د. محمد فايز فرحات
ماجد منير
بِئس هذا التقدم!
22 مايو 2024
د. وحيد عبدالمجيد


لم تنل الأفكار النقدية لمفهوم التقدم وواقعه المُسَمى حداثيًا اهتمامًا تستحقه. نظر كُثُر إليها بوصفها تعبيرًا عن تشاؤم تاريخى، أو عن مواقف مضادة للغرب نتيجة اختزال كل إسهامات البشر عبر التاريخ فى الفترة الممتدة منذ القرن السادس عشر.



لم يلتفت من انبهروا بالتقدم فى الغرب إلى التشوه الأخلاقى والخواء الروحى اللذين جلبا من الكوارث والفظاعات ما يفوق كل ما نعرفه عن مثلها فى عصور سابقة، وانساقوا فى الوقت نفسه وراء سردية مفادها أن التقدم غربى فى أصله وأساسه، وأن كل ما كان فى العصور الوسطى والقديمة ليس إلا تخلفًا وبدائية. تجاهلوا إشراقاتٍ كثيرةً بُنى عليها التقدم الذى احتكره الغرب وجرَّده من الأخلاق والقيم, وأهملوا كتاباتٍ رصينةً عن تلك العصور، ورؤى عميقةً عن المرحلة الأولى فى حياة البشر على الأرض0 وهى تُفيد فى مجملها أن أكبر الجرائم التى ارتُكبت خلال العصور القديمة والوسطى إنما هى أقل من أصغر فظائع عصر التقدم الحداثى الغربى. وينطبق ذلك على جرائم القتل فى الحروب، كما على غيرها.



وتزداد هذه الفظائع بمقدار ما يطغى التقدم المادى على الأخلاق فى عالمٍ تضمر روحه كل يوم. خذ مثلاً تقنيات الذكاء الاصطناعى التى تعتمد عليها قوات الاحتلال الصهيونى فى اختيار ضحاياها وقتلهم كل يوم، مثل تقنية «لافندر» التى تُستخدم لتحديد احتمال ارتباط شخص أو آخر بإحدى فصائل المقاومة، عن طريق تسجيل بيانات سكان قطاع غزة جميعهم وإجراء عملية تنميط آلى لمن يُطلق عليهم إرهابيون. وقد أصبحت هذه التقنية وسيلةً أساسية لتوجيه القذائف التى تُطلق من مُسيرات أو آليات، وتقتل وتصيب من يوجدون فى المكان المستهدف.



ويعنى هذا أن أحدث منجزات التقدم يُستخدم فى تحديد من يتعين قتله, ثم استهدافه مع كل من يوجدون معه، دون أى تدقيق أو تأكُد على نحوٍ يجعل القتل عشوائيًا. ويُقال عادةً إن مثل هذا الإجرام استثناءُ يعودُ إلى سوء استخدامٍ منجزات التقدم. ولكن عندما يزداد ويتوسع بلا ضابط أخلاقى لا يمكن أن نعتبره استثناء0 فبِئس هذا التقدم الذى لا تبقى معه قيمة لحياة البشر.