رغم أن مفردات مثل» أبو رجل مسلوخة.. الغولة.. أوضة أو حجرة الفيران ..العصاية..الفلكة…إلخ»، لا يعرفها أبناء هذا الجيل، وسمع بها أبناء جيلى وإن لم يتعرض معظمهم لتجربتها، لكنها كانت واقعا يوميا وكوابيس ليلية لأجيال سبقتهم باعتبارها وسيلة للتربية والتهذيب وتقويم السلوك. ففى مشاهد متناثرة من رواية «بين القصرين» لنجيب محفوظ و«أيام» عميد الأدب د. طه حسين، ما يجسد حالة الرعب التى عاشها الصبى كمال، والصغير الضرير؛ خوفا من كرباج الأب، و» فلكة» سيدنا والظلام والبئر المسكونة وجنية الترعة التى تختطف الصغار..و..و..، مشاهد تصف ما جال بخاطر الصبيين، رغم أن الكاتبين لم يركزا عليها لأنها لم تمثل خطا أساسيا فى سياق تطور الأحداث فى الروايتين، إلا أنها فى مجموعها لعبت دورا فى تشكيل شخصية ومواقف كلا الصغيرين فى مراحل المراهقة والشباب وحتى الكهولة..
ورغم أن مفردات وأدوات إخافة الصغار باتت منسية فى عالم اليوم، ربما اقتناعا بتأثيرها السلبى على شخصية الأبناء، وربما بحكم الانشغال وضيق الوقت، فإن الخوف لم ينته من حياة صغارنا، فقد تحول لكوابيس اشد بأسا وخطورة لا تهدد فقط فلذات القلوب، بل أيضا الآباء والأمهات والعائلة بأسرها!! .. ففى نفس التوقيت الذى احتفل فيه العالم بيوم الطفولة، وتصدرته هذا العام صور معاناة أطفال غزة ودارفور، استيقظت الاسر المصرية على كارثة انتهاك براءة أكثر من خمسة أطفال لم تتجاوز أعمارهم الخامسة فى مدرسة دولية؛ يدفع فيها أولياء الأمور دم قلبهم؛ ظنا أنهم يمنحون صغارهم فرصة تعليم أفضل فى بيئة تعليمية ومجتمعية سليمة، لتكشف التحقيقات أن الكارثة ليست وليدة الساعة بل تحدث منذ سنوات!!..
ومع الاعتراف بمشروعية حالة الغضب والرعب الذى تملك الأسر المصرية جراء تلك الواقعة البشعة والاسئلة التى تطرحها عن مسئولية المدرسة وطرق اختيار العاملين فى المؤسسات التعليمية ، والمطالبة بتشديد عقوبة تلك الفعلة، ومسئولية الآباء فى متابعة الأبناء وتوعيتهم بطرق التعدى الجسدى ودور المجتمع فى تشجيع الإبلاغ عن تلك الانتهاكات وعدم التغاضى عنها خوفا من الفضيحة و..و..، فإن تكرار جرائم العنف ضد الصغار ،ثم أخيرا انتهاك براءة اطفال فى مؤسسة تعليمية من المفترض ان دورها تأهيلهم دراسيا وتوفير الحماية و التنشئة الاجتماعية فى مناخ صحي، يطرح قضية أكثر خطورة عن الآثار السلبية لإحساس الصغار والآباء بالخوف وكيفية تعاملهم مع مخاطر فرضت مخاوف جديدة؛ ابسط تداعياتها فقدان الثقة والإحساس بالامان والرهاب الاجتماعى وربما التوحد، وبالتبعية انهيار جزء من منظومة قيمية مثلت دوما جزءا حيويا فى النسيج المصري، وظهور جيل مهزوز غير قادر على التفاعل مع الآخرين بسبب الخوف من الخوف!!..
ورغم أن عالم النفس الأمريكى «ستانلى هول» فى تسعينيات القرن التاسع عشر أكد الآثار السلبية لإحساس الطفل بالخوف، ومن بعده لم يتوقف سيل المقالات والأبحاث التى تؤكد ضرورة اقتلاع الخوف من نفوس الصغار، هاهى الألفية الثالثة تحمل إلينا جديدا فحواه أن الخوف عاد يطل برأسه من جديد ولم يعد مقصورا على الأبناء بل امتد ليطوق الآباء، لنرى كل ما يتعلق بالطفولة من خلال مرايا الخوف!!.. ففيما يرى عالم الاجتماع «فرانك فريدي» المحاضر السابق بجامعة كنت فى مؤلفه «كيف يعمل الخوف أثره فى النفس» أن المخاوف التى يعيشها أبناء القرن الحادى والعشرين من نوع مختلف، وغالبا ما تنتقل لهم من خلال المخاوف الكامنة فى أذهان الوالدين، يحذر عالم النفس «نيك هسام» فى جامعة ملبورن من تضخيم شبح المخاوف فى نفوس الصغار التى ترتد بدورها للآباء؛ فيتفاقم الخوف ويكتسب مصطلح «اختفاء الطفولة» منطقا ومبررا لوجوده...!.
وعليه فرغم فداحة المأساة التى انتهكت براءة صغار أبرياء، أظن أن مواجهة هذا الأمر الجلل لا يتطلب فقط تفعيل إجراءات تضمن عدم تكراره، بل أيضا ترويض أشباح مخاوفنا حفاظا على سلامة صغارنا نفسيا وحماية منظومة قيم مجتمع؛ تحيته كانت دوما سلاما.
لمزيد من مقالات سناء صليحة رابط دائم: