رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ديكتاتورية الثورة ضرورة وطنيـة

د. سعيد توفيق
قد يرى البعض في عنوان مقالنا هذا تناقضًا، وسرعان ما سوف يبادر هؤلاء إلى التأكيد على أن «الديكتاتورية» نظام سياسي بغيض طالما سعت الشعوب والأوطان إلى التحرر منه؛ والشاهد على ذلك أن كلمة «الديكتاتورية» Dictatorship قد ارتبطت في أذهان عموم الناس بكلمة «الطغيان» tyranny، أي ارتبطت بالحكم الاستبدادي أو المطلق الذي يتسم عادةً بالظلم والفساد والتعسف وفقدان الحرية،

وهي كلها طبائع مذمومة تؤدي إلى ثورة الشعوب ضدها؛ فكيف يحق لنا إذن أن نتحدث عن «ديكتاتورية الثورة»! ولا شك أن هناك أشكالاً من حكم الأفراد عبر التاريخ تؤكد هذا المعنى في أذهان الناس، غير أن حكم الطغاة كما نشأ أول مرة عند اليونان لم يكن يشير إلى هذا المعنى على الإطلاق، وإنما كان يشير إلى أولئك الذين حكموا بتفويض من الشعب، ومن ثم كان يشير إلى الحكم باسم القانون؛ إذ كان لهؤلاء الطغاة سلطة إصدار القوانين باسم الشعب، فعملوا على إصدار تشريعات تلبي طموحات الشعب، وهذا الحكم هو الذي ساهم في نهضة بلاد اليونان آنذاك. كما أن كلمة «ديكتاتور» في الأصل لم تكن لها تلك الدلالة السيئة؛ إذ كانت تعني عند الرومان القاضي أو رجل القانون الذي يُعهَد إليه بأمر ما ليحكم فيه. ولا شك أن هناك أمثلة عديدة في التاريخ تؤكد على هذا المعنى الإيجابي للحكم الديكتاتوري الذي عمل على نهضة البلاد التي يسوسها.

أردت من هذه المقدمة أن أهيئ الأذهان إلى أن الديكتاتورية شكل من أشكال الحكم قد يكون مطلوبًا أحيانًا، خاصةً في مرحلة الاضطرابات والتغيرات الثورية. وربما كان هذا هو بالضبط ما نحتاج إليه وينطبق على حالنا الآن: فمن البديهي أن لكل ثورة أعداءها. يتمثل هؤلاء الأعداء عادةً في أفراد النظام الذي جاءت الثورة لتغييره، ولذلك نجد أن هذا النظام يحاول المقاومة من خلال قواعده المتجذرة في مؤسسات الدولة. غير أن أخطر أعداء الثورة هم الخلايا النشيطة، فضلاً عن الخلايا النائمة الطفيلية والانتهازية التي تريد أن تمتطي الثورات... وقد تمثل هذا على أشكال عديدة في حالة الثورة المصرية:

فهو قد تمثل في جماعة الإخوان التي ظلت ترقب المشهد في الأيام الأولى من ثورة يناير سنة 2011، فلما اطمأن قادتها إلى أن الأمر جد ويمكن أن يؤدي إلى خلع النظام الذي طالما كانوا يتملقونه ويلعقون أحذيته عن كره، نزلوا إلى الميادين ليسقطوا الأمن ويقتحموا السجون ويطلقوا سجناءهم من الإرهابيين ورفاقهم من عتاة المجرمين؛ ليشيعوا الفوضى في البلاد ويسقطوا هيبة الدولة ممثلة في الجيش والشرطة، وكل ذلك تمهيدًا للسطو على السلطة التي تسللوا إليها وخططوا لها بفعل مؤامرة كونية مزعومة ترعاها سياسة الشيطان الأعظم الصهيوأمريكي، وتنفذها الجماعة مع بعض الحلفاء من التابعين والصغار الباحثين عن دور ولو ثانوي في عالم الكبار! أشاع هؤلاء جميعًا أن هناك طرفًا ثالثًا وراء إشاعة الفوضى في عموم البلاد، وقد صدق المصريون ذلك، إلى أن اكتشفوا أن هذه الجماعة هي الطرف الثالث الذي حار المصريون فيه عن طيبة وسذاجة، حتى إنهم سموا هذا الطرف على طريقتهم المعهودة في السخرية والدعابة «باللهو الخفي»!

غير أن أعداء الثورة- كما قلنا- على أنحاء شتى، ولكن ما يجمعهم هو هدف واحد يتمثل في الانتهازية على حساب الوطن. من هؤلاء قطاع عريض ممن يُحسبَون على المثقفين والأكاديميين في جامعاتنا. بعضهم لم يكن له ذكر على الإطلاق ويكاد يكون غير معروف لعموم الناس، بل غير معروف لعموم المثقفين، فإذا بنا نجدهم فجأة يحتلون الشاشات الفضائية والمحلية ليروجوا لتغييب الوعي والدفاع بطريقة إيحائية خنثوية عن المخطط الإخواني بعد أن أسقطته ثورة 30 يونيو سنة 2013، والحقيقة أنهم يدافعون دفاعًا مدفوع الأجر عن المخطط الأمريكي لإشاعة الفوضى في الشرق الأوسط بهدف تفتيته لمصلحة الكيان الصهيوني! والملاحظ أن هؤلاء جميعًا لهم قنوات اتصال مفتوحة مع السفارة الأمريكية ومراكز التأثير في صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم يتقاضون عن ذلك أجورًا مجزية، تمامًا مثلما يتقاضى عبيد الدولار أجورًا مجزية من أسيادهم في دويلة قطر، الذين هم عبيد لأسيادهم من الصهاينة والأمريكان: وهكذا فإننا نجد أنفسنا إزاء أحط أنواع العبيد... أولئك الذين لا يكونون عبيدًا لسادة حقيقيين، وإنما يكونون عبيدًا لعبيد آخرين! فهل رأيتم من قبل عبدًا يكون عبدًا لعبد. ذلك أحط أنواع العبيد... إنه عبد بالوكالة وليس عبدًا بالأصالة! ومن هؤلاء كثير ممن يدعون أنهم يمثلون منظمات لحقوق الإنسان والمجتمع المدني، وأغلبها منظمات مدفوعة الأجر، ولكنها تريد أن تأخذ الأجر مرتين: مرة من الدول الإمبريالية الإرهابية التي تستخدمها، ومرة أخرى من الدولة المصرية التي تحاول هذه المنظمات ابتزازها! بعض من هؤلاء المعروفين بالاسم، يشتغلون على مشروع لتفتيت مؤسسات الدولة المصرية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، دون أن يكون لهم أية صلة بالثقافة، لا على مستوى الفكر ولا على مستوى الإبداع، ولا على أي مستوى آخر ولو من بعيد!

في ظل هذه الفوضى العارمة المقصودة التي تهدف إلى إجهاض الثورة المصرية، وهو السيناريو الذي يتكرر في كل الثورات الحقيقية، لا سبيل أمام الثورة سوى أن تفرض وجودها الثوري، وهو وجود يتجاوز كل قانون وكل إجراءات قانونية. إن الثورة يمكن- بل يجب- أن تفرض وجودها من خلال وقودها الثوري، وهو وجود مستعر لا يعترف بالمسارات القانونية التقليدية ولا بإجراءات العدالة البطيئة، وإنما يعترف فحسب بالإجراءات الناجزة للعدالة، حتى إن أخطأت هنا أو هناك: فالمنطق الثوري هو المنطق الذي يؤمن بأن الكل يكون فوق الأجزاء، وبأن الوطن يعلو على الأفراد، وبأن مبادئ الثورة يمكن أن تضحي ببعض الأفراد من أجل أن يحيا الوطن!

وعلى هذا يمكن أن ننظر إلى الحكومة التي ينبغي أن تسوس الأمة في فترة الثورة. إنها حكومة من الصقور، أو هكذا ينبغي أن تكون! لا ينبغي أن يكون هناك في أية حكومة ثورية فرد من الحمائم، ولكننا- للأسف المخجل- نجد في حكوماتنا المتعاقبة بعد الثورة كثير من العصافير التي لا ترقى حتى إلى رتبة الحمائم في هذا الصدد! لا يمكن لأي من هؤلاء أن يقدم شيئًا ثوريًا، وإنما يمكنه فقط أن يقدم شيئًا في صورة جديدة لنظام قديم: إنه يجدد في الشكل، ولكنه يُبقِي على الأصل سليمًا مصونًا بمنأى عن أي تغيير! هكذا يكون التغيير في العناوين، من دون أن يتطرق هذا التغيير إلى العمق... إلى الأصل الكامن في العمق!

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق