رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الكتب البيضاء

شهدت مؤخرًا احتفالية متميزة دعا إليها – بإعداد جيد – الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية، فكانت مثالا لما يليق بمؤسسة تكرم أبناءها وتعطى كل ذى حق حقه وتضع موازين للأعمال البارزة لوزراء الخارجية السابقين وأبناء الوزارة المعروفين، وكنت قد اقترحت قبل ذلك على المتحدث الرسمى لوزارة الخارجية السفير تميم خلاف أن نقيم حفل تكريم لاسم أسامة الباز وتاريخه الحافل فى خدمة الوطن وإثراء مسيرة الدبلوماسية المصرية، ثم فوجئت بعد ذلك بمبادرة كريمة من وزير الخارجية بالدعوة إلى احتفال مهيب فى مقر الوزارة القديم بميدان التحرير، حيث قرر الوزير الاحتفاء بعدد كبير من وزراء الخارجية الذين رحلوا عن عالمنا وتكريم أسمائهم احترامًا وعرفانًا، وأضاف إليهم اسم أسامة الباز الذى لم يكن وزيرًا للخارجية ولكن إسهاماته الكبيرة تفوق كل المناصب الدبلوماسية.

وقد حضر الاحتفال حشد متميز من الدبلوماسيين المصريين المتقاعدين بحكم السن والمتألقين بحكم الخبرة، وجلست أرقب الوجوه التى عرفتها عبر العقود الخمسة الماضية من أبناء الوزارة الذين يمثلون رموزًا شريفة للعمل الوطنى فى المجال الدبلوماسى مكملين الطريق لمن سبقونا ومضوا فى طريق اللاعودة، وبعضهم قضى شهيدًا للمهنة بالمعنى الحرفى للكلمة، وقد تحدث وزير الخارجية بخطاب رصين فى تكريم هؤلاء وأولئك، وكان لى شرف الحديث عن أسامة الباز الذى أعتبره أستاذى أنا وجيل كامل من أبناء الدبلوماسية المصرية.

ولقد تذكرته هو والدكتور بطرس بطرس غالى اللذين أثرا فى التكوين الفكرى لشباب الدبلوماسيين وأسهما فى تحديث وزارة الخارجية والتمكين لها على ساحة الوطن العربى عبر السنين، وتذكرت أثناء الاحتفال ذلك اليوم الذى دعانى فيه أستاذى الدكتور عبدالملك عودة عام 1977 بعد زيارة الرئيس السادات للقدس، وقال لى إن الدكتور بطرس غالى كما تعلم قد أصبح وزير دولة وسيكون معنيًا بملف الاشتراكية الدولية والأحزاب السياسية، وهو يريدك أن تكون مديرًا لمكتبه، وكنت عائدًا من لندن بعد حصولى على دكتوراه الفلسفة فى العلوم السياسية من جامعتها الشهيرة، وقلت للدكتور عودة يومها إن مدير مكتب الوزير فى الخارجية يكون سفيرًا، وإن درجتى صغيرة لا تسمح بذلك وقتها. وما هى إلا أيام قليلة حتى تولى الدكتور بطرس غالى حقيبة الشئون الخارجية كوزير دولة يترأس مكتبه «سفير ممتاز»، وقد فوجئت بعد ذلك بعدة أيام أن الدكتور غالى يستدعينى أنا والدكتور محمود مرتضى الزميل الذى يسبقنى بعدة سنوات لكى نذهب إليه فى مكتبه، وقال لنا يومها إننى أتحدث إليكما باعتباركما من تلاميذى قبل أن تكونا دبلوماسيين فى خدمة بلدكما، وأريدكما أن تبدآ بإعداد ملف كبير لمجموعة من الكتب البيضاء التى ترتبط بالأزمات الدولية أو المشكلات السياسية، على أن تصدر تلك الكتب عن وزارة الخارجية لكى تكون ذاكرة حقيقية للعمل الدبلوماسى المصرى وتحفظ تاريخه المضىء، واقترح علينا الدكتور غالى يومها أن نبدأ بزيارة للمستشار عمرو موسى مدير إدارة الهيئات فى الوزارة ونناقش معه اقتراح الوزير وكيفية تطبيقه، فكان ميلاد مجموعة الكتب البيضاء التى أصدرتها وزارة الخارجية ومازالت تقوم بإصدارها فى المناسبات الدولية والإقليمية المختلفة، وقد عكفت أنا وزميلى وانضم لنا زميل ثالث بعد عودته من الخارج هو د.محمد نعمان جلال ومضت المسيرة فى طريقها لتكون إضافة حكيمة لتوثيق العمل الدبلوماسى الوطنى على المستويين الإقليمى والدولي.

وبدأنا بكتاب أول عن اتفاقيات كامب ديفيد وما أثير حولها والوثائق المرتبطة بتلك المرحلة، ومضت القافلة فى تقليد محمود عصرى لكتب بيضاء أخرى حول هموم الشرق الأوسط والقضايا الإفريقية ومياه النيل وغيرها من الموضوعات الكبرى التى ملأت الدنيا وشغلت الناس، وجاء وزراء للخارجية بعد ذلك اهتموا بالفكرة وعملوا على إثرائها والتمسك بها، وقد رحل الدكتور محمود مرتضى عن عالمنا منذ سنوات وما زال الدكتور محمد نعمان جلال يصارع وهن الشيخوخة، وأنا شاهد على هذا العصر أسعد كلما رأيت مسيرة الدبلوماسية المصرية تتألق فى خدمة وطن ليس ككل الأوطان، فهو أرفعها شأنًا وأعرقها إرثًا وأطولها تاريخًا، وحين أنظر حولى أجد أن مدرسة الدبلوماسية المصرية لا تقف وحدها ولكنها شريك ملتزم مع مهمة أقدم جيوش المنطقة وأكثرها انتصارًا للعدل والتزامًا بالحق، وأتذكر مؤسسات أخرى لدينا منها مدرسة الرى المصرية المرتبطة بنهر النيل الخالد، ومدرسة الطب العريقة كذلك، ومرفق العدالة المرتبط بالقضاء المصرى الشامخ، ومرفق الأمن العام المرتبط بتاريخ الشرطة المصرية، حتى مرفق السكة الحديد للدولة التى أنشأت ثانى خط سكة حديد وكان بين القاهرة والإسكندرية. ولذلك نطلق على تلك المدرسة الأخيرة «الدريسة» فى إشارة إلى مجمل العاملين فى تلك المؤسسة التاريخية التى عاصرت تطورها أجيال مضت.

تحية للمدارس الشامخة فى تاريخ مصر الحديثة، واحترامًا للدبلوماسية المصرية ووزرائها العظام، وتقديرًا للقائمين والقائمات على ذلك الحفل الرائع الذى جدد لدينا روح الانتماء وعمق عندنا الإحساس بالولاء.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: