قلنا مرارا وتكرارا أن الثورة المصرية قامت بدور مهم باعتبارها تعبر عن مرحلة كاشفة وفارقة في آن واحد, وبهذا الاعتبار نجد ذلك أوضح ما يكون بصدد خطوط حمر فاصلة أكدتها هذه الثورة منذ أن قامت.
أولها يتعلق بالامتناع عن التعامل مع الفلول باعتبارهم يشكلون كيانا للثورة المضادة وبما أدوه من أدوار للحفاظ علي النظام البائد علي استبداده وفساده, والثاني يتعلق بامتناع استدعاء أو استعداء الجيش في إطار الحياة المدنية والسياسية, ذلك أن هذا الأمر يشكل خطرا كبيرا علي أحد أهم أهداف هذه الثورة بتأكيد مدنيته, وبالاعتبار الذي يؤكد أن الجيش له من الوظائف ليس من بينها الحكم أو الممارسة السياسية التي تشكل ميدانا لتفاعل القوي السياسية والمدنية في إطار من التنافس والتدافع السياسي الذي يحرك طاقات العمل المدني في علاقات الدولة بالمجتمع, أما الخط الفاصل الثالث فإنما يتعلق بامتناع استدعاء الخارج في الشأن الداخلي لأن ذلك في خطورته ينفي معاني استقلال الإرادة والإدارة.
تذكرت كل ذلك وغيره حينما تاهت هذه الخطوط الفاصلة وغامت وتماهت ولم يعد يعرف لها معني أو أثر, وبرز ذلك في الإدراكات والخطابات والمواقف والأفعال. وتذكرت في ذات الوقت ذاته أنه في علم الاتصال السياسي هناك ظاهرة مهمة هي التسميم السياسي التي كتب عنها أستاذنا الراحل الدكتور حامد ربيع, بما تشير إليه من محاولة زرع أفكار معينة أو قيما دخيلة من خلال التضليل والخديعة ثم العمل علي تضخيم هذه القيم تدريجيا لتصبح قيما عليا في المجتمع المستهدف, وعملية التسميم السياسي بهذا المعني, مرحلة من مراحل المعركة مع الخصم أو مقدمة لمعركة قادمة, وهي تستهدف تبديل القيم أو التحلل من قيم معينة بشكل تدريجي وغير مباشر, والأخطر من كل هذا أن التسميم لا يمارسه العدو مباشرة وإنما يتم استعمال نخب فكرية وثقافية وفئات مختارة لتنقل لها في مرحلة أولي- الأفكار الدخيلة, ثم تترك هذه النخب والفئات في مرحلة ثانية- لتنقل تلك الأفكارإلي الجماهير من خلال أدوات الدعاية والإعلام المختلفة, حملة شاملة تستخدم كل الأجهزة والأدوات المتاحة للتأثير في نفسيات وعقول وذاكرة الجماعة أو الأمة أو الشعب المحدد; وذلك بقصد تغيير أو تدمير مواقف معينة, وإحلال مواقف أخري محلها تؤدي إلي سلوك يتفق مع مصالح وأهداف الطرف أو الأطراف- الذي يقوم بعملية التسميم السياسي, وغالبا ما تكون هذه العملية موجهة إلي أمة أو مجتمع, بما يؤثر علي العقول والأفئدة عن طريق التلاعب بعناصر التكوين المعنوي, الأمر الذي يمثل قمة التوجيه السياسي أو المعنوي.
وهذه العملية تقود إلي التصادم بين النوعين من القيم, سواء تم ذلك علي المستوي الفردي أو علي المستوي الجماعي,وهكذا يعد التسميم السياسي إحدي العمليات أو المقدمات المنطقية التي يعاد من خلالها تشكيل الإطار الذي ينطلق منه الرأي العام في مجتمع معين, بحيث يتم تشكيل ذلك الرأي العام إزاء القضايا التي تواجهه بشكل يتناسب مع القيم الجديدة الزاحفة والمضادة التي تم غرسها, أو تسريبها إلي عقله ووعيه الجماعي أو ذاكرة النخبة المثقفة والقائدة فيه. تذكرت كل هذه المعاني التي حددها الدكتور ربيع في إطار عملية تسميم سياسي واسعة للشعب والوطن بعد الثورة للالتفاف عليها والعمل علي إجهاضها وتشويهها, ويتضح ذلك من خطاب ومواقف وأفعال ارتبطت بمحاولات تشويه هذه الثورة قامت بها الثورة المضادة في البداية, ثم انتقلت للأسف علي ألسنة نخبة أرادت أن تنشر هذه الأفكار في وسائل الإعلام وفي إطار مقولات أزالت الحدود بين من قاموا بالثورة وبين خصومها من الفلول والثورة المضادة, وفي إطار يسوغ لمشاهد لا يمكن تصديقها تجمع بين الثائر والفلول, والقاتل والمقتول, مشهد يؤكد كيف تمرر هذه الأفعال بحيث تسوغ تحالفا من كثير من القوي في مواجهة الإخوان أو حكمهم ويسوغون هذا الاصطفاف ممن ينادون بحماية الثورة مع من قاموا بالثورة ضدهم, ويتحالفون لعداوة الثورة هادفين إلي إجهادها وربما إجهاضها, لا أريد أن احدد هذه المشاهد بشخوصها فهي معروفة لدي الجميع تحاول أن تمارس تبريرات غير مقبولة وغير معقولة, هذا كله إنما يشكل تماهي الحدود بين من يسمون بالثوار ومن يسمون بالفلول, في محاولة لتبرير اصطفاف وتمرير وجود المتناقضات ضمن هذا التحالف غير البريء. كذلك فإن هذا الخط الأحمر الذي يتعلق باستدعاء واستعداء العسكر إلي الحياة السياسية بل ومطالبتهم بالانقلاب علي سلطة شرعية, وفي هذا الإطار فإن هذه المطالبات أيا كان مصدرها تعبر عن محاولة لهدمكيان هذه الثورة في إطار استدعاء للجيش للقيام بدورليس من أدواره, واستدعاء في مقام غير مقامه, وفي إطار يحاول طمس تلك الصفحة الجديدة في كتاب العلاقات المدنية العسكرية والتي تشكل تعيينا للأدوار وإسنادا للوظائف بما يحقق مصالح الوطن وبما يؤسس لعلاقة سوية بين مؤسسات وسلطات الدولة والمجتمع. وضمن هذه السياقات فإن الخطابات والأفعال التي تتعلق باستدعاء الخارج في قضايا هي من صميم إدارة الداخل من مثل قضايا تتعلق بالتحول الديمقراطي والعلاقة بين السلطات فإن الأمر يكون شديد الخطورة من تهديد البعض بتدويل بعض القضايا اعتقادا منهم أن ممارسة الضغط من خلال الاستقواء بالخارج أمر من الأمور التي يسمح بها في العمل السياسي, وهذا لعمري من الخطوط الحمر التي يجب عدم تجاوزها في إطار العمل السياسي وتشكيل مسارات الحياة السياسية.
ومن ثم تبدو كل هذه العمليات من إدراكات وخطابات وأقوال وأفعال إنما تعبر عن معاني التسميم السياسي الذي يحاول تحويل الخطوط الحمر كخطوط فاصلة فارقة إلي مسائل وقضايا تائهة مائعة, إن هذا التطور الذي أسهم في تشويه الثورة ليعبر عن عملية تسميم واسعة لا يمكن قبول مضامينها علاوة علي مكنوناتها, لأنها لا يمكن أن تصب إلا في مصلحة الثورة المضادة والالتفاف حولها وتشويه وجهها ومحاولة القضاء علي مكاسبها في إطار التمكين لعمل سياسي يقوم علي قاعدة من فرز الثورة كحالة فارقة وكاشفة, بين من هم من أهل الثورة وبين من هم من خصومها, ومن ثورة تحافظ علي مدنيتها لا يمكن بحال السير في طريق عسكرتها, ومن ثورة نابعة مستقلة إلي سياسات تابعة لا يمكن قبولها, ضمن هذا يمكن أن نواجه عملية التسميم السياسي بزرع قيم أخطر ما تكون علي الثورة وعلي الشعب وعلي المجتمع تسهم في هدم القيم الراسخة وقيم الميادين الفاعلة وقيم هذا الشعب الحافظة ومصالح هذا الوطن الواضحة. و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض, قالوا إنما نحن مصلحون.
لمزيد من مقالات د.سيف الدين عبد الفتاح رابط دائم: