لفتت نظرى سيدة أنيقة تجلس فى أحد أركان المعرض وأمامها مجموعة ضخمة من الصور النادرة ترجع للقرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من مختلف أنحاء العالم ، وبينما كنت أتأمل هذه الصور الموضوعة فى أُطر أنيقة تمهيداً لبيعها بمبالغ ضخمة إسترعى إنتباهى صندوق من الكرتون ملقى بإهمال تحت منضدة العرض فسإلتها عما يضمه فقالت انها مجموعة من الصور قامت بشرائها ولم تقم بفرزها بعد، فسألتها أن تسمح لى بمشاهدتها فوافقت... وما أن وضعت يدى داخل الصندوق حتى عثرت على مظروف قديم مكتوب عليه مصر «Egypt» وعندما فتحته كانت المفاجأة فقد عثرت على عدد من الصور لمجموعة من السياح الأجانب خلال زيارتهم لمصر فى القرن ال١٩ وبداية القرن العشرين وسرعان ما تأكدت أنها مجموعة نادرة لم تًُشاهد من قبل رغم إنها كانت لمجموعة من السياح داخل بعض المعابد والمقابر الفرعونية بالأقصر والصعيد وأثناء زيارة الأهرام ....

وبخبث عشاق التاريخ وضعت الصور بسرعة داخل المظروف حتى لا يشاهدها غيرى من رواد المعرض وطلبت من السيدة شراء المظروف بكل ما يضمه من صور وبالطبع وافقت وعرفت انها حصلت عليها «من منزل أحد اللوردات الإنجليز الذى قام أحفاده ببيع مقتنياته من صور وإوراق وتذكارات وأثاث بعد وفاة جدتهم » .
وهذه الصور النادرة هى التى أعرضها اليوم والأولى لمجموعة من السياح وغالبًا من الإنجليز يتناولون الغذاء داخل أحد المعابد المصرية ومدون خلف الصورة القديمة إنه معبد فى أبيدوس، واللافت للنظر أن هناك مائدة معدة بعنايه داخل بهو المعبد وبين الأعمدة الفرعونية وعليها كل أدوات الطعام الأنيقة وأطباق من الأطعمة الشهية وزجاجات من النبيذ وحولها مقاعد جلدية صغيرة يجلس عليها الأجانب وحولهم الخدم النوبيون يقومون بخدمتهم دون إى تذمر مما يوحى بأن هذا كان طبيعياً وليس بمستغرب أن يتناول السياح طعامهم داخل المعابد والصورة الأخرى لسياح يتناولون الطعام داخل إحدى المقابر الفرعونية أو أحد المعابد جالسين على بساط كبير وأمامهم زجاجات النبيذ وبعض الفواكه ويبدو أحدهم مستلقياً فى إسترخاء بعد تناول الطعام وكأن النوم أو الحصول على قسط من الراحة داخل المعابد والمقابر أمر طبيعى فى ذلك الوقت ... أما الصورة الثالثة فكانت لمجموعة من السياح يتسلقون الهرم الأكبر بمساعدة بعض المرشدين السياحيين أو ( الدراجومان ) كما كان يطلق عليهم وبعضهم يقوم بشد السائح من يديه والآخرون يدفعونه من الخلف... الطريف فى الصور هو أناقة نساء ورجال هذا الزمان فقد كانوا يحضرون هذه الولائم بأبهى ثيابهم فالسيدات يرتدين الملابس الفضفاضة الأنيقة والقبعات من أخر الموضات والرجال يبدون فى منتهى الأناقة بحللهم الأوروبية مما يضفى جواً من الأناقة والثراء على المكان الاسطورى .

ويقول الاثرى أحمد عبد الفتاح أن مصر قد عرفت زيارات المستشرقين والسياح والمستكشفين والأثرياء من الإنجليز والفرنسيين منذ رحيل الحملة الفرنسية وبدايات القرن التاسع عشر وكان لهؤلاء برنامج محدد للزيارة اهم ما يشمله زيارة القاهرة ومساجدها القديمة ومقابر المماليك وصعود الهرم الأكبر ثم ركوب ذهبية على النيل حتى الصعيد والنوبة وزيارة المعابد والمقابر الفرعونية وبالطبع كان كل شىء متاحاً أمام هؤلاء الأثرياء قبل وضع قانون حماية الآثار فكان مسموحاً لهم بتناول الطعام وحتى المبيت داخل الاماكن الاثرية وكل شىء بثمنه ، وقد كانت البدايه بعلماء الحملة الفرنسية الذين إستخدم بعضهم مقبرة رمسيس السادس فى الأقصر كمكتب ومعمل ومكان للمعيشة وبعدها قامت الحكومة بتجهيز مقبرة رمسيس العاشر لإستخدامها كمكان لإستقبال كبار الزوار وتناول القهوة والمرطبات بعد إكتشاف مقبرة توت عنخ أمون عام ١٩٢٢ مثل فيكتور عمانوئيل ملك إيطاليا وملك وملكة بلجيكا كما قام الشاعر الفرنسى «رامبو» بنقش أسمه على أحد أعمدة بهو أمنحوتب الثالث فى الأقصر فى أواخر القرن ال ١٩ .