيف هذه التنظيمات من جانب بعض القوى الكبرى. قد يكون هذا التوظيف مرحلياً، او غير مباشر، أو بطريق تقاطع المصالح. لكن الدور الأجنبى متصور إجمالا فى توظيف الإرهاب العربي. فهو فى الحد الأدنى المتيقن منه يخلق حالة الفوضى. والفوضى مقدمة للصراع الداخلي. والصراع الداخلى ينصع الطلب على القوى الكبرى. والقوى الكبرى لن تجد افضل من هذه الظروف والذرائع لتمرير خططها ومصالحها. هذا هو عنوان المشهد الحالى فى العراق وسوريا وليبيا وغداً من يدري؟

لكن هذا الدور الأجنبى لا يعفينا من طرح التساؤل عن مسئوليتنا نحن كعرب فى صناعة تنظيم داعش وكل التنظيمات الإرهابية الأخرى التى أصبحت تتناسل فى ديارنا بشكل غير مسبوق. نحتاج هنا لنقاش علمي، وصريح وواضح لمعرفة من (وما الذي) صنع فى ديارنا ظاهرة العنف الدينى بكل تجلياتها ومسمياتها. لنعترف، ولو كان الاعتراف مرّاً ومؤلماً، إننا نحن الذين صنعنا داعش فى بلاد العرب. (نحن) تعنى ثقافتنا، ومؤسساتنا، ونظامنا التعليمي، وخطابنا الديني، وحياتنا السياسية.

ثقافتنا مسئولة عن انتاج ظواهر العنف الدينى لأنها ظلت على مدى قرون تتفادى اقتحام دائرتى السياسة والدين. وطالما كانت (تهرب) من مواجهة الأسئلة المقلقة المتعلقة بقضايا الحرية والاستبداد والدين. ولهذا ظل الفن العربى غير قادر ولا راغب فى المساس بتابوهات العرب الثلاثة : السياسة والدين والجنس. كانت هناك بالطبع استثناءات مغامرة هنا وهناك للخروج على هذه التابوهات الثلاثة. نعرف مصير أصحابها وما تعرضوا له من تجاهل وتعتيم وتنكيل من جانب السلطة والمجتمع معاً . وبلغ الامر حد القتل والتصفية (نصر حامد أبو زيد مثالاً) أو محاولة القتل (حالة نجيب محفوظ). وهكذا بدا المثقفون والكتّاب والفنانون والإعلاميون العرب حتى منتصف تسعينيات القرن الماضى يخشون مواجهة الأسئلة الشائكة فى المجال الدينى خوفاً من رفض المجتمع لهم وفى المجال السياسى خوفاً من غضب السلطة عليهم.

وكان طبيعياً فى مثل هذا المناخ التاريخى ان يتوقف الفكر الدينى عن تجديد نفسه لمواجهة تطور الحياة فبقى فكراً يؤمن (فى مجمله) سواء فى الظاهر أو فى الباطن بممارسة العنف والقتل والغزو لنشر ما يعتقد انه صحيح الدين. اما الفكر المستنير فظلَّ قابعاً على استحياء قليل العدد محدود التأثير تساعده السلطة بقدر ما يساعدها هو (!).

لم تكن ثقافتنا الخائفة من طرح الأسئلة هى وحدها المسئولة عن انتاج داعش وغيره. نظامنا التعليمى بدوره هو حاضنة لتقاليد التعصب والتفرقة والسلبية والانقياد والتبعية. ماذا تريدون من تعليم يجعل من الحفظ والتلقين المهارة الأساسية التى تضمن الحصول على 100% فى الثانوية العامة وعلى 20 من 20 فى امتحانات جامعية؟ هذا تعليم لن ينتج سوى الانقياد للنص على حساب التفكير والمنهج العلمى القائم على الشك والتساؤل والتجربة. ماذا تريدون من تعليم ليس فى برامجه المحشوّة بالتكرار متسع لدرس أسبوعى فى الموسيقى وحصص حقيقية لنشاط رياضى وفنى واجتماعي؟ ماذا تريدون من تعليم يزيد من التفاوت الاجتماعى ويغرس الانقسام الثقافى على أرض أقدم دولة فى التاريخ؟ أليس لدينا تعليم حكومى وخاص وأجنبى يدرس فيه طلاب ينتمون لوطن واحد مناهج مختلفة بنفقات دراسية تصل فى تفاوتها أحياناً إلى نسبة واحد إلى 500؟ هذا تعليم يعمّق لدى الطبقات الفقيرة الشعور بالتفاوت والتهميش والانسحاق فى مواجهة الأكثر مالاً وفرصة . مثل هذه المشاعر تبدو أشبه بالوقود النفسى الذى يشعل نار التطرف والعنف.

ربما يقول البعض إن الكثير من دول العالم يوجد بها مثل هذا التفاوت الاجتماعى والاقتصادي. لكن هؤلاء ينسون أن آثار هذا التفاوت تبدو محدودة لأن هناك حداً أدنى من التجانس الثقافى والاجتماعي. هذا التجانس الثقافى يعوّض التفاوت الاقتصادي. وهو ما نفتقده هنا فى مصر وكثير من بلاد العرب حيث اتسع التفاوت ليصبح ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً بل ونفسياً.

لماذا لم يظهر مثل هذا التطرف (كمّا ونوعا وانتشارا) فى زمن جمال عبد الناصر؟ لأنه كان لدينا تعليم وطنى متجانس وقيم مجتمعية واحدة أو متقاربة. وكان الفن يظهر احترامه للفقراء والفلاحين والعمال والبسطاء. كانت مصر مجتمعاً واحداً بحق وليس مجتمعين أو ثلاثة كما رأينا فيما بعد حقبة عبد الناصر.

الخطاب الدينى سبب آخر أسهم دون أن يدرى فى تغذية فكر العنف الديني. ماذا تريدون من خطاب دينى يصدح فى خطبة صلاة الجمعة عبر مكبرات الصوت بالدعاء الشهير على الآخرين اللهم اهلك زرعهم وبدّد شملهم وأرنا فيهم يوما... بدلاً من أن يدعو بنى قومه للعمل والتحلى بالأمانة والصدق ونبذ الكسل والكذب والغش؟ ماذا تريدون من خطاب دينى يسخر فيه أحد الدعاة من إلقاء المسلم التحية او تهنئة العيد على أخيه القبطى شريكه فى الوطن؟ ماذا تريدون من خطاب دينى يبسط تحريضه ليس فقط على الآخر الأجنبى ولا على شريك الوطن القبطى بل على شريك الإسلام من طائفة أخرى مثل الطائفة الشيعية حتى بلغ الأمر حد ارتكاب بعض الحمقى والجهلاء مذبحة بناء على هذا التحريض؟

بالطبع لا يمكن إنكار أن مأزق الديمقراطية المتعثرة (والمتعسرة) فى بلاد العرب قد أسهم فى تنامى وانتشار تيارات العنف الدينى التى أصبحت خصومتها فى مواجهة الدولة والمجتمع معا وليس فى مواجهة أحدهما فقط. باختصار نحن نعيش أسوأ فترة تشرذم دينى وثقافى وسياسى فى التاريخ العربى الحديث. ونحن جميعاً مسئولون.


لمزيد من مقالات د‏.‏ سليمان عبد المنعم

رابط دائم: