النَّص.. (بتسكين النون ثم فتحها) ليس مجرد كتلة صماء من الكلمات والعبارات والجُمَل المرصوصة بشكل معين، بل هو بنيان مقصود به التعبير عن فكرة ما، أو مجموعة أفكار. ويحدث فى زمن ما أن يتداول الناس نصوصا كثيرة تدور كلها حول فكرة واحدة، أو إشكالية واحدة. وقد يحدث أن تبدو الفكرة، أو القضية، أو الإشكالية، فى ظاهرها هشَّة تافهة، أو قتلوها من قبل بحثًا، بينما هى فى الحقيقة فى غاية من الجدية والخطورة، ومن ثم يكون (النَّص) الذى يحتويها نصا ذا شأن وليس تافها أبدًا.
ولا شك فى أن واحدا من النصوص التى نتداولها حاليا نحن المصريين، نص، أو قضية، كيف نتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة التى تعج بها شوارعنا، تلك الكلاب اللقيطة، التى لا صاحب لها، وليس لها أبٌ معروف، ويسميها بعض الرحماء تأدبًا (أو نفاقا) ، الكلاب الحُرّة !
والحقيقة أن من بين مكونات هذا النص، المملوءة به صحافتنا والسوشيال ميديا، أن فى مصر فى هذه اللحظة نحو 40 مليون كلب ضال، بين ذكرٍ وأنثى وجرو صغير.. وهذا رقم فى غاية الإيلام والإقلاق، ويحتاج إلى إعادة تفكيك.
تفكيك إيه؟.. نعم على غرار تفكيكية الفيلسوف الفرنسى الأشهر چاك دريدا..!
ما هذا الهذيان؟.. إيش جاب دريدا للكلاب.. وما علاقته أصلا بالكلاب؟.. لا يا حضرة المحترم.. إن علاقته هى أساسا بالنَّص.. ومادام النص عن الكلاب فإذن هناك علاقة.. فماذا قال دريدا؟
إن للرجل نظرية اخترعها قبل حوالى نصف قرن، تقول بضرورة إعادة تفكيك لغة أى نص نقرؤه بغرض معرفة أسراره الجديدة بعيدا عن الأوهام القديمة الشائعة. إن الهدف هنا، وكما هو هدف الفلسفة عموما، هو استنباط معرفة جديدة تساعدنا على حل الإشكاليات التى لا حل لها.. وهل عندنا، نحن الآن، أعوص من الكلاب، وإشكالية الكلاب، التى قد نصحو ذات صباح فنجدها قد التهمت أبناءنا التهاما؟
إنها فى ساعتنا هذه 40 مليونا، ونظرا إلى أن الكلبة تنتج فى البطن الواحدة 8 كلاب، وتحمل ثم تلد مرَّتين أو ثلاثة فى السنة الواحدة، فإننا قد نستيقظ بعد سنوات قليلة فنجد الأربعين مليونا وقد أصبحت مائة وعشرين مليونا، يعنى (كلب لكل مواطن)!
بماذا ينبئنا إذن تفكيك وتحليل ذلك النص الشائك؟.. التفكيك يقول لنا عدة حقائق. أولا، إن تلك الكلاب الضالة باتت تمثل خطرا داهما على التوازن البيئى فى الأمة المصرية، والذى يزيد الطين بَلّةً أن هناك بين ظهرانينا من - بداعى الشفقة والرحمة - يطالب بالمزيد من الحماية دونما ضوابط أو قيود.
ثم تقول لنا « التفكيكية» ثانيا، إن هذه الكلاب، لأنها ضالة، وتعيش فى بيئة كلها قذارة، بلا تطعيم أو متابعة بيطرية، يمكن أن تصاب بمرض السُّعار الذى لا شفاء منه. (على فكرة، قالت إحصائية صدرت فى عام 2018 إن المعضوضين المعقورين من الكلاب بلغ عددهم 400 ألف معضوض، فكم يا تُرى وصل عددهم اليوم؟).
.. وثالثا، فإن المنهج التفكيكى للسيد دريدا قد يَعِنُّ له أن يسألنا ساخرا: هل أنتم لديكم أصلا تمويل كافٍ لدفع تكلفة تطعيمات الكلاب؟.. كيف وتطعيمات أطفالكم البشريين تجدون أصلا صعوبة فى جمعها؟
وتتواصل السخرية، رابعا، عندما يسمع دريدا شائعات تتحدث عن جمعيات وهمية تتكسب الملايين من وراء التبرعات الساذجة للكلاب.
طيب.. هل لدى تفكيكية دريدا أى حل؟ نعم إن نحن استفدنا من عملية التفكيك، ففهمنا الأمر على محمله الصحيح. الحل يا باشمهندس طرحته الهيئة البيطرية العليا، وهو استراتيچية التطعيم، ثم التعقيم.. يعنى منع الإناث جراحيا من الإنجاب.. فهل سوف تستجيب الإناث.. أم سيصرخن: واشمِعنا احنا.. ما تروحوا للذكور؟.
لمزيد من مقالات سمير الشحات رابط دائم: