د. محمد فايز فرحات
ماجد منير
العُنف الطليق
5 أبريل 2025
د.سامية قدرى


على الرغم من أن العُنف ظاهرة اجتماعية وجدت مع وجود التجمع البشري، واستمرت عبر الزمان والمكان، فإن العُنف الذي يسود العالم اليوم صار جزءًا لا يتجزأ من حياتنا وتفاعلاتنا اليومية. لقد زاد حجم العُنف وتعددت صوره وأشكاله، وسرعة انتشاره ولم يقتصر على مجال بعينه، ولا فئة اجتماعية بعينها، ولا أماكن مُحددة. لقد تنبأ علماء دراسة المُستقبل منذ عقود أن العُنف سيكون أحد التداعيات الاجتماعية التي تُهدد البشرية بشكل كبير، وهو عُنف ناجم عن التحولات التكنولوجية الهائلة التي شملت كل جوانب الحياة الاجتماعية، خاصةً تكنولوجيا المعلومات الجديدة، فقد أثر التقدم التكنولوجي على عقلية الناس وسلوكهم. وصف ألفن توفلر، أحد علماء دراسة المُستقبل، في كتابه المعنون: «صدمة المُستقبل» الذي صدر في العام 1970، العنف الذي سيسود العالم «بالعنف الطليق»، للإشارة إلى سرعة انتشاره وتشكل ملامحه وتعدد صوره إلى جانب صعوبة الإفلات منه. أولى توفلر اهتمامًا خاصًا بتأثير التكنولوجيا على الجانب الاجتماعي خاصةً ما يتعلق بالنتائج الذهنية والعقلية لعملية التصنيع الفائق التي تؤدي إلى ما أطلق عليه «صدمة الثقافة» التي ستؤدي إلى الاضطراب العصبي الوظيفي، ومن ثم العنف الطليق ذلك العُنف الذي لا يقف أمامه شيء نتيجة التغيرات التي لحقت بكل جوانب الحياة الاجتماعية مع تآكل وضعف كل الأشكال التقليدية من الاستقرار والاعتياد. ولعل ذلك ما دعا السكرتير العام للأمم المُتحدة الحالي بوصف العنف الذي بلغ مداه في العقود الأولى من الألفية «بالهيجان المُثير للقلق».



يقودنا هذا، إلى تأمل وتفسير صور العُنف الغريبة والشاذة التي تحدث في مُجتمعنا منذ عقود. لقد كان العنف في مصر قاصرًا على العُنف السياسي الذي تحركه دوافع سياسية وأيديولوجية، والعُنف الأسري الذي فرضته طبيعة الثقافة، ولم يخرج العُنف إلى المجال العام بالصورة التي نشهدها اليوم إلا منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين وزادت وتيرته مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، خاصةً في ظل الظروف السياسية التي شهدتها مصر. لقد كانت الخلافات بين المصريين سريعًا ما تنتهي فور وقوعها خاصةً وقد اعتاد البعض التدخل لفض النزاعات قبل أن تحتدم، وكان المصريون لديهم رصيد من التسامح يسمح لهذه الخلافات بأن تنتهى سريعًا.



كما كان خطاب الحياة اليومية (أساليب التحية، والعتاب، والعبارات الدالة على الود والمحبة والاعتذار) خطابًا مُتسامحًا لينًا يعكس الروح الجمعية التي اعتادها المصريون. لكن يبدو أن الأمر قد تغير إلى درجة أن أصبح العُنف لغة من لغات الحياة اليومية. وقد تصادف وأنا أكتب هذه المقالة، أن قرأت على وسائل التواصل الاجتماعي عن واحدة من ألاف الجرائم الغريبة والبشعة التي وقعت في الآونة الأخيرة تحت عنوان «القتلة الجُدد» الذين لا يشك فيهم ولا يتخيل أحد أنهم قتلة: السفاح الشاعر الرقيق، الزوجة التي قتلت زوجها وأخذته في حضنها بمنتهي الحنية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، الأم التي قتلت طفلها وأكلته حتى يعود إلى بطنها حيث جاء، الشاب الذي قطع رأس جاره المُسن وجال بها في القرية وهو يشرب من دمائه... وغيرها الكثير من الجرائم التي تتم بطُرق غير مسبوقة وغير مُصدقة، والتي تلعب فيها وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مُهمًا، سواء في نشرها أو في القيام بها.



ويبقى سؤال، هل سيظل العُنف طليقًا في ظل هذه التغيرات السريعة والمتلاحقة؟ الإجابة ستكون بالإيجاب إن لم يقو المجتمع بجميع مؤسساته، الرسمية وغير الرسمية، على مواجهة هذا النوع من العنف، وبآليات جديدة من التعلم وتقوية نفوذ الأفراد والجماعات التي يُمكن أن تؤثر في حياة الناس ومن خلال تقديم بدائل اجتماعية تحت مايُسمى «بالمدينة الفاضلة» ونشرها عبر وسائل الإعلام. والجدير بالذكر، أن هذه الدعوة قد أطلقها الخطاب الدولي منذ عقود، وأكدها توفلر في كتابه، السابق الإشارة إليه، خاصةً أنه لا توجد فرصة للهروب من التغيرات الجوهرية التي تقودها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.



-------------------



أستاذ الاجتماع - جامعة عين شمس