كأننا نقول بتربيع الدائرة عندما نقول عبث استراتيجي, فكما أن الدائرة لها خصائصها التي تتناقض مع خصائص المربع,
ومن ثم يستحيل منطقيا تربيع الدائرة, كذلك فإن التفكير الاستراتيجيي إذ يعني سعة الإحاطة والنهج العلمي ومهارة التخطيط والقدرة علي استشراف المستقبل وعمق استقراء الواقع, نجد التفكير العبثي يعني الإطاحة بكل هذا.
لكن ما نقصده هنا بالعنوان هو ما يشير إليه المثل الشعبي الشهير: من بره الله الله, ومن جوه يعلم الله, وكذلك: في الوش مراية وفي القفا سلاية, إزاء ما يحدث, زعما بتطوير استراتيجي للتعليم! ففي الوقت الذي كانت فيه ورقة تطوير التعليم الصادرة في عهد وزارة الدكتور مصطفي كمال حلمي تعكس صورة من صور التفكير الاستراتيجي الحقيقي, إذا بعام1987, يشهد ظهور استراتيجية تطوير التعليم في مصر, في عهد الدكتور أحمد فتحي سرور, حيث كان لي يد طولي في كتابتها, لكن ظروفا متعددة أحاطت بهذا صرحنا بها وانتقدناها في وقتها مما لا داعي معه لتكرارها, ويكفي فقط الإشارة إلي أنه بعد ظهور هذه الاستراتيجية, أعلن الدكتور سرور قنبلته المدمرة للتعليم عندما أصدر قانونا بإنقاص مدة التعليم الابتدائي سنة كاملة, ولم نقل في الاستراتيجية شيئا من هذا أبدا, وهو الأمر الذي كلف التعليم في مصر أضرارا فادحة في تكوين مئات الآلاف من أبنائنا.
لكن الفترة التالية للدكتور سرور شهدت بدورها ما هو أسوأ, وفق مقومات التفكير الاستراتيجي. صحيح أن الدكتور حسين بهاء الدين, صاحب أطول تاريخ في تولي وزارة التربية, لم يصدر استراتيجية, لكنه فعل ما هو ألعن, عندما أصدر كتابا تكرر تجديده كل فترة, بعنوان( مبارك والتعليم) كان تعبيرا صريحا وفاقعا لما وصل إليه التفكير في التعليم من ذروة النفاق والتملق, وتزويق الواقع بالوهم وزخرفته بالخيال.
وقد أعلنا وقتها رأينا صراحة وأمام مؤتمر علمي كبير, مصطحبين معنا جملة تقارير ووثائق تطوير التعليم في مصر من زمن علي مبارك في القرن التاسع عشر, مظهرين أنها المرة الأولي في تاريخنا, يقرن فيها تقرير بتطوير التعليم باسم رئيس الدولة, ثم لا يقف الأمر عند هذا, بل وتعلن كل صفحة من صفحاته, بأنها مستلهمة من فكر حسني مبارك, وكأنه مفكر تربوي لم نشهد له مثيلا, هذا في الوقت الذي كان قد صرح فيه هذا الرئيس ـ المفكر التربوي ـ ردا علي من كانوا يطالبون بمشروع قومي لمصر, بأن مثل هذا المشروع موجود فعلا, ألا وهو مشروع المجاري الكبير, أواسط الثمانينيات!
وفي وزارة الدكتور يسري الجمل, صدرت استراتيجية أخري عام2007, حيث توافر لها عدد من المقومات التي تعين علي أن تكون أفضل مما سبقها, لكن المشكلة هنا كانت تكمن في تمويلها وفي متابعتها والمشاركة فيها, والمناخ الذي أحاط بها, حيث كانت تفوح برائحة التبعية والدوران في الفلك الأمريكي الذي كان قد تمكن من التغلغل في وزارة التربية بشكل متجذر وفاضح بحجة المعونات ـ التي أتخمت جيوبا وأفقرت وطنا ـ لكن عندما تري اختيارات الفاعلين ـ إلا من رحم ربي ـ والتوجهات الكلية, تشعر بأن المراد تغييب ركائز أساسية في الهوية الثقافية المصرية, وخاصة عروبتها وإسلامها. ولم يكن هذا نشازا عن اللحن العام القائم في هذه الفترة من هيمنة النفوذ الأمريكي, وبلوغ الفساد المجتمعي ذروته, والتمهيد للتوريث, والتحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني.
وطوال مسيرة تطوير التعليم, برزت عدة تصورات استراتيجية من حين لآخر, لكنها مع الأسف الشديد, لم تكن تتعدي الصفحات التي كانت تكتب عليها, لتنزوي في دروب النسيان, ودهاليز التاريخ, دون ترجمة, ولو جزئية في حركة التطوير الذي ظللنا نحلم به- وما زلنا- منذ أن بدأ الرجل الأمي محمد علي يقيم بناء دولة مصر الحديثة, في أوائل القرن التاسع عشر, وفقا لما هو منطقي وعلمي, بالاعتماد علي تطوير التعليم, في حركة تواكب عموم النهضة.
فمن صور التفكير الاستراتيجي التي عبر بها حالمون بالتطوير: إعطاء أولوية للتعليم في مواقع الفقر, وذلك استنادا إلي أن الطريق القويم إلي التنمية الاجتماعية والاقتصادية يستلزم التركيز علي قطاعات الفقر في المجتمعات, فتحررها من الجوع والجهل والمرض والبطالة والتخلف, وبالتالي يصبح ذلك توفيرا لبعض أسس تقريب الفوارق بين الطبقات, وترجمة حقيقية للعدالة الاجتماعية, وإتاحة الفرصة لطاقات وفعاليات نسبة لا يستهان بها من أبناء الشعب أن تنطلق بالفعل في حركة النهوض المجتمعي. ومن هذه الصور أيضا, ما تصوره فريق آخر من أولوية محو أمية الكبار, علي أساس أنه هذا, إذ هو أصلا مطلب إنساني ملح, وله ثمراته السريعة والمباشرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية, فهو كذلك يعين علي تحقيق تعميم التعليم, ومن ثم يساعد علي الارتفاع بمستوي التعليم النظامي, حيث يعين علي الارتقاء بالمستوي المعرفي للآباء, وبالتالي ييسر تربية الأبناء تربية تقوم علي الجدية والتعمق. بيد أن مثل هذه الصورة, لا تستطيع أن تحقق المأمول منها ما لم يرافقها تجديد في طرق تعليم الكبار, والربط بين محو الأمية وعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية, الأمر الذي لم يتحقق حتي الآن. كذلك هناك من رأي أن هذا الالتصاق بمجري نهر النيل, قد أفرز ما يصعب حصره من المشكلات, ومن ثم فلابد من الخروج من أسر الوادي, إلي آفاق الصحراء الممتدة التي يجب أن تكون هي المسرح الرئيسي لعمليات التنمية. وبالتالي فإن تطوير التعليم, مفروض فيه أن يخرج من جلباب التعليم التقليدي في الوادي, ليقتحم آفاقا جديدة, سواء من حيث أنواع المعارف التي نحن بحاجة إليها, أو في طرق الحصول عليها, أو ما تستلزمه من تقنيات, فضلا عن تصور جديد لابد أن يكون للمبني المدرسي, والأنشطة, وأساليب التقويم, وتوظيف المعرفة, وما لا يقل عن ذلك أهمية: إعداد المعلم القادر علي المغامرة واقتحام المجهول, والمجدد, وفي ظل إدارة تعليمية تقوم علي تشجيع المبادرات, ومنطق التفويض, وتوزع المسئولية.
واستقراء واقع ما تضمه المناطق المستصلحة والمدن الجديدة خارج الوادي, يؤكد لنا أنها لم يشهد إلا النذر اليسير من كل هذا, فما المخرج الفعال إذن لتفكير استراتيجي سوي يعيننا علي تطوير حقيقي للتعليم, يجعل منه زنادا حقيقيا لنهضة مجتمعية؟
خبير واستاذ في أصول التربية
لمزيد من مقالات سعيد اسماعيل على رابط دائم: