العلاقات بين الدول تحكمها العديد من المحددات، مثل التاريخ، والجغرافيا السياسية، والمصالح الاقتصادية، ودرجة التشابه الثقافى، أو الأيديولوجى كما كان فى بعض المراحل خاصة خلال مرحلة الحرب الباردة. لكن مع أهمية هذه المحددات والتى توصف بالموضوعية objective، فإن هذا لا يقلل من الوزن النسبى للمحددات الذاتية subjective، والتى ترتبط بالقيادات والنخب السياسية، وتنصرف إلى العقيدة السياسية، والإدراكات المتبادلة بين القيادات والنخب السياسية، والصور الذهنية. تأثير المحددات والمتغيرات الموضوعية يمر من خلال المحددات والمتغيرات الذاتية، فقد يكون تأثير الأولى إيجابيا؛ كأن يكون هناك تاريخ إيجابى مشترك بين بلدين، وجغرافيا سياسية محفزة للتعاون، وتخلق أساسا لمصالح اقتصادية حقيقية، بجانب التشابه الثقافى والأيديولوجى، لكن مع ذلك لا تؤسس هذه المتغيرات الموضوعية لعلاقات حقيقية وقوية بين البلدين بسبب حالة المتغيرات الذاتية، كأن يكون لدى القيادات السياسية على الجانبين عقائد سياسية متناقضة، أو إدراكات سلبية متبادلة، حيث تقف المتغيرات الذاتية هنا حائلا دون تحويل المتغيرات الموضوعية إلى واقع أو حالة إيجابية، إن لم تتم قراءة هذه المحددات الموضوعية الإيجابية بشكل سلبى بفعل المتغيرات الذاتية.
العلاقات بين مصر والصين تستند إلى حزمة من المتغيرات الموضوعية الإيجابية؛ إذ يخلو تاريخ البلدين من أى خبرات سلبية. بل على العكس ما زال يذكر الصينيون أن مصر كانت من أوائل الدول التى اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، وما زال يذكر المصريون أن الصين كانت دوما فى مقدمة الدول التى وقفت بجانب الخيارات التاريخية للشعب المصرى. ورغم التباين الثقافى بين البلدين، لكن هذا لم يؤسس لأى صدام بين البلدين، فقد استقر إدراك متبادل بأن كلا منهما يمثل امتدادا لإحدى الحضارات الإنسانية الكبيرة، ثم نجح البلدان مؤخرا فى تحجيم متزايد لفجوة اللغة والثقافة من خلال التوسع فى دراسة اللغة الصينية فى مصر، واللغة العربية فى الصين، وتراجع الوزن النسبى للمحدد الدينى فى بناء الصور الذهنية المتبادلة. ورغم أن مصر والصين لا ينتميان إلى إقليم جغرافى واحد لكن الجغرافيا السياسية تظل عاملا مهما فى توسيع وتعميق مصالحهما الاقتصادية والأمنية المشتركة؛ بفعل البحر الأحمر وقناة السويس اللذان يمثلان مساحة ربط رئيسية بين الصين والأقاليم الآسيوية من ناحية، وأوروبا من ناحية أخرى، حيث يصعب استبدالهما بممر بحرى آخر. ويفسر ذلك الأهمية النسبية التى أولتها مبادرة الحزام والطريق، فى مكونها البحرى، للبحر الأحمر وقناة السويس، بالإضافة إلى الاستثمارات الصينية فى منطقة غرب السويس.
هكذا، يظل التاريخ، والجغرافيا السياسية مصدران مهمان لبناء علاقات متميزة بين البلدين، لكن هذه المحددات والمتغيرات الموضوعية لم تكن لتحقق النقلة النوعية فى علاقات البلدين خلال السنوات العشر الأخيرة بمعزل عن دور للمحددات الذاتية وعلى رأسها طبيعة القيادتين السياسيتين فى البلدين متمثلتين فى الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الصينى شى جين بينج.
تأثير السيسى وشى جين بينج على مسار العلاقات خلال السنوات العشر الأخيرة جاء من خلال حزمة من السمات السياسية والشخصية للقيادتين، والتى تشير ليس فقط إلى حالة التوافق السياسى بينهما، ولكن أيضا إلى إنتمائهما إلى نمط من القيادات السياسية غير النمطية فى العالم. أول تلك السمات، هو التشابه فى العقيدة السياسية. الأمر لا ينصرف فقط إلى انطلاقهما من عقيدة سياسية واحدة، لكن الأهم هو طبيعة هذه العقيدة، والتى تقوم على عدد من المكونات، أهمها؛ الإيمان بالدولة الوطنية باعتبارها الوحدة الأساسية فى النظام العالمى، وضرورة حمايتها فى مواجهة أى فاعلين دون الدولة. يرتبط بذلك الحفاظ على مبدأ السيادة باعتبار ذلك أحد الأسس التى قام عليها النظام الدولى والتى ضمنت استقرار النظام لعقود طويلة. من ذلك أيضا إيمانهما بأهمية وجود جوار إقليمى مستقر وآمن وثرى. بعض القيادات السياسية، خاصة تلك التى لديها مشروعات تنموية كبيرة، تبنى مصالحها ومشروعاتها تلك على حساب إقليمها وعلى حساب دول الجوار المباشر، لكن هذا لا ينطبق على حالتى السيسى وشى جين بينج؛ إذ يؤمن كل منهما بأن استقرار واستدامة مشروعه التنموى يعتمد، بل ويرتبط، بوجود جوار إقليمى مستقر وآمن وثرى. هذه هى الفلسفة التى قامت عليها رؤية السيسى تجاه منطقة شرق المتوسط وما يتضمنه من موارد بحرية مهمة، وتجاه إقليم الشرق الأوسط بشكل عام، وحرصه على إعادة الإقليم إلى شكله الطبيعى واستعادة الاستقرار، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية باعتبارها الوحدة السياسية الرئيسية التى يجب أن يقوم عليها الإقليم. الأمر نفسه فيما يتعلق بالرئيس شى جين بينج، الذى يؤمن بوجود علاقة إيجابية وقوية بين استدامة مشروع الصعود الصينى ووجود إقليم ودول جوار آمنة ومستقرة وثرية. هذه الفلسفة هى التى حكمت مبادرة الحزام والطريق التى تربط الصين، وأقاليمها الداخلية، بعدد من أقاليم العالم وفى مقدمتها أقاليم الجوار المباشر (جنوب آسيا، جنوب شرقى آسيا، ووسط آسيا)، وهى أيضا الفلسفة التى حكمت علاقة الصين بالأقاليم والمسطحات المائية التى تشكل امتدادا للمسطحات المائية المباشرة المرتبطة بالصين. بالإضافة إلى هذا التوافق المهم فى العقيدة السياسية، ينتمى السيسى وشى جين بينج إلى نمط القيادات السياسية الإصلاحية القوية.
السمات السياسية والشخصية السابقة للسيسى وشى جين بينج لم تلعب فقط دورا فى تعزيز التأثيرات الإيجابية للمحددات والمتغيرات الموضوعية المسئولة عن واقع العلاقات المصرية الصينية، وتوسيع وتعميق هذه العلاقات، لكنها أفسحت المجال أيضا أمام دور دولى لمصر والصين، سواء بشكل ثنائى منسق أو بشكل فردى. الدور الذى تقوم به الصين فى مجال الدفاع عن إصلاح النظام الدولى، والنظام الاقتصادى العالمى، وإعادة هيكلة المؤسسية الدولية، لا ينفصل عن الدور الذى تقوم به مصر والرئيس السيسى فى الدفاع عن مصالح الاقتصادات النامية والناشئة.
***
تأثير السيسى وشى جين بينج على مسار العلاقات خلال السنوات العشر الأخيرة جاء من خلال حزمة من السمات السياسية والشخصية للقيادتين، والتى تشير ليس فقط إلى حالة التوافق السياسى بينهما، ولكن أيضا إلى إنتمائهما إلى نمط من القيادات السياسية غير النمطية فى العالم. أول تلك السمات، هو التشابه فى العقيدة السياسية. الأمر لا ينصرف فقط إلى انطلاقهما من عقيدة سياسية واحدة، لكن الأهم هو طبيعة هذه العقيدة
[email protected] لمزيد من مقالات د محمد فايز فرحات رابط دائم: