عاد فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية إلى التحذير من مغبة احتمالات اندلاع المواجهة المسلحة بين بلدان الاتحاد الأوروبى وروسيا. وقال فى اجتماع مع نشطاء حزب "فيديس" (الاتحاد المدنى المجرى) الحاكم فى المجر، إن الحرب من المنظور السياسى، باتت قاب قوسين أو أدنى. وأضاف أوربان: "إن الدول الأوروبية تستعد للحرب مع روسيا بحلول عام 2030، لكن المجر ترفض ذلك". ولم يكتف أوربان بذلك، وألحق ذلك بقوله: إن "المرحلة الأولى تشمل قطع العلاقات الدبلوماسية؛ والثانية تشمل فرض عقوبات اقتصادية ووقف التعاون الاقتصادى؛ والثالثة تشمل القوات المسلحة والانتقال إلى اقتصاد عسكرى (وهو ما يحدث الآن)؛ والمرحلة الرابعة هى الصدام المسلح". وذلك ما سبق وأعلنه الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، مؤكدا أنه إذا أرادت أوروبا الحرب مع روسيا، فإن روسيا تعلن استعدادها لها "من الآن". وأضاف قوله فى إشارة غير مباشرة لا تخلو من مغزى "أنه قد لا يجد بعد ذلك من قد يتفاوض معه"، وذلك فى تلميح يغنى عن أى تصريح.
وإذ أشار أوربان إلى أن بلاده فى خطر، وأن المهمة هى ردع الاتحاد الأوروبى عن أى عمل عسكرى، أشار إلى أن إجراءات بودابست وحدها قد لا تكفى. وكان رئيس الحكومة المجرية سبق وقال " إن الاعتراف بالهزيمة فى الصراع فى أوكرانيا سيؤدى إلى تغييرات فى السياسة الأوروبية". كما أعرب عن اعتقاده أن قادة الاتحاد الأوروبى لم يقبلوا بهذه النتيجة بعد، مؤكدا أن ذلك فى سبيله إلى أن يكون واقعاً مثلما سبق وحدث مع الهجرة. وكان أوربان من أوائل المعارضين للهجرة غير الشرعية، ورفض كل قرارات الاتحاد الأوروبى التى سبق وأصدرها بهذا الشأن منذ عام 2015، كما أقام فى حينه حائطا مع بعض الدول المجاورة للحيلولة دون تدفق المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط.
وانتقل رئيس الحكومة المجرية إلى التنديد بالفساد فى بروكسل وكييف، مُشيراً إلى ما وصفه بـ"السياسات المنافقة" للاتحاد الأوروبى الذى قال، إنه غض الطرف عن السرقات الهائلة التى جرت فى العاصمة كييف من جانب القيادات الأوكرانية.
ومضى ليقول إن بروكسل، وفى إشارة لا تخلو من مغزى إلى الاتحاد الأوروبى، تواصل التظاهر بعدم حدوث أى شىء، بما يعنى عمليا الضلوع عملياً فى مثل هذه الجرائم. واستطرد رئيس الحكومة المجرية فى حديثه عن الفساد، ليشير ثانية إلى ما جرى العثور عليه فى مسكن تيمور مونديتش صديق وشريك الرئيس الأوكرانى زيلينسكى منذ عملهما سوية فى فرقة "كفارتال -95" المسرحية الكوميدية، من حقائب مليئة بالعملات الأجنبية فى المكاتب الأوكرانية. ولم يقتصر الأمر على فضيحة مونديتش الذى فر هاربا تحت جنح الظلام إلى بولندا ومنها إلى إسرائيل، حيث سرعان ما جرى الإعلان عن تفتيش مسكن أندريه يرماك رئيس الإدارة الرئاسية لزيلينسكى، وهو ما اعتبره مراقبون كُثُر بمثابة "اتهام" له بالضلوع فى الفساد. وقد حاول الرئيس الأوكرانى احتواء "الفضيحة" بإصدار مرسوم إقالته، وأن تؤكد المصادر الأوكرانية أن يرماك الذى سبق وقال إنه "قرر الاستقالة من منصبه والالتحاق بالجبهة"، لايزال باقياً فى مناصبه العديدة التى تتجاوز العشرة مناصب، وهى تلك التى سبق وتمتع بها منذ بداية سنوات رئاسته لمكتب الرئيس الأوكرانى. ونذكر بهذا الصدد أيضا أن البرلمان الأوكرانى سرعان ما اتخذ قراراته أيضا فى حق عدد من الوزراء وكبار المسئولين فى قطاع الطاقة ممن شملتهم حملة "المكتب الوطنى لمكافحة الفساد فى أوكرانيا" الذى وقف وراء تشكيله عدد من الدوائر الغربية وفى مقدمتها "مؤسسات أمريكية".
وكانت الأيام القليلة الماضية قد شهدت فى وقت مواكب لانفجار "حملات" المكتب الوطنى لمكافحة الفساد فى أوكرانيا، الكشف عن فضيحة مماثلة وهى فضيحة اعتقال فريديريكا موجيرينى المفوضة السابقة للشئون السياسية للاتحاد الأوروبى، بتهمة الفساد والاختلاسات المالية، بما يعنى أيضاً أن المؤسسات الأوروبية لم تكن أيضاً بعيدة عن الوقوع فى شرك الفضائح والرشاوى للدرجة التى تشى بأن المسئولية المتبادلة أصبحت الوسيلة الوحيدة للبقاء لكلا الجانبين، على حد تعبير مراقبين كُثُر.
وذلك ما تناوله أوربان أيضاً فيما كتبه على موقع التواصل الاجتماعى «إكس» حول أن الاتحاد الأوروبي، وبدلًا من إدانة الفساد، أصبح «أداة ابتزاز». وكتب أيضا أنه "كان ينبغى على الاتحاد الأوروبى اتخاذ موقف ضد الفساد فى أوكرانيا، لكن القصة مكررة: بروكسل وكييف تتستران على بعضهما البعض بدلًا من مواجهة الحقيقة"، مضيفًا أن أوروبا نفسها "تغرق فى الفساد".
وحول تجميد الأصول الروسية المالية بما قيمته زهاء 300 مليار دولار، قال أوربان إن بلاده منعت إصدار سندات اليورو من الاتحاد الأوروبى، والتى كانت تُعتبر خيار تمويل بديل لأوكرانيا. وذلك ما تناولته مطبوعة "بوليتيكو" بما أشارت إليه نقلا عن مصادر دبلوماسية، قالت إن المجر منعت إصدار سندات اليورو من الاتحاد الأوروبى لدعم أوكرانيا.
ومن جانبه أعلن وزير الخارجية المجرى بيتر سيارتو، أن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى فى كوبنهاجن خلص إلى أن بروكسل ومعظم الدول الأوروبية غير مهتمين بنجاح العملية السلمية حول أوكرانيا. وبهذا الصدد قال سيارتو فى حديثه الى الصحفيين" إنه أصبح من الواضح فى اجتماع وزراء الخارجية لبلدان الاتحاد الأوروبي، أن "بروكسل ومعها جزء كبير من دول الاتحاد الأوروبى يستعدان لاستمرار الحرب أمداً طويلًا. بروكسل ومعظم دول الاتحاد الأوروبى غير مهتمين بنجاح العملية السلمية". ونقلت المصادر الأوروبية ما قاله سيارتو حول أن الاتحاد الأوروبى ينوى تخصيص "عشرات المليارات من اليوروهات" الجديدة من أموال دافعى الضرائب الأوروبيين لشراء الأسلحة والطائرات المسيرة لأوكرانيا، ودعم جيشها، وضمان أداء الدولة الأوكرانية".
ومن اللافت فى هذا الصدد أن مطبوعة "بوليتيكو" " أشارت فى وقت مواكب لما أدلى به كل من أوربان وسيارتو، إلى أن الاتحاد الأوروبى سوف يُترك دون "خطة بديلة" محتملة إذا فشل فى إيجاد طريقة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل قرض بقيمة 165 مليار يورو لكييف، وفقًا للبيانات الصادرة بهذا الشأن، التى قالت إن هذا المبلغ يشمل 25 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة فى حسابات مصرفية خاصة فى دول الاتحاد الأوروبى، بالإضافة إلى 140 مليار يورو من "بنك يوروكلير" البلجيكى.
وفى هذا الشأن أيضاً سبق وأعلنت كايا كالاس مفوضة الشئون السياسية الأوروبية، عن وجود عجز كبير لدى دول الاتحاد الأوروبى فى تمويل أوكرانيا، فيما طالبت بالعثور على المصادر اللازمة لتمويل العجز الذى تواجهه أوكرانيا.
وقالت إن "عجز التمويل لأوكرانيا هائل، وعلينا إيجاد المصادر اللازمة لعملية تمويلها. لكن من الواضح أيضا أن الواقع السياسى هو أن بلجيكا والعديد من الدول الأخرى لا ترغب فى مناقشة هذا الآن".
أما عن موقف الكرملين من كل هذه المحاولات الرامية إلى مصادرة أصول روسيا المالية فى الخارج، ذكر الرئيس فلاديمير بوتين أن السلطات الروسية تعمل على إعداد حزمة من الإجراءات الانتقامية فى حال مصادرة الأصول الروسية. وأضاف أنه "من الواضح للجميع" أن هذا سيُمثل "سرقة لممتلكات الغير". ولم يُحدد بوتين الإجراءات التى قد تُطبق. وقالت المصادر الروسية إن" محاولات مصادرة الأصول السيادية فى الغرب تشكل خطراً كبيراً على جميع الدول التى تقع أصولها تحت السيطرة الغربية".
وأشارت المصادر الروسية بهذا الشأن إلى أن روسيا، إلى جانب شركائها الذين يمثلون أغلبية العالم، ستواصل مكافحة الإجراءات أحادية الجانب غير المشروعة.
ولمنع أى رد انتقامى من جانب السلطات الروسية فى حال مصادرة أصول روسيا، كشفت المفوضية الأوروبية عن حظر إنفاذ قرارات المحاكم الأجنبية داخل الاتحاد الأوروبي، وفقا لما قالته رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، التى أضافت أنه وللحيلولة دون ذلك من الخيارات الأخرى، يمكن طرح تجميد الأصول الروسية المجمدة بشكل دائم. وبهذا الصدد أوضحت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، أن المقترح يتضمن حظرًا مؤقتًا على "أى تحويلات مباشرة أو غير مباشرة إلى البنك المركزى الروسي" باستخدام صلاحيات الطوارئ الممنوحة للمفوضية الأوروبية، بدلًا من فرض عقوبات يجب تجديدها بانتظام، بموافقة جميع دول الاتحاد الأوروبى.
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أنها بحثت مع المستشار الألمانى فريدريش ميرتس ورئيس وزراء بلجيكا بارت دى ويفر اقتراح استخدام الأصول الروسية لتمويل كييف، مؤكدة عدم التوصل إلى توافق بهذا الشأن.
وكتبت فون دير لاين فى منشور على منصة "إكس": "التقيتُ المستشار الألمانى ورئيس الوزراء البلجيكى لتبادل وجهات النظر بشأن الوضع فى أوكرانيا والأصول الروسية المجمّدة، واتفقنا على أن عامل الوقت بالغ الأهمية فى ضوء المستجدات الجيوسياسية الراهنة"، إلى جانب ما أضافته حول أن اللقاء شهد "تبادلا بنّاء للآراء" حول هذا الاقتراح.
ومن جانبها، حذرت روسيا مرارا من عواقب هذه الخطوة، وأكد وزير الخارجية الروسية سيرجى لافروف، أن الاستيلاء على الأصول السيادية الروسية فى أوروبا يشكل "سرقة صريحة"، إلى جانب تأكيده على أن روسيا "سترد على أى مصادرة للأصول المجمدة"، موضحا أن بمقدور موسكو أيضا رفض إعادة الأموال التى تحتفظ بها الدول الغربية داخل روسيا.
رابط دائم: