هل رأيت ذلك الزر الملقي بإهمال علي رصيف المحطة التي نعبرها كل يوم منطلقين في ذهول كامل إلي مكاتب أعمالنا, أو أسرة غواياتنا, أو صوامع عباداتنا, أو متاهات أنفسنا؟. تري هل منحته ما يستحق من اهتمام واستمعت إلي شكواه؟, وهل انحنيت في حنو لتربت عليه وتضعه برفق فوق أحد نتوءات جدار المحطة ليشهد متاعب العالم ويعرف أنه ليس وحده مؤتنسا بدموع المدوعين وضحكات المستقبلين؟
ذلك الزر الذي قد نعبر بجواره دون اهتمام أو ندوسه كاملا دون مبالاة بوحدته وضياعه, ودون أن نلحظ أنين ألمه من انسلاخ صفحة وجهه- الذي كان مصقولا أملسا- من أثر احتكاكها بالتراب الناعم الذي يسقط من أحذيتنا عن غير قصد. ذلك الزر الذي قد لا نلحظ اختلال دورانه بين خطواتنا المتسارعة لأنه ضئيل مثلنا وبلا إرادة ككرة قدم بين صغار يتقاذفونها, أو كأنه ذرة رمل ضلت طريقها نحو الثقب الأسود الأقرب في المجرة, إنما يخفي عجزه شعورا جارفا بالحنين لذلك القميص الذي ينتمي إليه.
ذلك الزر يخص قميصا واحدا فقط يحتفظ له بمكانه المحدد جيدا بعناية, والذي لا يناسبه زرا غيره, وبينهما تاريخ ورحلة قطعاها سويا. لم يخبرني أحد بأن القميص ينتحب الآن مفتقدا رفيق الطريق, ولكن خبراتي السابقة في الفقد تمنحني بصيرة متعبة لرؤية الحقيقة الكاملة, التي تحكي قصة صاحبته التي اكتشفت أخيرا ضياع زر قميصها فتركته معلقا بإهمال للتخلص منه وكأنه موظف بلغ الستين, أو في انتظار العثور علي زر مناسب بديل, أو تغيير صف الأزرار كاملا واستبداله بطاقم آخر مختلف متشابه حجمه ومتوائم لونه مع نوعية القماش, بينما الزر الوحيد الضائع ملقي علي الرصيف ينعي حظه, لا يعرف طريق العودة مثل طفل ضل الطريق بعد أن أفلت يد أمه التي لم تجد وقتا كافيا كي تلقنه علامات الطريق ليهتدي بها في طريق عودته إن ضاع منها. ذلك الزر التائه الذي راح وغاب بلا رجعة في سكة الندامة دون أخوته, تصفعه رائحة العفن بعد أن ألقاه دون اكتراث يذكر العامل المسئول في كهف وعاء القمامة المظلم. هذا الزر الماكث بلا حول ولا قوة في ميتته الأولي, ينير ظلمة قبره بين المخلفات باجترار الذكريات الحلوة التي ربطته بقميص أبكم في بداية خلقهما بين يدي فتاة مصنع متشوقة لقلب يحنو عليها, وهذا ما يشعر به الآن الزر والقميص وصاحبتهما والمحطة دون أن يجرؤون جميعا علي البوح.
رابط دائم: