قلبي يكاد ينفطر وأنا أتابع الوضع المؤسف والحالة المتردية التي وصلت إليها منظومة التعليم العالي في مصر, فالمستوي العام يتراجع ويحتاج لثورة تغيير تبدأ من عقول الوزراء وكبار الموظفين, ثورة تساندها إرادة شعب يتطلع لفرصة تعليم متميزة تؤهل أبناءه لاقتناص فرص التوظيف محليا وعالميا.
إرادة شعب قامت ثورته في الأساس من أجل التعليم لأنه يؤمن بأن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا من خلال تعليم ناهض وواعد ومتطور, ولكن إرادة الشعب يجب أن يقابلها إرادة شجاعة من الدولة المصرية ومن رجال الحكومة وللأسف فإن التصريحات الإعلامية لوزيري التعليم سواء العالي أو التربية والتعليم تكشف عن غياب الخبرة والرؤية ولا هدف منها سوي إصابة الناس بالحموضة وارتفاع ضغط الدم والخيبة الثقيلة التي تنتظر أبناءهم.
وما يقلقني هو أن يبدأ وزير التعليم العالي مهمته لتطوير المنظومة من خلال الجامعات الخاصة, ورغم أن ذلك أمر محمود أن يسعي الوزير لدفع هذه المؤسسات الخاصة للأمام فإنني أذكر الوزير أن هذه الجامعات لا تستوعب سوي6% من إجمالي المقيدين بالجامعات الحكومية, يعني بالكاد يصل إجمالي المقيدين بجميع كليات الجامعات الخاصة لعدد طلاب تجارة القاهرة فقط. كما أن الجامعات الخاصة تتعامل مع شريحة معينة من المجتمع, وبالتالي لا يجوز أن يزايد الوزير علي المواطن الغلبان من خلال وضع نظام جديد بها يضمن عدالة القبول ولا أدري عن أي عدالة يتحدث الوزير لأن القاصي والداني يعلم جيدا أن نظام القبول الحالي لهذه الجامعات لا يعاني مشكلة من الأساس وكل الجامعات لا تشغل جميع الأماكن بها بما فيها الجامعتان الأمريكية والألمانية بجلالة قدرهما وقواعدهما الصارمة وحجم الإقبال عليهما لا تستوعبان جميع الأماكن الشاغرة في عدد من كلياتها بسبب عدم انطباق معاييرها الداخلية علي المتقدمين والمشكلة كلها في هجمة حملة الثانوية العامة من ابناء القادرين نضع تحت كلمة قادرين خمسين خطا علي كليات الطب وطب الأسنان وحل هذه المشكلة لا يحتاج لكل قرارات وتصريحات الوزير بوسائل الإعلام عن خطته الجديدة التي لن يستفيد منها سوي 5% من طلبة الثانوية العامة.
والحقيقة أن اهتمام الوزير بالجامعات الخاصة فقط وقواعد القبول بها يعني أمرين إما أن الوزير مهتم بشريحة الخمس نجوم, أو أن الوزير هدفه الشو الإعلامي والمزايدة علي المواطن الغلبان كل ذلك يصب في إطار التقليد النمطي الذي لا يغني ولا يسمن سوي أن نظل نتحدث نظريا ونرسب عمليا علي الدوام, والواضح أن هناك تناقضات في الدائرة القريبة من وزير التعليم العالي فكيف لأمين مجلس الجامعات الخاصة الذي يدير هذا الملف المهم أن يكون رجل أعمال يمتلك مدارس خاصة أليست هذه خيبة ثقيلة, بالإضافة إلي كتيبة من المستشارين يكلفون خزينة الدولة آلاف الجنيهات مقابل خبراتهم المتواضعة فيما عدا أسماء محدودة.
ومن الغرائب أن يتم ندب مدير عام بالشئون الإدارية ليقوم بمهام وكيل وزارة التعليم العالي لشئون المعاهد الخاصة وتجاهل أصحاب الخبرات المهنية والفنية وهذا يكشف عن فكر جديد في التطوير يعتمد علي أهل الثقة مقابل أن يذهب أهل الخبرة إلي الجحيم خاصة أن صاحب الحظ كان يعمل من قبل بمكتب الوزير وتمت ترقيته منذ شهور مديرا عاما. والامثلة كثيرة.
وفي يقيني أن الخطوة الضرورية التي ينبغي لوزير التعليم العالي العمل الجاد من أجل تحقيقها هي رفع يد السلطة عن الجامعات ودعم استقلالها وزيادة موازنة الجامعات الحكومية وطرح الأفكار والبرامج التي تفجر المنافسة بينها وتبني أهداف وطنية واستراتيجية تدفع عجلة الاقتصاد وتمنح الجامعات دورا جديدا في خدمة التنمية الشاملة مثل كل جامعات العالم.
وكنت أنتظر أن تكون قضية استقلال الجامعات في مقدمة أولويات الدكتور محمد مرسي باعتباره أستاذا جامعيا حصل علي درجة الدكتوراة من الخارج, ويعلم جيدا كيف تكون الجامعات مستقلة ولكن للأسف, لا الرئيس ولا الوزير تبني خطوات حقيقية في سبيل هذا الهدف فأي دولة تسعي للريادة يجب أن يتوافر لديها ثلاثة مقومات أساسية هي جامعات مستقلة وقضاء عادل وإعلام حر. واحوال الثلاثة لدينا لاتسر عدوا ولاحبيبا.
وفي النهاية يجب أن يعي النظام أن التعليم لا يكون استثمارا حقيقيا إلا بقدر عوائده الإنسانية والاقتصادية, ولابد أن يدرك الجميع أن الصراع السياسي يجب أن يكون بعيدا عن الجامعات.
لمزيد من مقالات علاء ثابت رابط دائم: