حتى أشدّ المدافعين عن حرية التعبير بدأ يظهر بينهم مَن يتخوفون مِن كثير مما يُطرَح على السوشيال ميديا! فحتى من كانوا يدافعون عن الشطط فى الآراء، بتفاؤلهم أنه سبيل لأن تتفتح زهور، بدأت تظهر بينهم أصوات تطالب بعلاج لهذه الفوضى الخطيرة التى تزداد تفشياً مع الأيام، بعد أن كانوا يظنون أنها اضطرابات البدايات، ويتوقعون لها أن تنضبط مع الوقت، إلا أنهم انتبهوا أخيراً للأخطار التى تخطت إساءة التعبير والتطاول والتجريح وتدهور اللغة وطرق التعبير ونشر الخرافة والشعوذة والشائعات الضارة وعدم تدقيق الأخبار، إلى التمادى بالتساهل فى القطع بأحكام خاطئة وساذجة دون علم أو خبرة، أو حتى قدرة على الاستيعاب وخوض حوار، فى قضايا معقدة ومهمة تَمسّ أوضاعاً حرجة، فى الشئون الداخلية وفى قضايا العالم المعقدة، وفى مجالات العلوم والفنون! وزاد الخطر من تأثير هؤلاء على جماهير من البسطاء ينساقون خلفهم إلى ما يهدد المجتمعات ويعوق تطورها! وقد وفَّر كل هذا فرصة، حتى فى الدول الديمقراطية، لأعداء الحريات المعرقلين لإتاحة الأجواء للجميع لإبداء الرأى، ولكنهم بدلاً من أن يطرحوا علاجاً إذا بهم يستغلون الحالة، المُتفَق على خطرها، كذريعة تدعم توجهاتهم الراسخة بالتوسع فى فرض قيود ورقابة وعقوبات تهدد العقلاء الجادين بما سوف يصيبهم! وهكذا، إذا بالمنابر الثمينة التى وفرتها السوشيال ميديا لطرح وجهات النظر المُصادَرَة ولنشر العلم والآراء المفيدة، تنقلب، أو يسعى البعض لقلبها، لتصير أداة لوأد آمال عظيمة وخنق أصحابها ومصادرة مصلحة الجماهير.
من تعقيدات المشكلة لدينا أن البعض يدافعون عن هذه المخالفات الجسيمة ويعتبرون التصدى لها مصادرة لحرية التعبير! ولكن، ودون ضرب أمثلة صارخة يجدر مساءلة أصحابها، بالضبط كما يُساءَل الصحفيون والإعلاميون إنْ نشروا أو بَثّوا مثلها أو أهون منها، فإنّ التهاون مع هذه النوعية من مخالفات السوشيال ميديا يُهدِر حقَ مَن يضارون منها، كما يُنَفِّر كثيرين من هذا الاختراع الذى هو بالفعل من أهم ابتكارات الإنسانية فى العصر الحديث، والذى ينطوى على ممكنات طفرية لإحداث تطور كبير كان قديماً مجرد حلم يلزم لتحقيقه اختراع كهذا، بما يُوجِب حمايته.
[email protected]لمزيد من مقالات أحمد عبدالتواب رابط دائم: