.. ليس من شك في أن المجتمع الانساني يختلف عن المجتمع الحيواني في أن الأول يخدم القانون ويعرفه ويصونه.. أما الآخر فسيان عنده أن يعيش في فوضي أو همجية لأنه يعتمد علي غيره دائما..
وقديما قال سقراط ـ أبو الفلسفة: أنا حر مادمت أحترم القانون! وكلنا يعرف كيف تسلل نفر من تلامذته ونصحوه بأن يهرب من السجن بعد أن حكم عليه قضاة أثينا بالاعدام بتهمة هرطقة الشباب وافسادهم.. فرفض ذلك وقال لهم درسا آخر في الوطنية والانسانية: لن أهرب رغم أنني أعلم أنهم سيعدمونني في الصباح الباكر.. ورغم انني مؤمن أن القانون الذي حكموا علي بمقتضاه قانون جائر.. لأنني ببساطة أريد أن أموت حرا مثلما عشت حرا.. وحريتي هي احترام القانون حتي لو كان جائرا.
هذا ما قاله سقراط يوما.. وهذا معناه أن أي مجتمع انساني لابد أن ينظم حركته القانون.. وطاعة القانون ـ هنا ـ واجبة ولذلك اندهش كثيرا من أن البعض ينادي بعدم احترام قانون التظاهر رغم انه يعلم أن أمن البلاد في حاجة إليه وأننا نعيش في حالة حرب ضد العنف وضد الارهاب.. وشوارع البلاد في حالة احتقان ومصالح الناس معطلة وأماكن العبادة معرضة للسرقة والحرق..
الغريب والعجيب أن بعض الأصوات ترتفع من جانب من يسمون بالقوي السياسية تنادي بعدم احترام قانون التظاهر.. وغاب عن بالهم أن القانون يسمي بقانون تنظيم التظاهر, وأن دولا أخري في العالم تري أنها قمة في الديمقراطية وتضع رغم ذلك ترسانة من القوانين لمجتمعها الانساني من بينها قانون التظاهر, ولم يقل أحد في قواها السياسية انها تجافي الحق وتقيد الحرية وتمنع بالقوة حرية التعبير!!وأعجب ما نسمع أن البعض ـ ومن حسن الحظ أنهم بعض ـ يري أن قانون العقوبات ينص علي معظم بنود قانون التظاهر ومن ثم فلا فائدة من الأخير.. وأجيب عليهم بتجارب الدول الأخري مثل فرنسا التي أخذنا عنها معظم القوانين.. توجد بها ترسانة من قانون العقوبات, ورغم ذلك وضعت قانونا للتظاهر.. ثم إذاكان هناك تكرار في بعض البنود.. علينا أولا أن نقر القانون من حيث المبدأ.. ثم نتدخل بعد ذلك في التفاصيل, ومنها إزالة هذا التكرار.. لكن الغاء قانون التظاهر ليس من الحكمة في شيء اللهم إلا إذا كنا نريد أن نعيش في فوضي لا يرضي بها القريب والبعيد!.
وهنا أذكر أنني شاركت في مظاهرة حدثت في باريس ضد انشاء حديقة ديزني لاند.. وكان علي رأسها جاك لانج وزير الثقافة في عقد ميتران.. وكنا نرفع شعارات كثيرة منها: لا للدودة الأمريكية! لأنها كانت تعتبر السماح بانشاء ديزني لاند نوعا من الاحتلال الأمريكي لباريس.. وهذا شيء مرفوض طبعا.. ما عرفته يقينا أن القائمين علي تنظيم هذه المظاهرة قد التزموا أمام البوليس الفرنسي بأن تلتزم المظاهرة بالسلمية.. وألا يعتدي المتظاهرون علي أحد.. وحددوا طريق سير المظاهرة, كما حددوا ساعة البدء وساعة النهاية..وكانت المظاهرة تحت اشراف رجال البوليس لحمايتها حتي عاد المتظاهرون إلي بيوتهم.
ولم يعترض أحد علي ذلك.. ولم ترتفع أصوات تتهم الدولة بأنها تقمع الحريات وتمنع حرية التعبير.. كما هو الحال عندنا.. فنعم لقانون تنظيم التظاهر, لأن ذلك ارساء لمبدأ الأمن والأمان الذي نريده لبلادنا حتي يكون هناك استثمار وسياحة وثقافة وعمل دءوب ليل نهار.
اننا لايجب أن نزدري القوانين.. لأنها تضبط ايقاع المجتمع الذي نحن في حاجة إليه.. وحتي لا تتحول بلادنا إلي فوضي نرجو الله أن يحفظ مصر من شرورها... وكفانا شهداء الواجب الذين يسقطون يوميا من ضباط وجنود الداخلية الذين شاءت أقدارهم أن يكونوا أوصياء علي تنفيذ القانون.
وعقيدتي أن أحدا لا يكره هؤلاء.. وإنما نحن نكره القوانين في ذاتها.. وآية ذلك اننا لا نجد شيئا نفتخر به ونعيده, ونكرره علي مسامع الآخرين سوي عدم احترامنا للقوانين أو نكسرها في المرور والمواصلات والطائرات.. إلخ.
ولأننا لانملك حيلة مع القانون الذي يجب أن نكون أمامه سواسية كأسنان المشط.. فنصب جام غضبنا علي المنفذين للقانون سواء كانوا من جنود الداخلية أو جنود الجيش..
باختصار يجب أن نحترم آدميتنا ومجتمعنا الانساني باحترام القوانين المنظمة لحريته.. ثم نغلب المصلحة العامة علي المصلحة الشخصية والحزبية العتيقة, وأن تكون مصر الملتزمة بقانون تنظيم التظاهر فوق الجميع.. ولا نستهين بتجارب الشعوب الأخري التي تتقدمنا في طريق الديمقراطية.. لأن هذه خبرات ملك البشر..
أخيرا: اننا نرفض مبدأ التخوين.. فالكل وطني ويريد الخير لبلده.. فقط مصالحنا الشخصية يجب أن تتضاءل بحيث تبقي مصر فوق الجميع.
لمزيد من مقالات د. سعيد اللاوندي رابط دائم: