لا تهفو أناملى إلى القلم إلا بعد أن تتملكنى الفكرة وتحتوينى فتسرى الحرارة فى جسمى وتنبض عروقى فأصيح: وجدتها لتصير بعد ذلك حديثا ملائما أو تصويرا كاشفا أو تحليلا شارحا لوجهة نظرى التى ربما لا تروق للبعض أو تروق للقلة وربما الكثرة، والمهم عندى ألا يتسرب حرف لا أؤمن به أو أعتقده.
قرأت منذ أيام خبرا عن وصول عدد سكان مصر إلى 108 ملايين نسمة وفقا للساعة السكانية بالجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، ومع بلوغنا هذا العدد نكون قد زدنا مليونا خلال 287 يوما أو تسعة أشهر و17 يوما وتخبرنا الساعة السكانية بأنه خلال الفترة من 2 نوفمبر الماضى حتى 16 أغسطس الحالى ولد لمصر 5165 مولودا يوميا و215 مولودا كل ساعة، فقلت تبارك الله، اللهم زد وبارك، وعندما قرأت أن الإسكندرية سجلت أقل معدلات فى المواليد قفز إلى الذاكرة موقف طريف حدث لى مع بداية الألفية الثالثة، حيث كنت أُدعى للحديث فى جمعيات تنظيم الأسرة فى الإسكندرية عن أهمية التنظيم لتقليل عدد المواليد فى مصر من أجل إسراع التنمية، كنت أرفض مرارا وتكرارا لقناعتى بأن زيادة السكان فى مصر ليست عبئا ولا نقمة بل نعمة إذا أُحسِن إدارتها ،وقبلت على مضض وتحت إلحاح من أستاذى الذى كنت أقدره أيما تقدير المرحوم سامى رياض ، قبلت أن ألقى محاضرتى وأقول ما أريد وكان يقول لى ضاحكا اذهبى ورزقك على الله.
ذهبت وقلت إن برامج تنظيم الأسرة قد استجاب لها أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة القادرة والحريصة على تعليم أبنائها وانخفض عدد مواليدها، أما فى الريف وبين أبناء الطبقات غير المتعلمة والفقيرة فظلوا ينجبون بكثرة ويتركون أبناءهم بلا تعليم وتتسرب البنات من المدارس، وقلت إننا لا ينبغى ترك الحبل على الغارب طبعا ولكن يمكن إدارة هذا الملف بالتركيز على حملات التوعية بالتنظيم بين الطبقات غير المتعلمة والفقيرة ، وكانت الصين على أعتاب نهضة تنموية قوية، رغم أنهم تعدوا المليار نسمة وقتها، قلت إنى أخشى من انكماش الطبقة الوسطى التى تمثل الكتلة الحرجة التى يجب أن تكون أغلبية المجتمع وأن تشكل معظم صفاته وأن ينظر إليها عند إجراء أى إصلاح أو تطوير فى أى مجال ولايجب بأى حال على صانع القرار أو متخذه أن يؤثر على صلابة هذه الكتلة فتصبح رخوة وتتفكك وتذوب فينهار المجتمع وكنت أرى أن هذه بديهيات فى التفكير عند حل أى مشكلة تواجه مصر.
أسرعت فى إلقاء كلمتى بعدما لمحت الغضب والتململ باديين على وجه من دعانى ومن الجمهور المٌنتقيَ بعناية لمناصرة وجهة نظر جمعيات تنظيم الأسرة وبعد انتهائى قلت لهم هذا رأيى الذى كنتم تلحون فى سماعه وهذا ما أؤمن به وربما يكون صوابا يحتمل الخطأ ، اعتذرت وشكرت وغادرت القاعة قبل أن يرمونى بالبيض والطماطم، وخاصة الطماطم فنحن أهل الإسكندرية لدينا سوابق فى إلقاء الطماطم على من لا يعجبنا ولنا فى عبدالحليم حافظ أسوة، فكلنا يتذكر أنه حين غنى لأول مرة فى الإسكندرية رموه بالطماطم .
ظلت هذه الحادثة حبيسة الذاكرة إلى أن استمعت منذ مدة قصيرة إلى رأى المرحوم الدكتور أحمد زويل الذى اتفق معى فى أن الزيادة السكانية ليست عبئا، وإنها لثروة قومية أن يكون عندك80 مليون نسمة «وقت أن قالها» لكن مع فرص تعليم جيد وصحة جيدة وقال : فلننظر إلى الهند ومافعلته وما بنته من رؤية مبنية على البحث العلمى ورغم الفقر فالهند تعتبر ثانى بلد فى العالم فى البرمجيات، ابتسمت ضاحكة وقلت فى نفسى حسنا فعلت يا دكتور زويل أنك لم تقل هذا الكلام فى الإسكندرية.
الخلاصة أن قضية المواليد والزيادة السكانية فى مصر ملف ذو أبعاد متعددة ومتشابكة ولا يصح مناقشته من زاوية واحدة فقط بل علينا الاهتمام به فى إطار صحة المرأة والتعليم ومحو الأمية والتوزيع الجغرافى للسكان مابين مناطق مزدحمة ومناطق قليلة السكان، لتكون كثرتنا نافعة ، قوية وثرية نباهى بها الأمم وليست كثرة كغثاء السيل .