منذ أيام قدمت ورقة فى مؤتمر عقده مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الاسكندرية بالتعاون مع مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية حول العلاقات بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب أوراق بحثية قدمها باحثون وخبراء حول قضايا عديدة أمنية، وتنموية. وتتمتع أفريقيا، ودول أمريكا اللاتينية بوجود فرص واعدة، كما تشير إلى ذلك العديد من الدراسات التى صدرت عن مؤسسات تنموية عديدة، أبرزها معهد دراسات التنمية فى جامعة ساكس ببريطانيا.
هناك عدد من العوامل تعزز العلاقات التنموية بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أولا: هناك اعتقاد فى دراسات التنمية الآن أن تدفق التجارة، ونقل التكنولوجيا، واقتباس النماذج التنموية الناجحة بين دول الجنوب بعضها بعضا أكثر يسرا من العلاقات التى تجمعها بدول الشمال المتقدم، نظرا لتشابه فرص وتحديات التنمية، والقاعدة السكانية الشابة، والتنوع الثقافى والعرقى واللغوي، ورغبة شعوب الجنوب فى إيجاد صيغ تنموية تحد من التبعية فى النظام العالمي.
ثانيا: هناك تجارب ناجحة فى دول الجنوب لا ينطبق عليها التنظير الغربي، مثل تجربة البرازيل فى أمريكا اللاتينية، وجنوب أفريقيا فى القارة الإفريقية، والنمور الآسيوية، ولكل من تلك التجارب وغيرها خصوصية، مما يجعل التنميط فى التنمية غير وارد، ويفتح المجال أمام المشاركة بالخبرات بين دول الجنوب ذاتها.
ثالثا: باتت العولمة، التى هى فى الأساس صناعة غربية، تسير على عكاز، فالمؤسسات الدولية عاجزة عن حل المشكلات الكبرى من أوكرانيا إلى غزة والسودان، وتتعثر أمام التغيرات المٌناخية مثلما حدث فى مؤتمر المناخ (كوب 30) أخيرا فى البرازيل عندما أخفقت فى الاتفاق على وقف استخدام الوقود الاحفوري، فضلا عن تراجع دور منظمة التجارة العالمية، خلافا لحالة الاستبشار التى رافقت تأسيسها فى نهايات الألفية الثانية، كل ذلك يدفع فى اتجاه تعزيز الروابط الإقليمية، والعلاقات الدولية على أسس مختلفة، مثل مجموعة إفريقيا وباسيك التى تضم البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين فى مجال التنمية والمُناخ.
رابعا: هناك نماذج تنموية أثبتت جدارتها يمكن أن تتبادل دول الجنوب الخبرات بشأنها. مثال على ذلك تجربة البرازيل فى الحد من الجوع، ومواجهة الفقر، والتى ترتبط الآن بالتغيرات المُناخية، وتوفير الغذاء، والحفاظ على الغابات، وتطوير الجهاز الإدارى ليس هذا فحسب، بل أيضا تقديم نماذج تنموية تقوم على المشاركة المجتمعية، وابتكار أساليب تنموية جديدة فى مجال برامج الحماية الاجتماعية تتجاوز الإطار التقليدى الذى يقوم على تقديم الدعم النقدى للفقراء.
ولا يقتصر الأمر على البرازيل، بل تقدم الهند تجارب مهمة فى التنمية، وتطوير التعليم، وتكوين القيادات التى تتولى المواقع الرئيسية فى مؤسسات عامة وخاصة، وهناك دول إفريقية، استطاعت فى تجارب تنموية موثقة، أن تستخدم وسائل التواصل الاجتماعى فى المناطق الريفية فى تعزيز المساءلة المجتمعية، وحصول المواطنين على خدمات أفضل، وتكوين رأسمال اجتماعى على أساس من الثقة فى المؤسسات العامة.
خامسا: هناك اتجاه عالمى فى التنمية حاليا يستند إلى الخبرات المحلية لدى الدول بوصفها رأسمال معرفة تتبادلها فيما بينها. فمثلا فى مجال مواجهة الأوبئة هناك رهان الآن على الخبرات المحلية المتراكمة فى مواجهة أوبئة أو فيروسات مستجدة على البشرية. عندما أعلن منذ أيام عن ظهور إصابات بفيروس «مار برورغ» فى اثيوبيا، وهو من عائلة فيروس «ايبولا»، ظهرت على السطح مباشرة خبرات محلية افريقية فى مواجهة ذلك الوباء، الذى أصاب فى الأساس إفريقيا ولم تشعر به دول العالم المتقدم، خلافا لجائحة كوفيد-19 أو كورونا التى طالت العالم بأسره.
وهناك اتجاهات قوية تعزز العلاقات بين دول الجنوب فى مجالات التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتجارة، إلى حد أن هناك توقعات بأن يصل حجم التجارة بين دول الجنوب لنحو 14 تريليون دولار بحلول 2033، الأمر الذى يجعل منها رقما مهما فى العلاقات التجارية العالمية. بالطبع ليس الطريق أمام دول الجنوب ممهدًا، فهناك دول كبرى لها سياساتها العالمية مثل الصين والولايات المتحدة، وما تشهده العلاقات بينهما من تنافس عالمي، فضلا عن تأثير الدول البازغة اقتصاديا مثل الهند والبرازيل، والتى قد يغلب عليها السعى لتحقيق مكاسب أو مكانة دولية، وينعكس ذلك على توجهات الوزارات والجهات الإدارية فى تلك الدول فى تعاملها مع ملف العلاقات مع دول الجنوب، حيث لاحظ بعض الباحثين فى بعض دول الجنوب غياب الإطار القانونى أو الدعم المؤسسى الذى يشجع على تطوير علاقات قوية بين دول الجنوب بعضها بعضًا خلافا للخطوات الحثيثة التى تبذلها مؤسسات تلك الدول لتعميق العلاقات والشراكات مع الدول المتقدمة.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: