قررت الحكومة الاسترالية حظر امتلاك الأطفال والنشء أقل من سن 16 عامًا حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وألزمت الأخيرة التحقق من سن أصحاب الحسابات عليها بوسائل متعددة، وإغلاق حساب من هم أقل من السن المقررة، وإلا ستواجه غرامة مالية تصل إلى نحو 32 مليون دولار أمريكي. ويٌعد القرار هو الأول من نوعه، ويٌتوقع أن تسير على نهجه دول أخرى ترى خطورة متصاعدة على الأطفال والنشء من جراء الاعتماد المتواصل على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد جاء القرار فى ضوء دراسات أثبتت أن نحو 96% من الأطفال تحت سن 15 سنة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وسبعة من بين عشرة أطفال يتعرضون إلى محتوى مؤذ بالنسبة لهم، يشمل كراهية المرأة، والعنف، وعادات غذائية سيئة، والانتحار، وتزايد مخاطر الإصابة بالتوحد، وأشار نصف عدد الأطفال إلى تعرضهم إلى التنمر الالكتروني، وقد جاء قرار الحكومة الاسترالية بهدف إفساح المجال أمام الأطفال والنشء لقضاء أوقات أفضل فى أنشطة اجتماعية وإنسانية، بعيدا عن الشاشات.
ورغم أن هناك دراسات عديدة تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعى تلعب دورًا مهمًا فى تعزيز المساواة بين الأفراد، من خلال إتاحة المعلومات، والتواصل، والتفاعل الاجتماعي، وكذلك فى الحصول على خدمات أفضل، والمشاركة المجتمعية، والمساءلة والشفافية للجهات الحكومية، خاصة على المستوى المحلي، فإن تصاعد الحديث عن مضارها العقلية والنفسية الناجمة عن سوء الاستخدام يدفع كثيرين على المستوى الاجتماعى إلى فرض قيود على استخدام الأطفال والنشء لها، قبل أن تدخل الحكومات على خط المواجهة، بقرارات الزامية.
وبعيًدا عن الحديث عن الجوانب الإيجابية والسلبية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هناك على الأقل أربعة تحولات أساسية أحدثتها فى بنية تفكير الشخص المُستخدم لها، ولاسيما إذا كان من النشء والشباب.
أولا: تزايد المُحتوى «الغريزي» فى حياة الأشخاص، وتحول الأمر من «الاهتمام بالجسد» إلى «التفكير بالجسد». فى هذا السياق يظهر محتوى جنسى كثيف على وسائل التواصل الاجتماعى ليس فقط تحت لافتة «الجنس»، ولكن بين ثنايا قضايا ونقاشات ومواد فيلمية وأخبار، سواء بحديث صريح أو بدلالات رمزية على نحو يعزز مركزية الجسد بوصفه أساسا للتفكير والانشغال الدائم، وتتقلص أمامه الثقافة الإنسانية، والعاطفة، والنظرة غير المادية للحياة.
ثانيا: تراجع خصوصية «الأفراد»، التى تٌعتبر من أهم منجزات الثقافة الحديثة، نتيجة وجود تكنولوجيا «مؤنسنة» إلى جوارهم سواء كانت هواتف محمولة أو شاشات أخري، لا تتيح للإنسان أى مساحة للهدوء والاختلاء بالذات، علاوة على أنها تشجعه على التضحية بخصوصيته تحت لافتة «البهجة» و«التواصل» وتقليد الآخرين، حيث يميل مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعى ولاسيما الشباب إلى نشر جوانب من حياتهم الشخصية، وصورهم، والمناسبات الخاصة التى تجمعهم بالآخرين، ولعل فى تنامى ظاهرة «الفوتوسيشن» قبل وفى أثناء وبعد الزفاف مثالا مباشرًا على كشف الحياة الشخصية واللحظات الخاصة على الملأ.
ثالثا: ارتفاع معدلات «التجرؤ» فى الحديث على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال قطاعات من المستخدمين ليسوا على وعى أو معرفة بالموضوعات التى يتحدثون فيها، ويميلون إلى تسجيل آراء حادة يطل منها العنف اللغوي، والنظرات الإنسانية الجافة، ونظرا للتواصل الدائم بين الشخص والشاشة تنطبع تلك الصفات السلبية على شخصيته، وتنتقل معه إلى علاقاته فى الحياة العادية. هنا يبدو الامتزاج والتداخل بين حالتى «أوفلاين» و«أونلاين». المفترض أن ينعكس تكوين الشخص فى الحياة الواقعية المباشرة «أوفلاين»، على تفاعلاته فى العالم الافتراضى «أونلاين»، فإذا كان جادا أو تافها أو غريزيًا أو مثقفًا فى الحياة سوف ينعكس ذلك على شكل ومضمون تفاعله على السوشيال ميديا. الجديد فى الأمر أن تفاعل الشخص فى العالم الافتراضى أكسبه خصائص سلبية انتقلت معه إلى معاملاته المباشرة فى الحياة مثل الحدة، والغضب، وضيق الصدر بالحوار، والتنمر، وغيرها.
رابعًا: كثرة الخطابات الطائفية والتعصب والطعن فى الأديان والمعتقدات على نحو غير مسبوق، مما يسبب التشوش والتوتر عند قطاعات واسعة من مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعي، يضاف إلى ما يتلقونه من أخبار كاذبة، ومعلومات مشوهة، وأحاديث مٌفبركة، ومساجلات وهمية، على نحو أدى إلى ما يٌطلق عليه دوليا «عفن الذهن»، مما يقلص من قدرة الأفراد على الحكم السليم على ظواهر الحياة، ويصيبهم بالاضطراب النفسى والذهني.
يُعبر ما سبق عن ظواهر تتصل بتغيير نظرة المرء إلى ذاته والآخرين، تستقر داخله بشكل لا واع، وتوجه بوصلة تفكيره نحو مسارات لا إنسانية فى الحياة، بحيث تسلب إرادته بدلا من أن تتيح له مساحات أوسع من التعبير عن الرأي، واكتساب المعرفة.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزي رابط دائم: