هذا سؤال من أصعب الأسئلة الفلسفية علي الإطلاق; لأنه يشبه في صعوبته سؤالنا عن معني الوجود أو الحياة أو الزمان, وما إلي ذلك من الأسئلة الكبري التي لا يتوقف عندها عموم الناس: فكل واحد منا يعيش الحياة بحلوها ومرها,
ولكنه نادرا ما يتوقف ليسأل نفسه عن معني الحياة. كما أن كل واحد منا يشعر بالزمان من خلال ماضيه وحاضره ومستقبله, بل حتي يشعر به من خلال دقات نبضات قلبه التي لا تكف إلا بالموت, والتي تذكره دائما بأن الحياة دقائق وثوان, ولكنه نادرا ما يسأل نفسه: وما الزمان؟! وبالمثل, فإننا نجد الفن في كل مكان من حولنا, يعيش بيننا ويطل علينا, حتي إن لم نسع إليه, من خلال فيلم علي شاشة التليفزيون أو من خلال أغنية عبر المذياع; ولكننا نادرا ما نسأل أنفسنا: وما الفن؟ وحينما تسأل الشخص العادي هذا السؤال, فالأرجح أنه سيندهش من سؤالك, وسيقدم لك أمثلة علي الفن من قبيل: هذا التمثال الذي ينتصب في الميدان, أو تلك اللوحة المعلقة علي الجدار, أو تلك الأغنية الفلانية. ولكننا في هذه الحالة يمكن أن نخبره- مثلما قال أفلاطون لمحاوره- بأننا لا نسألك عن أمثلة للفن... لا نسألك عن أعمال فنية, وإنما نسألك: ما الذي يجعل هذا التمثال وهذه اللوحة أو تلك الأغنية عملا فنيا؟ أي أننا ببساطة لا نسألك عن أمثلة من الأعمال الفنية, وإنما نسألك عما يجعل عملا ما عملا فنيا, وهذه المهمة تصبح أكثر صعوبة في عصرنا الراهن الذي تتماوه فيه الحدود بين الفن وغيره من الأنشطة الإنسانية الإبداعية, كما في حالة رياضة السباحة التوقيعية والرقص علي الجليد علي سبيل المثال. وأغلب الظن أنه عندئذ سوف يبادر بأن يجيبك بأقوال محفوظة متسرعة يرددها العوام عن الفن من قبيل: إن الفن هو مسألة إحساس جمالي يختلف من شخص لآخر, أو أن الفن رسالة اجتماعية وأخلاقية, وما إلي ذلك. وليس غريبا أن نجد مثل هذه الأقوال تتردد أيضا علي لسان بعض الفنانين والفنانات في عصرنا الراهن في عالمنا العربي الذي بلغ ذروة تدهوره الثقافي والمعرفي, وهو التدهور الذي لم تتجاوزه ثوراته الراهنة التي تسعي نحو التحقق والاكتمال, باعتبار أن الثورة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تغيير حقيقي في الذهنية وفهم العالم والأشياء.
وعلي هذا فإننا ينبغي أن نستبعد أولا كثيرا من الأخطاء الشائعة في تصوراتنا عن الفن: فالفن ليس رسالة أخلاقية; لأن الرسالة الأخلاقية محلها الوعظ والإرشاد الديني والأخلاقي لا التعبير الفني والجمالي. ومكمن الخطأ في هذا التصور أنه ينظر إلي الفن( الذي تتجلي فيه القيم الفنية والجمالية) كما لو كان أداة لتحقيق قيمة أخري هي القيمة الأخلاقية, وكأن إبداع الفن والجمال لا يمكن أن يكون غاية في ذاته دون أن يكون وسيلة لخدمة أية قيمة أخري, حتي إن كانت هي القيمة الأخلاقية. وليس معني ذلك أن الفن يكون ضد الأخلاق, فالحقيقة أن الفن ليس مع الأخلاق ولا ضد الأخلاق, وهذا يعني بعبارة أخري أنه يكون محايدا بالنسبة للأخلاق: فربما يتعلق موضوع العمل الفني بمسائل أخلاقية, وقد يتخذ أو لا يتخذ العمل موقفا أخلاقيا إزاء تلك المسائل, ولكن هذا لا شأن له بالقيمة الفنية والجمالية للعمل. فقد تحثنا قصيدة ما علي الفضيلة والقيم الأخلاقية النبيلة, ولكن هذا لا شأن له بقيمة القصيدة كعمل فني; فلكي تكون القصيدة عملا فنيا بحق يجب أن تكتب أولا بلغة الشعر وبشروط الشعر, يستوي بعد ذلك أن تتحدث القصيدة عن الدين والأخلاق أو عن المجون والغزل, أن تتغني بالتصوف أو بالملذات, وهي حتي إن تحدثت في مسائل الأخلاق فينبغي أن تتحدث عنها ضمنا لا مباشرة, وتلميحا لا تصريحا; لأن هذا هو أول شروط الفن في عمومه.
كما أن الفن ليس مجرد رسالة اجتماعية مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية في عصر ما; لأن في الفن شيئا ما من عصره وشيئا ما يتجاوز عصره في الوقت ذاته, وفي هذا يقع شيء ما من لغز الفن وسره: تصوير العام في الخاص, أعني تصوير دلالة إنسانية كلية عامة كما تتجلي في لحظة تاريخية معينة. وربما يفسر لنا هذا بقاء الأعمال الفنية العظمي متجاوزة اللحظة الاجتماعية والتاريخية التي ارتبطت بها.
ولا نريد في هذا المقام أن نشغل القارئ العام بالمجادلات النظرية حول مفهوم الفن التي تناولها الفلاسفة في مئات من المجلدات, والتي ناقشتها في العديد من مؤلفاتي, وإنما سأكتفي بإيجاز رؤيتي للفن في هذا الصدد:
الفن هو التعبير عن معني أو حقيقة شيء ما من خلال التشكيل الجمالي في صورة متعينة. وينبغي أن نتوقف عند عناصر هذا التعريف لنفسر كلا منها علي حدة, وفي علاقته بغيره:
ولعل أول ما ينبغي أن نتوقف عنده في هذا التعريف هو مفهوم' التعبير الفني': فالتعبير الفني يكون من خلال الشكل الجمالي نفسه, ولكن هذا لا يعني أن الشكل الجمالي يكون معبرا بذاته, بمعني أن التعبير يكمن في الشكل ذاته; لأن مفهوم' الشكل الدال بذاته والمعبر بذاته' هو مفهوم بلا معني, ويكاد يشبه مفهوم' الفئة الفارغة' في المنطق, أي المفهوم الذي يتحدث كائنات لا وجود لأفرادها في الواقع( كالغول والعنقاء). فعندما نقول عن صورة جمالية ما أنها' شكل معبر أو صورة ذات دلالة', فلا بد أن تكون معبرة عن شيء ما, وقد يتمثل هذا الشيء في حالة إنسانية شعورية ما أو معني متخيل أو حتي فكرة ميتافيزيقية. والواقع أننا غالبا ما نجد تلك المعاني والأفكار متمثلة أو معبرا عنها بوضوح في الأعمال الأدبية, وها هو ذا ميرلوبونتي يبين لنا ما هنالك من صلة حميمة بين الرواية والميتافيزيقا; إذ أن الأعمال الروائية العظمي قد تنطوي علي فكرة أو أكثر من الأفكار الميتافيزيقية من قبيل: فكرة الذات وصلتها بالحرية عند ستاندال, ولغز التاريخ بوصفه ظهورا لمعني في أحداث اتفاقية عند بلزاك, والأسلوب الذي به يكون الماضي متضمنا في الحاضر عند بروست.. إلخ. ولكن الحقيقة أن ما يقوله ميرلوبونتي ينطبق أيضا علي سائر الأعمال الفنية العظمي التي تسعي إلي تمثل حقيقة الأشياء التي تعبر عنها, وإن كان بدرجات متفاوتة من الوضوح بحسب طبيعة الوسائط المادية الخاصة بكل فن.
ولكننا نود في هذا السياق أن نؤكد أولا علي مفهوم' التعبير العياني' الوارد في تعريفنا أيضا: فالفن يعبر دائما عن الفكرة في' صورة متعينة', أعني في صورة قد اكتسبت ملامح بحيث تبدو مشخصة: فالفكرة في الرواية تتجسد في شخصيات ومواقف وأحداث بحيث تفقد طابعها النظري المجرد, وفي العمل النحتي قد تتجسد- علي سبيل المثال- في وضع جسدي وفي إيماءة ما من إيماءات البدن, وحتي في فن التصوير التجريدي تظل الفكرة حاضرة متعينة في الأسلوب الفني الذي يكسبها تعبيرا خاصا عن روح أو مكنون حالة ما نجدها في الطبيعة والحياة, ولكن دون استعانة بموضوع محدد من الطبيعة أو الحياة. هذا هو لغز الفن الذي يكمن في هذه القدرة علي تصوير العام في الخاص.
لمزيد من مقالات د. سعيد توفيق رابط دائم: