يخطئ من يعتقد أن عملية التجسس التي تقوم بها أمريكا في العالم هي الأولي من نوعها.. فقد سبق أن قامت أمريكا بعمليات تجسس ليس فقط علي أوروبا
ولكن علي عدد من دول العالم لمعرفة ماذا يدور في مؤتمراتها ونقاشاتها.. ويقال إن باكستان وايران والصين هي من أكثر الدول تعرضا لعمليات التنصت التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكي.. أما اسبانيا( في أوروبا) فقد تعرضت لعملية تجسس شملت نحو 60 مليون محادثة هاتفية!
ولا ينزعج أحد من هذا العدد الضخم الذي يشمل المحادثات الهاتفية, فبالامكان التقاط مليار رسالة خلال نصف ساعة ثم تصفيتها لانتقاء المهم منها.
والمعروف أن شبكة التجسس موجودة منذ عا 1970 وتم توسيعها عام.. 1975 وانضمت لها بريطانيا وكندا واستراليا ونيوزلندا.
وقديما كشف تقرير أوروبي علي درجة كبيرة من السرية شبكة تجسس واسعة تعمل لحساب أمريكا ـ وهذه الدول السابقة ـ مهمتها التنصت علي دول الاتحاد الأوروبي عبر نظام الكتروني دقيق يقوم بالتقاط المكالمات الهاتفية, والمراسلات البرقية.. ثم تتولي ادارة تابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكي تصنيف هذه الاتصالات وتبويبها ورفع المعلومات المهمة فيها إلي الادارات التنفيذية العليا..
وتعتمد هذه الشبكة وتسمي الشلون علي محطات مثبتة في القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول العالم وتقوم بنقل مختلف أنواع الاتصالات عبر نظام يعرف بنظام الكلمات ـ المفاتيح وكانت مصادر الاتحاد الأوروبي ذكرت في بروكسل أن عمليات التجسس التي تم ضبطها تجري من خلال تغذية أجهزة الكمبيوتر بكلمات معينة تود الادارة الأمريكية أن تعرف كل المناقشات والاقتراحات حولها مثل: كلمة نواة, أو ذرة أو صناعة أو تسليح أو عقود.. الخ, وفي أثناء فرز وتصنيف الاتصالات تقوم أجهزة الكمبيوتر بتخزين كل المعلومات الواردة حول هذه الكلمات ـ المفاتيح وذكرت ذات المصادر أن شبكة الشلون معروفة منذ سنوات, ولكن الدول الأوروبية لم تكن تعرف كيف ترد عليها.
وأشارت إلي أن فرنسا ـ مثلا ـ أنفقت في هذه الفترة عدة مليارات, وكذلك المانيا من أجل الرد علي هذه الهجمة التجسسية الأمريكية. ومن المعلوم أن نظام التنصت معروف في دول كثيرة مثل فرنسا واسرائيل والمانيا وروسيا إلا أن شبكة الشلون الأمريكية لايوجد لها مثيل لا من حيث الضخامة ولا الاتساع ولاالدقة في التقاط الاتصالات..
وليس من شك في أن أخطر نتائج هذه الفضيحة التجسسية الأمريكية علي أوروبا. والعالم هي أن فكرة الديمقراطية أصبحت مهددة, بل ضعيفة أمام ارادة السيطرة التي تجعل دولا مثل أمريكا لا يطرف لها جفن عن بنوك المعلومات ونقل كل ما تحويه ذاكرة العالم أماكن طريق البوليس السري أو شبكات التجسس!
والمعروف أن هذه الفضيحة قد أخذت أبعادا سياسية واستراتيجية في هذه المرة, لأن التجسس الأمريكي امتد لتصل إلي انجيلا ميركل المستشارة الألمانية ومحمولها الخاص ليس اليوم, ولكن منذ أكثر من عشر سنوات..
والحق ان أمريكا قد أدمنت عمليات التجسس علي الأصدقاء والأعداء حقا.. وقبل سنوات كشف كتاب باللغة الفرنسية بعنوان: عين واشنطن.. استخدام أمريكا للمعونة التي تقدمها للشعب العربي الفلسطيني.. وأوضح انها اشترطت علي أن يتم تقديم هذه المعونة في شكل كومبيوترات وطلبت أن توضع في هيئات الكهرباء والمياه.. لمعرفة استهلاك البيوت.. وقد تعاونت معها المخابرات الألمانية ثم قامت بمد اسرائيل بالمعلومات عن الفدائيين الذين يترددون علي البيوت في غزة ورفح!
بمعني آخر وكما قال ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق إن أمريكا تعلم أن بقائها علي قمة الهرم العالمي لن يستمر إلي الأبد.. لذلك لا تتورع عن استخدام كل الوسائل للبقاء في مكانها كأكبر دولة في العالم ولخدمة الأجيال الأمريكية المقبلة.. ويحس ديك تشيني أن هذا الأمر يعني البقاء سيدا..
وأخيرا لا أتوقع أن تحدث خصومة قوية بين أمريكا من ناحية وبين أوروبا من ناحية أخري.. فقط هو حديث عن اعتذارات أمريكية كما قالت ميركل.. واهتزاز للثقة لكن لن تصل العلاقات الأطلسية إلي حد التصعيد.. ليس فقط لأن أوروبا تتجسس أيضا علي دول أخري..ولكن لأن هذه الدول تتنفس مناخا من السيطرة والاستعمار, ناهيك عن أنهم قالوا يوما: من يأكل نفس الطعام ويتنفس نفس المناخ.. لن يتعاركا!
باختصار ستعود المياه إلي مجاريها قريبا لأن أمريكا في حاجة إلي أوروبا.. والأخيرة في حاجة إلي أمريكا..
لمزيد من مقالات د. سعيد اللاوندي رابط دائم: