والخلط الشائع بين عوام الناس في مثل هذه الحوارات التي شاهدناها أنهم يتصورون أن وظيفة الفن- التي يسمونها عادةً «رسالة الفن»- هي أن يحض الناس على القيم ومكارم الأخلاق؛ وبذلك فإنهم يخلطون بين دور الفنان الذي يتمثل في الإبداع الفني ودور الداعية الذي يقوم على الوعظ الأخلاقي. فالحقيقة أن الفن له أدوار متعددة؛ فقد يكون له بعد اجتماعي أو سياسي أو ديني، ولكنه في تعبيره عن هذه الأبعاد جميعًا لا يكون له أي هدف أخلاقي وعظي أو تربوي؛ حتى إن كان موضوعه دينيًا (فالفن في العصور الوسطى الأوروبية- على سبيل المثال- كان مكرسًا للدين، ولكن بمعنى أنه كان معنيًا بالتعبير الجمالي عن المقدس أو العالم الإلهي كما يتجلى في صور العائلة المقدسة، وفي صور قديسين وملائكة، وفي طرز معمارية مختلفة من الكاتدرائيات). ذلك أن البعد الأساسي للفن الذي من دونه يفقد الفن ماهيته، إنما هو «البعد الجمالي» الذي يتمثل في قدرة وبراعة التعبير عن أي موضوع كان، سواء كان هو المقدس أو المدنس؛ أي في القدرة على إبداع وتشكيل القيم الفنية والجمالية داخل العمل الفني في تناوله لموضوع ما. والواقع أن الأصل العميق لهذا الخلط بين القيمة الجمالية والقيمة الأخلاقية يرجع إلى أن أغلب الناس في مجتمعنا يتصورون أن القيم هي فحسب القيم الأخلاقية، غير مدركين أن القيم لها أنواع شتى: منها قيمة الحق والقيم الأخلاقية، والقيم الدينية ، والقيم الجمالية، والقيم الحيوية (كالصحة والسعادة)، والقيم الاجتماعية ، وغيرها. وبذلك فإنهم يتصورون أن الفن لكي يكون له قيمة، ينبغي أن يعبر عن قيمة أخلاقية؛ وهم بذلك لا يدركون أن هناك قيمًا أخرى تُسمَّى القيم الفنية أو الجمالية (وهما بالمناسبة ليستا شيئَا واحدًا وإن كانتا مرتبطتين ارتباطًا عميقًا، ولكن لا داعي لإرباك القارئ في هذا الصدد بتفاصيل مثل هذه المسائل العلمية الدقيقة).
مفاد القول هنا أن أي متلق لعمل فني ينبغي أن يعرف أولاً أن قيمة الفن تكمن في قدرته على إبداع القيم الفنية والجمالية باعتبارها قيمًا مستقلة قائمة بذاتها، بصرف النظر عن القيمة التي يعبر عنها موضوع ما، حتى إن كان موضوعًا قبيحًا في الواقع. ولكن الظاهر أن عوام الناس لا يعرفون ذلك، وهم لم يتعلموا ذلك حتى من فطرتهم، ولا حتى من خلال وعيهم الديني الذي تم تسطيحه وتزييفه. فالواقع أن التجربة المباشرة غير الملوثة بتزييف الوعي، تبين لنا أن الجمال حتى في الطبيعة، إنما يتبدى لنا كدعوة إلهية لتأمل الجمال واستحسانه في ذاته، باعتباره إبداعًا جماليًا خالصًا للخالق أو المبدع المصوِّر. لا يعرف عوام الناس أن الفنان حينما يبدع، إنما يتمثل ويحاول أن يحاكي (على نحو ضمني لا شعوري) المبدع الأعظم الذي خلق لنا أشكالاً خالصة من الجمال الكوني وكأنه يدعونا إلى تأمل الجمال في ذاته باعتباره آيةً على الإبداع. وليس معنى ذلك أن الفنان أو المبدع يقوم بتقليد الطبيعة كما أبدعها الخالق، بل إنه- في حقيقة الأمر- يقوم بإجراء تعديلات جوهرية على المشهد أو الموقف الطبيعي: فهو يقوم- على سبيل المثال- بإجراء تعديلات جوهرية على المشهد بحيث يضيف إليه أو يحذف منه ما هو غير جوهري أو يصوره من زوايا مختلفة أو في ضوء مغاير. وعلى هذا ينبغي أن يتعلم الناس أن يميزوا القيم الجمالية باعتبارها قيمًا قائمة بذاتها مستقلة عن القيم الأخلاقية أو غيرها.
إن هذه القيم الجمالية التي يغفل الناس عنها قد تتجلى في الفنون التشكيلية من خلال التلاعب بالكتلة واللون والضوء والظل من أجل التعبير عن حقيقة أو طبيعة موضوع؛ وقد تتجلى في الموسيقى من خلال الأصوات الموسيقية، ومن خلال تناغم اللحن والتراكيب الموسيقية؛ وقد تتجلى في العمل الدرامي المرئي من خلال حبكة البناء الدرامي والبراعة في الأداء التمثيلي، وفي التصوير، وفي اختيار الموسيقى المصاحبة للصورة وتوظيفها الزمني الدقيق المرهون بتوقيت دخولها على الصورة. وإلى هؤلاء الناس نوجه السؤال التالي لإجلاء الأمر: إذا كان دور الفن هو أن يعبر عن القيم الأخلاقية، فقل لي- أثابك الله- ما هي القيم الأخلاقية التي تعبر عنها لوحة تجريدية أو سيمفونية ما؟! والحقيقة أننا ينبغي أن نتعلم كيف نقرأ العمل الفني مثلما نقرأ العمل التشكيلي التجريدي أو العمل الموسيقي، بمعنى أن نقرأ براعة الفنان في توظيف أدواته الفنية فيما يريد التعبير عنه.
ومن أشكال الخلط الشائعة المرتبطة بالخلط السابق في وعي الناس أن الموضوعات والشخصيات المصوَّرة في العمل الفني هي الواقع نفسه؛ وفي ذلك الوعي الغافل خلط بين الواقعي الذي يتجسد في زمان ومكان محددين، واللاواقعي الذي يتمثل من خلال العمل الفني في صورة متخيلة للواقعي، بحيث تعبر عن دلالته الإنسانية العامة، بصرف النظر عن تفاصيله الجزئية غير الجوهرية كما تتجلى في الواقع. إن ما يمتعنا في إدراك العمل الفني هو براعة الفنان في تصوير تلك الدلالة الإنسانية العامة في عمله الفني، أيًا كان الموضوع الذي يسعى إلى تصويره، وأيًا كانت الحالة التي يسعى إلى التعبير عن دلالتها هذه. ولذلك فإن ما يمتعنا- أو ما ينبغي أن يمتعنا- في العمل الدرامي على سبيل المثال، هو براعة الفنان في أداء جوهر الشخصية المتخيلة التي يريد تصويرها أيًا كانت: فالممثلة التي تقوم بأداء دور غانية على سبيل المثال، ينبغي أن تجسد غانية ما تتجسد في شخصية متخيلة بعينها، وهذا يقتضي أن تكون قادرة أولاً على أن تجسد في أدائها صورة الغانية في كلامها الذي ينبغي أن يكون خادشًا للحياء، تمامًا مثلما تكون سائر إيماءتها وحركاتها. ونحن في العمل الدرامي لا نستمتع بالشر في ذاته، وإنما نستمتع بقدرة الفنان وبراعته على تمثيل الشر. هذه المتعة هي التي نسميها «المتعة الجمالية». لنتعلم ذلك دائمًا من فن الموسيقى الخالصة: فالعازف البارع على الآلة الموسيقية يستمتع بالتعبير عن حالة الحزن والألم أو حالة البهجة والفرح من خلال أدائه الموسيقي، أي من خلال لغته الفنية الخاصة. ونحن بدورنا نستمتع ببراعة العازف في تصوير هذا الحزن بلغة الموسيقى. ولذلك فإننا ينبغي أن نتأمل هذا الحزن باعتباره صادرًا عن الموسيقى ذاتها؛ ومن ثم فإنه لا يكون حزنًا فعليًا أو واقعيًا، إنه حزن أو شجن موسيقي. فعازف البيانو- على سبيل المثال- لا يكون هنا في حالة حزن بالفعل، بل في حالة متعة من خلال تأمله لعزفه البارع الذي يستحضر حالة الحزن في الموسيقى ذاتها بسائر حركاتها وسكناتها وإيقاعاتها، ونحن- بدورنا- نستمتع أيضًا بأداء هذا الحزن لدرجة أننا نصيح أحيانًا بكلمات أو حتى بهمهمات الإعجاب.
وإذا كان المراد من هذا كله هو التأكيد على أن القيمة الجمالية تكون مستقلة عن القيمة الأخلاقية (وغير ذلك من القيم)، فليس معنى ذلك أن الفن يكون ضد الأخلاق؛ لأن الفن ليس مع الأخلاق أو ضدها، وإنما يكون محايدًا من الناحية الأخلاقية؛ فالفن لا يحض على الفضيلة أو يحث على الرذيلة، وما يجعل للعمل الفني قيمة هو أن يكون قادرًا على تجسيد قيم فنية والتعبير عن قيم جمالية، بصرف النظر عما إذا كان الموضوع الذي يصوره العمل الفني يعد- أو لا يعد في واقعنا- موضوعًا أو فعلاً أخلاقيًا.
غير أن هذا كله لا يعني أن الصلة تكون منقطعة تمامًا بين الفن والأخلاق، وأنه ليست هناك أية وشائج قربى بينهما. فبأي معنى إذن يمكن أن نتصور هذه الصلة؟ تكمن هذه الصلة في الصدق الفني؛ فالصدق في النهاية يعد من «قيمة أخلاقية رفيعة»، غير أن الصدق في الفن يتمثل في البراعة الفنية، أي- على سبيل المثال- في قدرة الممثل على تمثيل الشخصية التي يريد تصويرها؛ وهذا يقتضي منه المعرفة العميقة بطبيعة هذه الشخصية والتدريب على تجسيد ملامحها؛ وهذا يقتضي بالضرورة الإتقان كم يتجلى لنا في المنتج الذي نراه؛ والإتقان والصدق هما من المبادئ الأولى في الأخلاق.
ومع ذلك، فإن هذه الصلة تتجلى على نحو آخر: يتمثل في أن القيم الجمالية والقيم الأخلاقية هما من القيم الإنسانية العليا؛ ولذلك فإن الإنسان يعبر عنهما كما تتجليان من خلال دلالة إنسانية عامة: تارة من خلال التشكيل الفني الجمالي المتخيل لموضوع أو شخصية ما، وتارة أخرى كما تتجسد هذه الشخصية أو الدلالة الإنسانية العامة في الفعل والسلوك الواقعي لشخصية ما. وهذا هو المعنى الوحيد لمعنى الأخلاق في الفن: تلك البراعة الفنية التي تتبدى في الصدق والإتقان اللذين هما من صميم الأخلاق!