د. محمد فايز فرحات
ماجد منير
علمى طفلك فن الاختيار
29 مايو 2025
سحر الأبيض


فى رحلة تربية الأبناء لا تقتصر مسئولية الآباء والأمهات على تلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال من طعام وشراب وتعليم، بل تتعداها إلى غرس القيم التى تشكل وجدان الطفل وتبنى شخصيته منذ الصغر. ومن بين أهم هذه المهارات التى تنمى لديه الشعور بالاستقلالية وتحمل المسئولية واحترام الذات هى مهارة الاختيار واتخاذ القرار. ولذلك يجب أن تتم بأسلوب متوازن ومدروس يتناسب مع المرحلة العمرية للطفل وقدرته على الفهم والاستيعاب.



ويوضح د. محمد مجدى سليمان اخصائى الطب النفسى أن الطفل يولد دون إدراك حقيقى لمعنى «الاختيار»، لكنه يمتلك فضولا طبيعيا واستعدادا فطريا للتجربة والاستكشاف، ومن هنا يأتى دور الأسرة فى استثمار هذا الفضول وتحويله إلى تجربة تربوية تعزز من وعى الطفل وقدرته على التفكير واتخاذ القرار.



ويتحقق ذلك من خلال السماح للطفل بمساحة من الحرية للاختيار منذ سنواته الأولي، ولا يعنى ذلك تركه يفعل ما يريد دون ضوابط، وإنما تقديم خيارات مناسبة لسنه يستطيع من خلالها أن يشعر بأنه صاحب القرار، مثل أن نعرض عليه فى عمر ثلاث سنوات اختيار ملابسه من بين قطعتين مناسبتين، أو أن نطلب منه أن يختار القصة التى يرغب فى قراءتها قبل النوم.



هذه المواقف الصغيرة تصنع فرقا كبيرا فى نمو شخصيته، ومع تقدم الطفل فى مراحله العمرية المختلفة وتطور قدراته الذهنية والعاطفية يمكن توسيع دائرة الاختيارات الممنوحة له بشكل تدريجى بما يتناسب مع مستوى نضجه ووعيه، ويظل دور الوالدين فى هذه المرحلة محوريا من خلال تقديم الدعم والتوجيه بأسلوب حكيم من خلال الدمج بين الحرية والتوجيه، حيث يتعلم الطفل التفكير فى عواقب قراراته، ويدرك أن لكل اختيار نتائج ينبغى تحملها.



إلا أن هذا التدرج لا يعنى غياب دور الأهل. مما يسهم فى منح الطفل فرصة آمنة لتعلم مهارة الاختيار واتخاذ القرار، ولكن للأسف من أكثر الأخطاء الشائعة التى يقع فيها بعض الأسرـ وفقا لما تشير إليه الدراسات التربوية ـ هو الخلط بين تعليم الطفل حرية الاختيار، وبين السماح له بالتجاوز أو عدم الالتزام بتوجيهات الأبوين.



فالتربية السليمة لا تعنى فرض الرأى بالقوة، كما لا تعنى ترك الطفل يتخذ قراراته بمعزل عن الأسرة دون ضوابط أسرية متعارف عليها.



وهنا تكمن أهمية الدمج بين تعزيز حرية الاختيار وغرس قيمة الاحترام للوالدين، فالطفل الذى ينشأ على أن يستمع إلى رأى والديه ويتناقش معهما بلغة حوار هادئة سيتعلم تلقائيا أن الاختلاف فى الرأى لا يعنى التمرد، وإنما يمكنه أن يعبر عن رأيه دون أن يقلل من احترامه لوالديه أو يرفع صوته عليهما.ويبدأ هذا التدريب من خلال المواقف اليومية البسيطة، فإذا اختار الطفل شيئا لا يتناسب مع سنه أو إمكاناته، هنا بدلا من أن نقول له «لا، هذا خطأ» يمكننا أن نسأله «هل تعتقد أن هذا مناسب؟ ما رأيك لو جربنا هذا الخيار أيضا؟» مع شرح الأسباب بشكل يتناسب مع عمره وترك مساحة له ليشارك فى القرار.



ويؤكد أخصائى الطب النفسى إن الطفل لا يتعلم القيم كالاحترام والتقدير من النصائح النظرية فقط، بل يتعلم أكثر من المواقف العملية التى يراها فى الأسرة، فإذا كان الأب يحترم رأى الأم ويستمع لها، وبالمثل الأم تتحدث مع زوجها بلطف وتقدير، فإن الطفل ينشأ وهو يرى أن الاحترام سلوك طبيعى يجب أن يسود العلاقات داخل الأسرة.



وتنصح د. آمال ابراهيم محمد استشارى علاقات أسرية بأن تكون البداية مع مرحلة التعليم ما قبل المدرسة، فيختار الطفل ألعابه المفضلة، أو اختيار مكان قضاء اجازة نهاية الأسبوع، مما يساعد الطفل فى شخصية سوية قادرة على اتخاذ قرارات، وفى الوقت نفسه تتناسب مع قيم واحترام الأسرة والمجتمع، ولذا لا يقتصر دور الأبوين على تقديم الخيارات للطفل، بل يمتد إلى توجيهه نحو اتخاذ قرارات مسئولة، وتعليم الطفل كيفية الموازنة بين رغباته الشخصية واحترام الآخرين. ولتحقيق ذلك، يجب على الوالدين بداية من عمر ما قبل المدرسة منح الطفل حرية اختيار كاختيار نكهة العصير التى يحبها، وفى هذه المرحلة من المهم الثناء على الاختيار.



بينما فى عمر المدرسة يمكن إشراك الطفل فى اختيار نشاطه الرياضى أو الفنى أو رأيه فى تنسيق غرفته، ووضع الزهور والديكورات البسيطة، أو حتى نوع الهدية التى يود تقديمها فى مناسبة عائلية معينة كهدية لشقيقه الأصغر إذا أمكن ذلك، ومن المهم هنا تعليمه كيفية التفكير فى نتائج اختياراته من خلال الحوار وطرح الأسئلة التحفيزية لا فرض الرأي، مع الأخذ فى الاعتبار عند تدريب الطفل على الاختيار بأن الاختلاف فى الرأى لا يفسد الود، بل هو وسيلة للتعلم والنمو، مع توضيح أهمية احترام من هم أكبر منه، خاصة والديه، وأنه يمكنه أن يعبر عن رأيه دون أن يقلل من احترامهما أو يتجاوز فى الحديث معهما.



وتلفت الانتباه إلى أن بعض الأسر تخلط بين «الطاعة العمياء» و«احترام الوالدين» فتمنع أطفالها من اتخاذ أى قرار، مما يخلق أطفالا فاقدى الثقة بأنفسهم أو متمردين فى الخفاء.



بينما التربية السليمة تقوم على الموازنة بين منح الحرية فى الاختيار والتوجيه الإيجابي، بحيث يشعر الطفل بأنه يملك قراره، ولكن فى ضوء احترامه لمكانة والديه ودورهما فى حياته.



كما تشير إلى أهمية الحوار الأسرى على الأقل مرة واحدة فى الاسبوع كأسلوب فعال لتقوية هذه القيم، بحيث يسمح للطفل بطرح رأيه ويستمع الأب والأم له باهتمام دون سخرية أو استهزاء ثم يناقشانه بلغة بسيطة تتناسب مع عمره وتوضح له وجهة نظرهما، مما يعزز التفكير المنطقى لدى الطفل لا فرض الرأي، ثم مناقشته لاحقا حول قراره، مما يساعده فى بناء شخصية سوية قادرة على اتخاذ قرارات صائبة وفى الوقت نفسه متصلة بقيم الأسرة كالاحترام والامتنان، وأيضا أن تشتمل الجلسة الاسرية الأسبوعية على قيمه الاعتذار والتراجع أو التعديل فى الاختيار الغلط وشرح الفرق بين الكرامة والثقة بالذات، وأنه لا تعارض بين الاعتذار عن القرار الخاطئ. أما فى مرحلة المراهقة فيصبح من المهم جدا احترام مساحة المراهق الخاصة ومنحه فرصة أكبر لتجربة اختياراته، حتى وان كانت غير مثالية، مع الحرص على المتابعة والنقاش البناء وتقديم النصيحة بأسلوب لا يشعره بالإهانة أو السخرية، بل بالعكس، يشعره بأن والديه هما المرجع الموثوق الذى يلجأ إليه وقت الحاجة.