رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

أهم أفكار 2025 «أرض خراب» .. الجغرافيا السياسية الجديدة

«إن الأمل، عندما لا يرتبط بالإيمان، ولا يتم لجمه بحقائق التاريخ، يصبح قيمة خطرة؛ فهو لا يهدد فقط أولئك الذين يتبنونه ويثقون به، بل يهدد أيضا كل من يقع فى نطاق أوهامهم»...

وردت هذه الكلمات فى نص «استعمالات التشاؤم» للفيلسوف البريطانى المحافظ «روجر سكروتون»(1944 ــ 2020)،اقتطفها وقدم بها عضو مجلس سياسات الدفاع الأمريكية وخبير الجغرافيا السياسية «روبرت ديفيد كابلان (73 عاما) كتابه الجديد المثير للتفكير والجدل «أرض خراب: عالم فى أزمة دائمة» Waste Land: A World In Permanent crisis؛ كى يحذر قارئه من هول الإفراط فى التفاؤل غير المستند إلى مقومات جعله واقعا، إذ إنه يصبح فى هذه الحالة أملاً وهميا. هذه الصيحة التحذيرية التى يطلقها «كابلان»، عبر التمهيد المقتطف الذى تصدر كتابه الأخير، ينطلق من رؤية مفادها أن العالم قد دخل إلى نفق مظلم بسبب الحروب، والصراعات والتدهور المناخى والتكنولوجيات التى قلبت حياة البشر رأسا على عقب والفقر واللامساواة التاريخية غير المسبوقة والأوبئة. فلقد انحشر العالم، فى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين فى هذا النفق الذى جعل منه»أرضا خرابا»؛ حسب القصيدة الخالدة للشاعر الأمريكي/البريطانى الحائز نوبل فى الأدب عام 1948 ت. س. إليوت (1888 ــ 1965)؛ ترجمها لويس عوض (1915 ــ 1990) فى ستينيات القرن الماضى.

ينطلق، إذن، «كابلان» من واقع عالمى مأزوم؛ فالجغرافيا التى كانت مصدرا للقوة ومنحت كثيراً من الإمبراطوريات والدول، تاريخيا، الهيمنة أصبحت موضعا للنزاع الحاد من قبل الكثيرين: القوى القديمة والجديدة الصاعدة والسلطويات الإقليمية والجماعات الإثنية والحركات الشعبية والقوى اللانظامية. ذلك لأن القدرة على التوسع، الجغرافى والعسكرى ومن ثم الاقتصادي؛ التى كانت تمارس تاريخيا وتستأثر بها قوى بعينها أصبحت تواجه بالكثير من التحديات والتقاطعات. فى هذا المقام، يبين «كابلان» أن القوى، القديمة والجديدة، باتت تتحرك فى فضاء عالمى مشبع، ومكتظ بالتشابكات المختلفة، لا يتيح مساحات المناورة إلا عبر دفع أثمان مكلفة على جميع المستويات. ما يجعل الجميع «منهكا»: الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى.

لذا لم تعد الأزمات وقائع أو أزمات طارئة، بل أصبحت حالة مستدامة. إذ لا يلبث يتعرض إلى أزمة حتى يقع فى أخرى، حيث تتقاطع الأزمات وتتشابك ليصبح العالم عالقا فى شبكة من الأزمات التى لا تنتهى من: صراعات مناطقية متكررة بدلا من الحروب العالمية الكلية، وصعود قوى إقليمية لملء فراغات القوة التى تتركها القوى الكبرى لسبب أو لآخر،...،إلخ، ما حول العالم بالفعل إلى أرض خراب .

لم تعد الجغرافيا السياسية فى نظر «كابلان» تلك الجغرافيا التضاريسية والخرائطية التى ترتبط بالمكان / الموقع الذى تتم السيطرة عليه بالقوة المادية فقط، بل صارت الجغرافيا السياسية أكثر تركيبا ذا طابع شبكى عابر للحدود. فالعولمة المالية ذات التدفقات التريليونية «الأثيرية» التى تدار من قبل الشركات المتعددة/المتعدية الجنسية العابرة للقارات، والبورصات وبيوت المال والأسهم من جهة، والعمليات المشبوهة للسيطرة على الموارد عبر شركات الحرب والجماعات اللانظامية من جهة أخرى، قد صارتا حاكمتين للجغرافيا السياسية فى هذا العصر. لذا بات من السهل أن تتحول أى شرارة فى منطقة ما إلى زلزال عالمى يتمثل، على سبيل المثال لا الحصر، في: توقف/تعثر سلاسل التوريد، موجات هجرة، انهيارات بيئية، كوارث حياتية، توترات نووية،...،إلخ. إنها مرحلة تاريخية تماثل فى نظر «كابلان» المرحلة الفوضوية التى عاشها العالم بين الحربين العالميتين فى الربع الثانى من القرن العشرين (من 1918 إلى 1939)، ويستحضر هنا نموذج جمهورية فايمار، وهى الجمهورية التى نشأت فى ألمانيا بديلا للحكم القيصرى فى ذاك الوقت كنتيجة مباشرة لهزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، فبالرغم من بعض المزايا التى اتسم بها هذا النموذج فإن الفوضى كانت عارمة ما مهد للنازية، حيث: تراجعت القوى الكبرى، وهزلت المؤسسات الدولية وتآكل دورها فى الواقع، وتزايدت الفجوة بين النخب السياسية والقواعد المواطنية،...إلخ. كما فاقمت التكنولوجيا الرقمية، بالرغم من مزاياها الكثيرة، من الفوضى، لأنها سارعت من تفشى الأزمات والإحساس بها من جانب، كذلك التلاعب بعقول ومشاعر الأفراد/المواطنين ومن ثم التحكم فى خياراتهم والحيلولة دون بناء موقف جماعى متماسك حيال الفوضى ومن يقفون خلفها.

وعليه، لم تعد الجغرافيا السياسية، فى وقتنا الراهن، هى الجغرافيا السياسية التى ألفناها فى الماضى. فلقد طالها تحول جذرى فيما يواجهها من مفاهيم، ولطبيعة القوة التى يستخدمها اللاعبون المختلفون عالميا وإقليميا. فإضافة للجيوش والسلاح أصبح لزاما على اللاعبين المختلفين امتلاك المعرفة والقوة الرقمية، أخذا فى الاعتبار أن الجغرافيا السياسية فى الزمن الرقمى لا تعترف بالنفوذ الجغرافى الميدانى الثابت. بهذا المعنى، يمكن القول إن هناك تشكلا جديدا للعالم قد لحق بالعالم اليوم، يعكس انتقال القوة والنفوذ والهيمنة من الخرائط التقليدية ــ بالطبع لا يوجد مانع من توظيفها ــ إلى الخرائط الرقمية لقد أسهم هذا التحول إلى تجاوز النظام العالمى الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. نعم ليس تجاوزا تاما ــ حتى الآن ــ لأنه يتعرض لتآكل داخلى متدرج. وهو ما يفسر بقاء المؤسسات الدولية قائمة حتى الآن، إلا أنه بقاء هيكلى غير قادر على تفعيل الاتفاقات والمواثيق الدولية وأن يحقق العدالة والحسم فى كثير من القضايا والصراعات خاصة. ويزيد «كابلان» بأن هذا التآكل لم يصب فقط المؤسسات، بل قدرة الأرض على التحمل من ناحية وقدرة الإنسان/المواطن من ناحية أخرى. من هنا طال «الخراب» ليس الأرض، فقط، بل الإنسانية أيضا.

وبعد، تتمتع أطروحة «كابلان» بأنها تتناول ما يتعرض له الإنسان من ضغوطات بفعل الجغرافيا السياسية الجديدة التى تمس ليس فقط متطلباته المادية وإنما جوهر وجوده ومعنى حياته. فعدم الاستقرار الميدانى الذى يقوم على إنهاك الأرض لمصلحة القلة الوحشية، يجعلها موحشة وقاحلة ومجدبة ومعطوبة للأغلبية. فلا تعود الأرض تتيح لتلك الأغلبية حرية الحركة نفسها، ولا الموارد نفسها، ولا مستويات الحماية الطبيعية ذاتها. وبهذه النتيجة تصبح الجغرافيا عبئا على الإنسان/المواطن، فى الوقت الذى من المفترض فيه أن تكون آمنة من الخراب.


لمزيد من مقالات سمير مرقص

رابط دائم: