نيتانياهو.. والتجسس بلا قيود
أثارت كلمات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو منذ أيام، خلال لقائه مع وفد من الكونجرس الأمريكى فى القدس الغربية، عندما قال إن «كل من يحمل هاتفا محمولا، فإنه يحمل قطعة من إسرائيل بين يديه»،عدة تساؤلات لما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية خطيرة فى توقيت حرج للغاية، وسط منطقة مشتعلة..فماذا كان يقصد نيتانياهو بتلك الكلمات؟
رجح البعض أن تكون تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى تحمل فى طياتها أبعاداً استراتيجية خطيرة، سواء على مستوى الأمن القومى أو الأمن السيبرانى أو حتى العلاقات الاقتصادية الدولية. فقد نقلت مصادر صحفية عربية عن متخصصين إشارتهم إلى أن كلمات نيتانياهو تضع علامة استفهام كبرى حول حجم التغلغل الإسرائيلى فى البنية التكنولوجية العالمية، كما أنها تكشف عن محاولة إسرائيل ترسيخ صورتها كقوة تكنولوجية عظمى تفرض وجودها فى حياة الأفراد والدول بشكل غير مباشر. ومن المنظور المجتمعى، تزرع هذه التصريحات مخاوف شعبية من كون الأجهزة التى نستخدمها يومياً قد تكون باباً خلفياً للتجسس أو التحكم.
وأضافت المصادر، أن تل أبيب تعد مركزا عالميا لتطوير الشرائح الإلكترونية والمعالجات الدقيقة، التى تدخل فى صناعة الهواتف الذكية، مؤكدة أن وجود برمجيات أو مكونات مصدرها شركات إسرائيلية قد يفتح المجال أمام ثغرات برمجية يمكن استغلالها فى تتبع المستخدمين، واعتراض البيانات، أو حتى تعطيل الأجهزة فى أوقات الأزمات.
وأشار المتخصصون إلى أن الهواتف هى مفتاح الهوية الرقمية للمستخدمين، وتستخدم فى مجالات أخرى ما بين حسابات بنكية واتصالات وصور ومواقع جغرافية وتخزين بيانات حساسة، وهو ما يعنى أن تصريح نيتانياهو حول وجود سيطرة إسرائيلية على أى جزء من هذه المنظومة يجعل كل دولة هدفاً سهلاً للهجمات السيبرانية المنظمة للكيان. ولعل ما حدث مع عناصر حزب الله عندما قامت إسرائيل باستهداف قادته بتفجير أجهزة البيجر الخاصة بهم من بعيد _منذ عدة أشهر_ لدليل جديد على هذا النوع من الاختراق الأمنى.
أما من الناحية الاقتصادية، ورغم أن نيتانياهو حاول الظهور بصورة المصدر القوى للتكنولوجيا، فإن هذا التصريح قد يرتد سلبياً عليه، فكثير من الدول والشركات ستعيد التفكير فى مدى أمان التعامل مع التكنولوجيا الإسرائيلية، فالتخوف من إدخال «أبواب خلفية» قد يضعف الطلب على المنتجات ذات المنشأ الإسرائيلى».
وتعتبر تصريحات نيتانياهو ليست الأولى التى تشير الى تورط اسرائيل فى هذا النوع من العمليات الاستخباراتية حيث سبق وكشف تقرير نشرته الجارديان البريطانية عن تعاون وثيق بين الوحدة 8200 الإسرائيلية وشركة مايكروسوفت لمراقبة وتخزين كل المكالمات الهاتفية التى تُجرى من قبل الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة والضفة الغربية، فى فضيحة وصفت بأنها أحد أكبر مشروعات التجسس العالمية، وهو ما كان له الدور الأبرز فى استهداف جيش الاحتلال عناصر حماس بدقة فى الداخل فيما بعد.
أما العملية الأخيرة التى نفذتها وحدات الكوماندوز الإسرائيلية قرب دمشق، والتى استمرت لساعتين كاملتين بإسناد جوى، كشفت مجددا مركزية سلاح التجسس فى العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
وبينما أفادت التقارير بأن الهدف من العملية كان استرجاع أجهزة تنصت متطورة لا تملكها سوى واشنطن وتل أبيب، أكدت مصادر مطلعة أن إسرائيل استغلت العملية ونسجت شبكة واسعة من التجنيد الميدانى، لمتابعة التطورات داخل إيران وسوريا ولبنان، بل حتى اليمن.
ولتفادى الاختراق الاسرائيلى ينصح الخبراء بتوطين الصناعات التكنولوجية وتطوير بدائل محلية تقلل من الاعتماد على الخارج، و إجراء مراجعات أمنية دقيقة للمكونات التقنية المستخدمة فى الهواتف وأجهزة الاتصالات، بالإضافة إلى تنويع مصادر الاستيراد حتى لا تقع الدولة رهينة لمصدر واحد وتطوير استراتيجيات للأمن السيبرانى تشمل كشف وإدارة الثغرات المحتملة، والتعاون العربى - الإقليمى لتأسيس بنية تحتية رقمية مشتركة تُغنى عن الاعتماد على إسرائيل أو غيرها.