عندما تابعت سلسلة الاستهدافات الاسرائيلية الثلاثة فى الأيام الماضية ،للضاحية الجنوبية حيث معقل حزب الله اللبنانى، ومن قبل حرب الإبادة الوحشية فى غزة طيلة عام، قفزت الى الذهن وعادت بى الذاكرة للقول المأثور للرئيس السورى حافظ الأسد، فى اغسطس عام 1994 خلال لقائه الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى قمة ثنائية بقصر رأس التين بالإسكندرية، حيث كنت شاهد عيان عندما صدم الأسد الجميع فى المؤتمر الصحفى، معلنا فى تعقيبه على اتفاق أوسلو بين ياسر عرفات والاسرائيليين بالقول بصوت جهورى، أنا لاأؤيد ولا أعارض أوسلو، وليكن فى الحسبان وسجلوها على ان السلام مع الإسرائيليين أكذوبة كبرى ووهم وخداع.
ومن أسف رغم مرور أكثر من 30 عاما حتى الآن من اتفاقات أوسلو ووادى عربة وغيرهما مع الإسرائيليين، فإن الوضع لايزال على حاله إن لم يكن أسوأ، وأقرب الى توصيف الرئيس الأسد فى ذلك الوقت، حيث بات التوتر والغليان فى الاقليم كارثيا وعنوانا وعلامة فارقة لسنوات غليان قادمة، بفعل سوءات وخطط بنيامين نيتانياهو المعلنة وليست الخفية هذا المرة، الذى يسعى لاجلها بأن يغير الشرق الأوسط، ويفرض معادلة التفوق الصهيونى ،وينهى ويمحو الفلسطينيين من الوجود ويعيد تشكيل خريطة اسرائيل الكبرى بالاحتلال والتموضع والتمركز على غالبية أراضى دول الطوق العربى من اجل حلم دولة اسرائيل الجديدة الكبري.
وللأسف حالة التشاؤم والتراجع بشأن مستقبل الاقليم، والتردى وسيناريوهات التشظى وسنوات الحروب القادمة، بات لها أنصار وأصحاب قراءات جديدة وواقعية حاليا، بعضهم لم يعد يعدم الحجة، وهو يرى مجازر ومحارق نيتانياهو تتزايد فى الاقليم، ويتوقع ان تكون لغة الحروب والمواجهات الكبرى هى عنوان المرحلة المقبلة ولسنوات طوال. احدهم وهو سياسى مصرى سابق رفيع المستوى ويتولى حاليا منصبا عربيا بارزا، فاجأنى بالقول عندما تواصلت بالحديث معه اليومين الماضيين: ان أوضاع الإقليم حاليا ذاهبة باتجاه التصعيد لامحالة، وعليك ان تتوقع السيناريوهات الأصعب فى تاريخ المنطقة من الآن فصاعدا، ثم بادرنى بالقول: ما اشهده الآن وأتابعه مع مسئولين عرب واطالعه من التقارير الخاصة التى تصلنى، يوحى بأن القادم فى الاقليم أسوأ، وان نيتانياهو يريد إشعال النيران وإلقاء قفازات النار فى وجه الجميع فى الاقليم، ولا اخفى عليك ان السنوات الأربعين الماضية من الأمن والاستقرار المعقول بعد توقيع عدة اتفاقات سلام من قبل قيادات ودوّل عربية مع حكومات سابقة فى تل أبيب، قد ولت، وسنوات الأمن وفرص الحل التى كان يخطط ويراد لها فى دول فى حالة اشتباك مع إسرائيل انتهت، حيث الحكومة الحالية فى إسرائيل هى حكومة حرب ومواجهات مؤلمة، ستضرم النار فى الشرق الأوسط الرهيب، حيث بركان الغضب والثأر يتعاظم يوما بعد يوم، وان المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة من الآن، وأشار على ان انظر إلى مأساة حرب غزة ومايحدث بها على مدى عام قادم بعد أيام قليلة ونوعية الجرائم والمجازر وحرب الإبادة التى فاقت الهولوكست التى يتحدث عنها اليهود، حيث ما تمر به غزة كل ساعة وكل يوم هو هولوكوست جديد وفريد فى الابادة والتنكيل والمجتمع الدولى والغرب المنافق، سد آذانه وأدار وجه فى انتظار نيتانياهو وحكومته من إنهاء مهمة القضاء على فلسطينيى غزة، وأضاف تابع بدقة مايحدث بلبنان، حيث الحرب هناك قد بدأت فى الجنوب ولن تتوقف والقادم اعظم. وعاد الرجل يبلغنى بأن الأوضاع فى دول المواجهة مع إسرائيل ليست على مايرام إطلاقا، حتى التى تربطها اتفاقيات سلام مع الاسرائيليين، وانهم واعون تماما لخطورة المرحلة، فالاردن القادم منه أمس لديهم هواجس غير مريحة بشأن مايجرى فى الاقليم ولا يأمنون شر نيتانياهو وفريقه من اليمينيين المتطرفين، ويتحركون بقوة لافشال مخططات الحكومة المارقة فى تل أبيب، والمصريون متحفزون لإسرائيل ولديهم وعى مسبق وإرادة قوية لِلَجْم مشاريع الوهم الإسرائيلى فى المنطقة، والقيادة المصرية واعية وحازمة فى وأد مخططات نيتانياهو فى غزة سواء بتهجير أهل غزة أو تصفية القضية الفلسطينية، ونسف خطط التموضع والتمركز الاسرائيلى على الحدود الفلسطينية - المصرية بالعين الحمراء ورفع اللاءات والخطوط الحمر فى وجه حكومة الشر بتل أبيب والعلاقات مع الاسرائيليين على غير وضعها طيلة الـ 45 عاما الماضية منذ اتفاق كامب ديفيد، ولكن مايريح النفس ان القيادة والدولة المصرية قوية وفتية ولديها من الخيارات نعلمها ولا ما لانعلمها، مايعيق ويحرق سفنا وينسف جسور نيتانياهو للمشروع والحلم الصهيونى، الذى لن يكون على حساب الحقوق العربية والأمن القومى المصرى والعربى. وأضاف: دعنى أقُلْ لك ولأول مرة منذ سنوات ،ان لدى الكثير من التشاؤم بشأن تطورات الأوضاع فى المنطقة العربية وربما بشكل مماثل فى الاقليم من جراء الممارسات والسيناريوهات الاسرائيلية ولا أخفيك سرا اننى غير متفاءل بإمكانية إتمام صفقة الهدنة بشأن وقف النار فى غزة، وتبادل الأسرى والمحتجزين بين اسرائيل وحماس، حيث يفشلها نيتانياهو كسبا للوقت وانتظارا لما بعد الانتخابات الامريكية وانتظار فرصة نجاح حليفه التقليدى ترامب، ناهيك عن ضعف إدارة بايدن الحالية والتى يزداد ضعفها اكثر وأكثر من الآن وحتى رحيلها فى العشرين من يناير المقبل، حيث لم تعد تملك أوراق ضغط.
وعدت اساله اخيراً: هل تتوقع تحريك الصفقة وأفق الحل فى المنطقة على يد ترامب ام كامالا؟ أجاب نجاح ترامب سيكون كارثة كبرى على المنطقة والعالم، فالرجل غير مؤهل وضعيف ومنحاز لاسرائيل وسيدمر الأوضاع فى الإقليم أكثر وأكثر، أما كامالا ربما تحرك المياه الراكدة فى المنطقة جزئيا وتحدث حلحلة وتحريكا معقولا، وتوقف الحرب، وتضع أفقا لاستقرار نسبى، فدعنا ننتظر المقبل. فأبلغته اننى اتفق معك تماما، لكنى أخشى اكثر منك بشأن المقبل فى الاقليم على يد نيتانياهو وعصابته فى تل أبيب.