رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

أوربان فى موسكو.. والسلام فى أوكرانيا بشروط روسية

رسالة موسكو - د. سامى عمارة
بوتين وأوربان

عاد فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية إلى سابق عهده من تحد للاتحاد الأوروبى والخروج على قراراته. قام بزيارة موسكو، واجتمع مع الرئيس فلاديمير بوتين، حيث خلص الجانبان إلى ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الراهن بين روسيا وأوكرانيا، فضلا عن مناقشة قضايا العلاقات الثنائية بين البلدين. وكان أوربان استبق زيارته لموسكو بإعلانه حول "الكشف عن شبكة مافيا تعود إلى زمن الحرب، ولها علاقات لا تُحصى بالرئيس زيلينسكي". وذلك ما أكده المكتب الوطنى لمكافحة الفساد بعد مداهمة مساكن عدد من كبار مساعدى وأصدقاء الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، وهو ما يهدد المستقبل السياسى للرئيس الأوكرانى.

وأضاف أوربان "إن بودابست لن ترضخ للمطالب المالية والابتزاز من جانب الرئيس الأوكراني"، داعيًا بروكسل إلى "أن تفهم أخيرًا إلى من تذهب أموالها حقًا". ومضى رئيس الحكومة المجرية إلى ما هو أبعد بما انتقد به تلك السلطات التى قال "إنها لا تقدر أبعاد مخطط الفساد واسع النطاق بما يضم بين طياته الرشاوى فى قطاعى الطاقة والدفاع، إلى جانب الأسماء الرنانة من رفاق الرئيس الأوكرانى زيلينسكي"، وفى مقدمتهم أندريه يرماك رئيس الديوان الرئاسي، وتيمور مينديتش شريكه السابق فى فرقته المسرحية "كفارتال95" إبان سنوات عمله السابق، قبل هروبه إلى إسرائيل، التى يحمل جنسيتها، فضلا عن تورط وزير العدل جيرمان جالوشينكو الذى صدر الأمر بإقالته، ووزيرة الطاقة سفيتلانا جرينتشوك التى سارعت بتقديم استقالتها من منصبها.

ومن اللافت أن أوربان سبق وكتب على منصات التواصل الاجتماعى، قبل أن يمارس المكتب الوطنى لمكافحة الفساد مهامه التى استهلها بمداهمة مسكن مينديتش: "تم الكشف عن شبكة مافيا عسكرية أوكرانية لديها آلاف الروابط مع زيلينسكي.. ما لن يُفقد على الجبهة، ستهربه المافيا العسكرية. هذا جنون". وأعلن رئيس الحكومة المجرية " أن الأحلام الذهبية لأوكرانيا فى سبيلها إلى الانهيار.. لن نرسل أموال الشعب المجرى إلى أوكرانيا.. بعد كل هذا، نحن بالتأكيد لن نخضع للمطالب المالية وابتزاز رئيس نظام كييف". وشدد أوربان على أن الوقت قد حان للاتحاد الأوروبى لإدراك أن مساعداته المالية "تذهب إلى جيوب أعضاء حكومة زيلينسكي"، داعيا إلى وقف التمويل لدولة "تعم فيها الفوضى".

وتقول الشواهد والمؤشرات إن "فضيحة مينديتش"، لم تكن مجرد "ظاهرة" عابرة، بل هى واحدة من أشكال "الفساد الممنهج"، ما يضع مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية أوكرانيا فى المرتبة 120 من أصل 180 دولة. فضلا عما سبق وأعلنه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حول الفارق الهائل بين ما اعترف به زيلينسكى بأن حجم ما حصلت عليه بلاده كدعم مالى وعسكرى يقدر بمائة مليار دولار فقط، من أصل ثلاثمائة وخمسين مليارا قيمة ذلك الدعم الذى قدمته الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية، بما فى ذلك تورط هانتر بايدن ابن الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن فى مثل هذه "الجرائم المالية". وتقول المصادر الأوكرانية إن المكتب الوطنى لمكافحة الفساد وجه اتهامات إلى عدد من المقربين إلى زيلينسكي، بمن فيهم تيمور مينديتش، باختلاس 100 مليون دولار، فضلا عما يتعلق بالذمة المالية لاندريه يرماك.

ولذا لم يكن غريبا أن تشهد الأيام القليلة الماضية مداهمة المكتب الوطنى لمكافحة الفساد، لمسكن أندريه يرماك الساعد الأيمن لزيلينسكى ورئيس مكتبه الذى كان اختاره رئيسا للوفد الأوكرانى فى مباحثاته مع الجانب الأمريكي. وذلك ما دفع يرماك إلى إعلان استقالته من منصبه، وعزمه على الانضمام إلى القوات الأوكرانية على جبهة القتال. غير أن ما أثار دهشة المراقبين فى داخل أوكرانيا وخارجها، أن زيلينسكى، ودون تردد، سارع إلى إعلان إقالته وليس قبول استقالته، كما ذكرت المصادر المحلية والأجنبية.

ولعل من المثير للدهشة أن تمتد خيوط مثل هذه الجرائم المالية لتشمل كثيرين من نجوم المجتمع الأوكرانى ممن سبق وهاجروا إلى إسرائيل. وفى الصدارة من هؤلاء تيمور مينديتش "شريك زيلينسكى منذ ما قبل انتخابه رئيسا للبلاد، فضلا عما يحمله من اسم شهرة وهو "الحافظة المالية لزيلينسكي"، إلى جانب أندريه يرماك رئيس ديوان الرئاسة الأوكرانية، وهو ما لا بد أن يؤثر على المستقبل السياسى لزيلينسكي، ولاسيما إذا فكر فى الترشح ثانية لمنصب رئيس الدولة الأوكرانية. وذلك فضلا عما أثارته بعض المصادر الأوكرانية حول "لجوء" والدى زيلينسكى إلى إسرائيل منذ بداية العملية الروسية الخاصة فى أوكرانيا، والحصول على جنسيتها، واستقرارهما هناك فى "فيلا" يقدر ثمنها بثمانية ملايين دولار.

 وقد جاءت هذه التصريحات مواكبة لإعلان حزب "التضامن الأوروبي" بزعامة الرئيس السابق بيترو بوروشينكو، عن بدء إجراءات سحب الثقة من الحكومة الأوكرانية، داعيا البرلمانيين إلى دعم المبادرة الخاصة باستقالة الحكومة على خلفية التحقيق فى قضية الفساد فى قطاع الطاقة، وهو ما لم يتحقق بعد.

ونشير بهذا الصدد إلى الضجة التى تعالت أصداؤها فى الشارع الأوكرانى عقب تأييد البرلمان الأوكرانى فى 22 يوليو الماضي، مشروع القانون الذى تقدم به الحزب الحاكم "خادم الشعب"، والذى يلغى استقلالية هيئتى مكافحة الفساد: "المكتب الوطنى لمكافحة الفساد" و"المكتب الخاص للادعاء العام"، ووقع زيلينسكى على هذه الوثيقة. غير أنه سرعان ما عاد وتراجع عن موقفه. وكان البرلمان الأوكرانى وافق فى 31 يوليو على مشروع قانون إعادة الاستقلالية إلى المكتب الوطنى لمكافحة الفساد، والمكتب الخاص للادعاء العام فى القراءتين الأولى والثانية، وهو ما وقع زيلينسكى عليه فى نفس اليوم.

ونقلت صحيفة "برلينر تسايتونج" عن التقرير الأوروبى أن "بروكسل تنتقد أوكرانيا" و"ترى محاولات لإخضاع هيئات مكافحة الفساد فى كييف للسيطرة السياسية". وأشارت إلى أن "أحدا فى قيادة الاتحاد الأوروبى لم يتوقع أن يُخْضِع زيلينسكى هيئات مكافحة الفساد تحديدا للسيطرة السياسية". كما أشارت الصحيفة الألمانية إلى "أن الدوائر الغربية كانت وراء إنشاء هذه الهيئات فى أوكرانيا لضمان مكافحة الفساد بشكل مستقل"، وشكلت "شرطا لمسار أوكرانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي". وننقل عن "فايننشال تايمز" ما جاء حول أن عمليات التفتيش فى مسكن يرماك كانت ضرورية، جزئيًا، لإقناع زيلينسكى بتوقيع اتفاقية سلام. وأشارت الصحيفة نقلا عن مصادرها إلى أن المكتبين الوطنيين لمكافحة الفساد (SAPO) وNABU هما كيانان لا يخضعان لسيطرة المكتب الرئاسي، بل لسيطرة خارجية. وأضافت "أن هذه الأدوات يمكن استخدامها كأساس قوى لتوجيه اتهامات أخرى، بما يعنى أن ذلك كان "ضربة موجعة لزيلينسكي"، والتلميح الأمريكى واضح تمامًا ويجب فهمه دون لبس. إذا لم يفهمه، فقد تكون العواقب أشد وطأة".

وقد جرى كل ذلك فى وقت مواكب لظهور التقارير عن الفساد فى أوكرانيا، وخصوصا فى المجال العسكري، حيث أظهر استطلاع للرأى فى أبريل 2024 أن "أكثر من نصف سكان أوكرانيا يعتبرون الفساد أكبر تهديد لتطور البلاد"، إلى جانب ما جرى نشره حول الانتقادات الأوروبية لمحاولات زيلينسكي إخضاع المكتب الوطنى لمكافحة الفساد، ومكتب المدعى العام المتخصص فى مكافحة الفساد، لمكتب المدعى العام فى أوكرانيا.

وجاءت زيارة أوربان لموسكو واجتماعه الذى طال لما يقرب من أربع ساعات مع بوتين ووزير خارجيته سيرجى لافروف، ونائب رئيس الحكومة الروسية لشئون الطاقة نوفاك، ومساعد الرئيس للشئون الخارجية يورى أوشاكوف، وتناول مختلف جوانب الأزمة الأوكرانية إلى جانب العلاقات الثنائية بين البلدين، وفى مقدمتها ضمان إمدادات النفط والغاز إلى المجر واستكمال التعاون فى بناء محطة الطاقة النووية "باكش-2" بعيدا عن العقوبات الأمريكية والأوروبية. وعلى الرغم من حرص قيادات الاتحاد الأوروبى على تأكيد أن أوربان ليس مفوضا من قبل الاتحاد الأوروبى ولا يمثل إلا نفسه، فقد حظى رئيس الحكومة المجرية باهتمام كبير من جانب الرئيس بوتين وهو ما تمثل فى المساحة الزمنية التى امتدت خلالها مباحثات الجانبين.

وقد حرص بوتين على الإشادة بمواقف أوربان وما يتسم به من شجاعة وحرص على الدفاع عن المصالح الوطنية لبلاده، إلى جانب كشفه عما دار من حديث مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب لدى مفاتحته بأمر اختيار بودابست مكانا لانعقاد قمة الزعيمين الروسى والأمريكي. وقال بوتين: إنه سوف يكون مؤيدا لانعقاد القمة فى العاصمة المجرية فى حال العودة إلى مثل هذا الموضوع. أما عن موقفه من خطة التسوية التى طرحها الرئيس الأمريكى فقال، إن الخطة فى صورتها الأولى والتى كانت تتكون من 28 بندا تستند فى جوهرها إلى ما ناقشه وترامب خلال لقائهما فى ألاسكا. وكانت أوكرانيا بادرت بإعلان رفضها لهذه الخطة وهو ما حظى بتأييد الاتحاد الأوروبى ليعلن الطرفان عن خطة تتكون من 19 بندا، أهمها رفض ما يتناول تنازل أوكرانيا عن المناطق الأربع فى جنوب وجنوب شرق أوكرانيا، فضلا عن رفضها للتخلى عن حلم الانضمام إلى حلف الناتو، وهو ما يبدو على طرفى نقيض من الدستور الأوكرانى ووضعيتها الحيادية التى سبق وأقرتها بعد إعلانها الاستقلال عن الاتحاد السوفييتى السابق فى عام 1991.

ومع ذلك فقد عادت فى لقاء جنيف الأخير مع الوفد الأمريكى وقبلت ما خلص إليه المجتمعون فى ذلك اللقاء من خطة تتكون من 22 نقطة قال الرئيس بوتين إنها تعالج أربع قضايا رئيسية، بما قد تكون معه أرضية مناسبة يمكن مناقشتها فى اجتماعه المرتقب مع الرئيس الأمريكي، وإن كان ذلك لا يعنى قبوله بما يطرحه الجانب الأوكرانى من رفض للتنازل عن الأراضى التى قال بوتين، إن قواته نجحت فى استعادتها. وكان بوتين سبق وأعلن فى مؤتمره الصحفى الذى عقده فى بيشكيك عاصمة قيرغيزستان، فى ختام قمة رؤساء بلدان معاهدة الأمن الجماعي، إن بلاده ليست على استعداد للتنازل عن بقية الأراضى فى جنوب شرق أوكرانيا التى قال بضرورة انسحاب القوات الأوكرانية منها، وإن لم تقبل أوكرانيا بذلك فإن القوات الروسية سوف تستعيد هذه الأراضى بالقوة المسلحة، بما قد يعنى أن موسكو تقبل السلام فى أوكرانيا إذا كان وفق "الشروط الروسية". 

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق