تعودت فى نهاية كل عام أن أعد قائمة قصيرة لأفضل الكتب التى صدرت خلاله وتقديم أهم ما تضمنتها من أفكار. وهو تقليد لن نتخلى عنه. إلا أننى هذه المرة سوف أبدا برسم ملامح المشهد الإبداعى فى 2025. أى أنه بالإضافة لتقديم الكتابات والإبداعات الفكرية، بداية من الحلقة الثانية فى هذه السلسلة، سوف أشرع فى حلقة أولى إلى إلقاء الضوء، بتكثيف شديد، على حصيلة ماكينة الإبداع فى أكثر من مجال: الموسيقي، والسينما، والمسرح، إضافة بطبيعة الحال إلي: الفلسفة، والفكر السياسى والاقتصادى والاجتماعي،
ما دفعنى إلى توسيع دائرة المتابعة والرصد هو أننى لاحظت أن هناك خيطا ناظما ووثيقا بات يربط الكثير بين الكثير من المبدعين بتنويعاتها لمقاربة هموم وتطلعات الإنسان ــ المواطن فى الزمن الرقمي. حيث تعمل تلك الإبداعات على رصد التحولات، التى أصفها دوما، «بالطفرية»(نسبة لطفرة أى تحولات ذات طبيعة مطردة وغير منتظمة وسريعة وضخمة)،من جهة، وردات فعل الإنسان ــ المواطن على تلك التحولات. وتشير المتابعة الدقيقة للعملية الإبداعية بتجلياتها المتنوعة، كيف حرص المبدعون على تجسيد بحث الإنسان ــ المواطن عن ذاته فى لحظة تحول كبرى لا أبالغ إن وصفتها بالصادمة ــ غير مسبوقة فى تاريخ البشرية.إذ يعيدون تناول الأسئلة الوجودية الجديدة المطلوب الإجابة عنها، والناجمة عن تلك التحولات التى فرضها الزمن الرقمي، حيث تلعب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى دورا محوريا وأساسيا فى تشكيل الوعى وتوجيه السلوك البشري، أردنا أو لم نرد.
وظنى أن تلك الأعمال قد نجحت فى تأسيس فن يواكب الزمن الرقمى من جانب، وأن يكون هذا الفن مرآة ــ بدرجة أو أخرى لهموم وتطلعات، ولآلام وآمال، إنسان ــ مواطن هذا الزمن من جانب آخر. وعلى الرغم من اختلاف الثقافات وتباين الدوافع وتعدد الجنسيات بين المبدعين، فإن ما جمع بين أعمالهم الإبداعية يتمحور حول ما يفور داخل الذات الإنسانية من: أفكار، ومشاعر، وانفعالات، ورغبات؛ كما يكشف عن محاولات الإنسان المعاصر لإدراك طبيعة التحولات التى يتعرض لها. وفهم مقامه ومكانته، كذلك مصيره، فى الزمن الرقمي. ومن ثم تأتى هذه الأعمال ــ بتنوع وسائطها الفنية: المرئية والمسموعة والرقمية، بالإضافة إلى المكتوبة، لتتجسد فى تجسيدات متعددة: أدبا، وسينما، وموسيقي، ومسرحا، لتسهم فى تشكيل وعى إنسانى عصرى جديد من شأنه فهم ما يصيب الإنسانية من إرباك واضطراب هوياتى ووجودى من ناحية. كذلك مواجهة ما يتعرض له العالم اليوم من تداعيات تطول كلا من قيمه ومفاهيمه وبُناه وعلاقاته وخياراته من ناحية أخري، تدفع نحو حلول قيم ومفاهيم وبُنى وعلاقات وخيارات أخرى مغايرة كليا محل تلك القديمة.
ففى هكذا سياق، يستنفر الإنسان كل ملكاته وقدراته كى يكتشف جوهر وطبيعة اللحظة المستجدة عليه وما تحمله من معني/معاني. ومن ثم كيفية الاستجابة إلى الحاجة التاريخية إلى إدراك حقيقة اهتزاز مركزية الإنسان التى فرضتها الحداثة وما بعدها، وذلك لمصلحة الخوارزميات (مجموعة الخطوات البرمجية الرقمية المنطقية المتسلسلة التى تعمل على ما يتوافر لديها من بيانات ومعلومات وصور ومن ثم تقديم الحلول للمشكلات والإجابة عن التساؤلات نصيا وصوريا)التى أصبحت تحل محل المخيلة البشرية فى إنتاج الأفكار والنصوص والصور. فلقد أصبح نظام الذكاء الاصطناعى التوليدى حسب دراسة لنا تُنشر فى كتابنا رأسمالية ظالمة ــ يقدم نفسه «كمبدع» قادر أن يشارك الإنسان فى العمليات الإبداعية المختلفة: النصية، والتجسيدية المرئية والبصرية والتفاعلية فى شتى الحقول المعرفية، وفى جميع مناحى الحياة اليومية. بلغة أخري، فى مقابل الإبداع الإنسانى Human Creativity؛ الذى ينتج من محصلة الموهبة والخيال والخبرة والقدرة الإنسانية الذاتية، أصبح هناك إبداع «مؤتمت» ينتجه نظام الذكاء الاصطناعى فى تجليه التوليدى Automation AI - generated Creativity.
فى ضوء ما سبق، يشير المشهد الإبداعى فى 2025، إلى أن العالم يشهد تطورا متسارعا من قبل المبدعين، الجدد؛ من أجل إجاز إبداعات تتناول اللحظة التاريخية التى تشهد تلك العملية المركبة والجدلية للتداعى والبناء التى تتعرض لها الإنسانية اليوم. كما يسجل كيف ينزع هؤلاء المبدعون إلى الاستفادة من التقنيات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعى التوليدى فى إبداعاتهم. وفى تقديرى أن المشهد الإبداعى فى 2025 يمثل نقطة تحول فارقة للعملية الإبداعية.
فالإبداع الذى انطلق، تاريخيا، بفعل «الذات الخلاقة»؛ قد أسلم نفسه «للأتمتة» نسبيا حتى الآن سواء من حيث موضوعات الإبداع أو باستخدام «الخوارزميات» فى العملية الإبداعية. فى هذا الإطار، أبدع المبدعون فى 2025 إبداعات تقارب المرحلة التاريخية الآنية التى يعدها المفكرون انقلابية، بكل المعايير، على ما قبلها من مراحل مرت بها المسيرة الإنسانية على مدى تاريخها. إبداعات تتداخل وتتقاطع فيها الأفكار مع التقنيات، والملكات مع الخوارزميات.لذا كان حصاد الإبداع ثريا، حيث نتجت إبداعات فى مجالات: الأدب والسينما/المسرح والموسيقى تناقش الكثير من الإشكاليات التى تتعلق بمصير الإنسان ــ المواطن فى الزمن الرقمي.
حيث تفتح حولها آفاقا للتفكير، وتجتهد فى إعادة تعريف كل شيء، من المشاعر والعلاقات إلى السلطة والمعرفة. ففى الأدب أبدع الأدباء سرديات روائية وقصصية وشعرية ومسرحية تطرح معالجات مبتكرة حول الهوية، والحرية، والحب، والذكريات، والعمل، والأسرة، والصراع، الاغتراب، والنجاح والإخفاق، والحرب، والهجرة، والمناخ، والحياة، والموت،...،إلخ. كما تستعرض التجارب الإنسانية المختلفة فى شتى أنحاء العالم. وهو ما تجلى فى إبداعات كاتى كيتامورا، وأنجيلا فلورنوي، وليلى كينج الأدبية، والألبومات لفرقتى GhostوSuede؛ والمسرحيات الموسيقية مثل: «على نحو عفوي»، و«الإلهة»، والأشعار التى تقوم على صياغات تعبيرية غاية فى القصر ذات الدلالة العميقة والمؤثرة.كذلك أبدعت كل من الأفلام السينمائية ودراما المنصات الرقمية فى استخدام التقنيات الرقمية من جانب وتناول الهموم والتطلعات الإنسانية القلقة بين التضاد الإنسانى والاصطناعي.
وبعد، إن المشهد الإبداعى المستجد جدير بالمتابعة الجدية والمتأنية ربما نخصص وقتا لتقديم تفاصيله لاحقا. ولكن بعد العودة لالتزامنا السنوى فى تقديم بعض الأعمال الفكرية المعتبرة التى صدرت فى 2025، بداية من مقال الأسبوع المقبل، والذى سنحرص على أن تتناول هموم/تطلعات الإنسان ــ المواطن فى الزمن الرقمي.
لمزيد من مقالات سمير مرقص رابط دائم: